Business is booming.

عن الجمال والهوى

أخد مفهوم “الجمال” حيزاً واسعاً جداً من الفلسفة على مدى التاريخ، إلى درجة اعتباره من فروع الفلسفة، وطريقة للتعامل مع الفن والطبيعة. أما في العلم فيعرف الجمال بأنه الحكم الصادر عن الشعور تجاه الأشياء والأشخاص. وفي علم النقد هو “التفكير النقدي في الثقافة والفن والطبيعة”. هذه التعاريف الواردة للجمال ليست سوى وعي العقل البشري في بحثه عن ماهية الذات وذات الآخر، الآخر الذي ليس شرطاً أن يكون كائناً بشرياً، بل هو كل ما يحيط بنا من تفاصيل الطبيعة والأشياء، حية أو جامدة، هل من جمادٍ يعادل جماد الحجر؟ ثمّة جمالٌ في بعض أنواع الحجارة يسبب الذهول. ثمّة جمالٌ في الخيال بما يمكن فعله بمجموعة من الحجارة العادية، وهو ما تفعله الهندسة المعمارية. ثمّة جمالٌ في الفراغ أيضاً، وفي الخيال الذي يُملِئ الفراغ. يلعب الخيال إذا دوراً كبيراً في إحساسنا بالجمال وبحثنا عنه؛ غير أن الخيال أيضاً ليس شيئاً مجرّداً، أقصد بالمعنى الشخصي الفرداني له، هو نتيجة تراكم معرفي يختلف من شخص إلى آخر، ومحصلة ثقافة واطلاع وانفتاح كبير، يقوم أساساً على وعي الاختلاف والنظر إلى المختلف، لا بوصفه شيئاً علينا تقبله، بل بوصفه كينونة لا تكتمل كينونتنا الشخصية بدونها. الكينونة الشخصية، بوصفها جزءاً من كينونة عامة، تحتاج هي أيضاً إلى كينونة مختلفة لتكتمل.

هل يمكن إذا أن نضع تعريفاً جديداً للجمال، هو الاختلاف؟ أو ربما الأصح أن نضع الاختلاف من شروط وعي الجمال، لا يمكننا اكتشاف الجمال من دونه. قد يسمّي بعضهم هذا الاختلاف “القبح”، إذ لتدرك الجمال عليك أن تدرك القبح، والعكس صحيح أيضاً، مثل كل الثنائيات في الحياة. بيد أن مفهوم القبح لا يقل تجريداً عن مفهوم الجمال، وهو ما أوجد، على ما أعتقد، مصطلح “جماليات القبح” والنظرية القائمة على هذا المفهوم في الفن والأدب؛ بيد أن وعي الاختلاف ورؤية الجمال في المختلف يحتاج أمرين: نفساً بشرية متخفّفة كلياً من نزعات الكراهية، بما تنتجه من عنصرية وشوفينية لا ترى في المختلف سوى القبح، ولا ترى الجمال سوى فيما يشبهها، أو حدس شخصي، تغذّيه معرفةٌ عميقةٌ وواسعة، قادر على تخطّي الشكل الخارجي للدخول إلى منابع الجمال الأصلية، وهي الجوهر في الأشياء والروح في الأشخاص. هذا التخطي أيضاً يمارسه الحدس العالي تجاه ما يقابله من أشكالٍ جميلة، ليكتشف أن الجوهر فاسد والروح قبيحة، بيد أن ذلك أيضاً يحتاج قدراً عالياً من الموضوعية والتجرّد من مشاعر كالحب والكراهية، فهما نوعان لا يمكن معهما رؤية جوهر الأشياء الحقيقي، ولا الروح الحقيقية، ستجملهما هذه المشاعر أو تضيف لهما القبح، حسب الهوى.

الهوى لا شيء مثله يمكنه أن يتلاعب بالقيم، ولا أن يفضح “شيزوفرينيا” أصحابه، ونحن كلنا بشكل ما من أصحابه. وليس الحديث هنا عن الهوى الشخصي فقط، على الرغم من أنه كان الأصل في تحديد مفاهيم الجمال والقبح، قبل أن تتوسع رؤية الفلاسفة لاحقاً، وإنما الهوى الإيديولوجي، الأكثر خطورةً في التلاعب بالقيم، كونه يشتغل على الغرائز، يتلاعب بها، ويوجّهها نحو ما يريد. ثمّة مثلاً من يرى الجمال في الكشف، والقبح في الستر، وثمّة من يرى العكس تماماً. الهوى الإيديولوجي هنا يعمّم الرؤية على أصحابه. لا يمكنك أن تقنع ليبرالياً متحرّراً برؤية الجمال في حجاب المرأة. لا يمكنك إقناع مؤمنٍ متعصب أن جمالاً يكمن في كشف الجسد. الاثنان لن يريا سوى القبح. الاثنان ليسا موضوعيين في رؤيتيهما، فكل ينطلق من رفض الاختلاف. سوف نرى هذا الاختلاف في موضوعٍ، كالمثلية الجنسية مثلاً. لن يرى رافضوها في أصحابها سوى القبح، ومؤيدوها سوف يرون الجمال في كل ما يتعلق بها، والقبح في رافضيها.

أعطيت هنا مثالين بسيطين عن الهوى، لكنهما من أكثر المواضيع الراهنة حضوراً حول قبول الآخر ورؤية جماله، وهو في كل حال أمر مفهوم حالياً، غير أن الشيزوفرينيا، في العلاقة مع الجمال والقبح، تظهر بشكل أخطر، عندما نرفض أفكار شخصٍ ما، ونؤكد رفضنا لهذه الأفكار، بتناولنا ما هو عليه شكله الخارجي، بالتنمّر على شكله. أعطي مثلاً طازجاً: يرفض الإسلاميون كل ما قدّمته نوال السعداوي من أفكار ويعتبرونها مهرطقة وكافرة، وفي الوقت نفسه، يتنمر بعضهم على شكلها الذي يعتبرونه قبيحاً، ويتناولونه بالسخرية، شكلها الذي وهبه الله لها، الله الذي يعتقدون أنها تكفر به، هل من شيزوفرينيا ينتجها “الهوى” أكثر من هذه؟