الترجمة المقاوِمة أداةً للتغيير.. أسئلة قلّما تطرحها الثقافة العربية

في الأبحاث المبكّرة المعنية بالترجمة، شرقاً وغرباً على حدٍّ سواء، وخاصة في وطننا العربي، شَغل الباحثون أنفسهم بالعلاقة بين الترجمة والإبداع الأدبي، واهتموا بإظهار أن الترجمة تخدم أغراضاً ابتكارية في النظم الأدبية المأزومة أو الضعيفة أو الناشئة نسبياً، علاوة على النظر إليها كتعلّة لتقديم أدب مختلف وعوالم شائقة. 

في تلك الأزمان لم يُلتفت إلى دور الأيديولوجيا، سواء في اختيار النصوص أو في ما تؤدي إليه ترجمتها فيما بعد، ولم يبدأ التعبير عن هذا الدور إلا مع ازدياد تركيز دراسات الترجمة على سياسة الترجمة، وبعد أن أصبحت الترجمة ذاتها مسيّسة بشكل متزايد.

في هذا الجو نبذ الباحثون نظريات الترجمة بصفتها مجرّد عملية إنتاج نصوص بنقل كلمات من لغة المصدر إلى لغة الهدف، وفصّلوا، كما تقول الباحثة أنطونيا كارسيلن-آسترادا، الاستراتيجيات التي يستخدمها النشطاء الاجتماعيون/الحزبيون في عروضهم للترجمات وهم يأملون مساءلة أشكال الحكم المعادية بكل أنواعها، طارحين علاقات تبادل ثقافي بديلة.

ومع  ظهور نظرية الخطاب، ونظريات ما بعد المرحلة الاستعمارية، بدأ يُنظر إلى الترجمة على أنها شكل من أشكال واجهات التواصل الألسني يقدّم تحوّلات الخطاب، ويقلق المعاني الشائعة، ويزج بوجهات نظر بديلة إلى الواقع، وينشئ تصورات وتمثيلات جديدة، ويجعل من الممكن ميلاد هويات جديدة. 

هذا على صعيد النظرية، أما على صعيد الممارسة فما كان يدور حقيقة هو “حرب ترجمات” حسب تعبير الأستاذ الفيليبيني فيسانتي رفائيل في حديثه عن دور اللغة والترجمة في تصفية استعمار اللسان والمخيلة في وطنه، وهي حرب لمسنا آثارها في الوسط الثقافي العربي وما زلنا نلمسها. من جانب، على شكل استراتيجيات هيمنة ثقافية منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، أدواتها ترجمات كتب تنشرها مؤسسات أشهرها مؤسسة فرانكلين الأميركية، ومقالات في مجلات (مجلة “حوار” و”شعر” و”أدب”.. إلخ) وتديرها “منظمة حرية الثقافة” الأميركية التي كشفت الصحافة الأميركية في عام 1966 أنها واجهة جهاز مخابرات، ومن جانب آخر، على شكل ترجمات مقاوِمة – وإن لم تكن معلنة- تمتلك مصطلحاتها، أبداها أفراد وشجعتها أحزاب مثّلتها ترجمات تحمل أيديولوجيات مضادة، أبرزها ترجمات الأعمال الإبداعية الشرقية، روسية وصينية وهندية… إلخ، وترجمات فكرية لمفكرين من العالم الثالث والدول الاشتراكية مقاومين للنظم الرأسمالية وفلسفاتها، المثالية والمنفعية. 

لماذا أترجم؟ ماذا أترجم؟ لمن أترجم؟ كيف أترجم؟

وعرضت مقالاتُ كتاب صدر قبل سنوات قليلة تحت عنوان ” ترجمة، مقاومة، فعالية اجتماعية” بالإنكليزية عن مطبعة جامعة ماساشوستس الأميركية أعدته ماريا تيموشكو، أشكالا من الترجمات “المقاومة” التي كانت أدوات تغيير في مجتمعاتها، وساهمت في الحوار الأيديولوجي، وحتى في الصراع في سياقاتها الخاصة بها.

مثال ذلك مقالة جون ملتن الذي يُظهر كيف أن ترجمات جوزيه بنتو مونتيرو عزّزت حركة الحداثة في البرازيل، وساهمت في مقاومة سياسات استبداد جتولو فاركاس في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. وتوضح مقالة براين جيمس بير، كيف أنه بدءاً من الفترة ذاتها وصولاً إلى النصف الثاني من القرن العشرين، تم استخدام ترجمة كلاسيكيات الأدب الغربي إلى اللغة الروسية بصفتها خطاباً معارضاً لبعض من سياسات الاتحاد السوفييتي الثقافية، وكانت وسيلة لتكوين مثقفين سوفييت نخبويين. 

وفي كتاب “خفاء المترجم”، رأى الأستاذ الأميركي لورنس فينوتي في استراتيجية الترجمة التي اتبعها الكاتب الإيطالي إيجينيو أوجو تاركتي، أداة خروج على أفكار الأدب المقبولة في زمنه. كان هذا الكاتب خصماً لأفكار الاتجاه الواقعي في الأدب الإيطالي (في النصف الثاني من القرن التاسع عشر)، فاختار للترجمة نصوصاً أجنبية، واحتذى أسلوبها أيضاً في الروايات التي كتبها.

ويرى فينوتي أن هذا النشر لمعتقدات وموضوعات أخيولية جاء تحدياً جوهرياً للتمثيل الواقعي، وخاصة مع كتابته لأول رواية قوطية في إيطاليا، وأرجع فينوتي اهتمام القرن التاسع عشر المتزايد بالأساليب القوطية إلى تاركتي، ويعتبره هو من قوّض الواقعية الإيطالية بالنزعة الأخيولية. وهو ما سنجد مثيلاً له في وطننا العربي حين تم في النصف الثاني من القرن العشرين توظيف كتب تترجم الأساطير اليونانية، بالتجاور مع زعم أنها أدوات رقي إبداعي، في إشاعة أدب أخيولي، في الشعر والنقد بخاصة، استلّ من النصوص الأدبية كل ما يصلها بمكان وزمان محددين، وسلبها أي علاقة لها بحاجات مجتمعاتها الروحية والمادية.  

المقاومة تعني مساءلة ومعارضة الأفكار التي نتلقاها

من جانب آخر، ناقشت الأستاذة منى بكر، من جامعة مانشستر، والناشطة البارزة في أوساط حركة مقاطعة الكيان الصهيوني ثقافياً وأكاديمياً، في مقالتها “الترجمة والنشاط الاجتماعي/السياسي: ظهور أنماط الجماعات السردية”، عمل جماعات المترجمين المعاصرة (غير الربحية) التي ترجمت ونشرت وثائق أخفتها مصادر الأخبار والمعلومات الغربية، بوصفها فعلاً مقاوماً يقف في وجه مصالح الشركات المتعددة الجنسيات، والعولمة، وشركات الأسلحة، ويعمل على توسيع تبادل أكثر توازناً للأفكار في العالم. وتقدّم منى بكر بالإضافة إلى هذا إطاراً نظرياً لفهم ما تفعله حركات ترجمة مثل هذه.            

وفي سياق ما يشهده العالم الآن من نهوض للشرق وعودته إلى التاريخ، في مواجهة غرب استأثر بالسطوة على حاضر العالم وماضيه، نجد أستاذة هندية بارزة في مجال الدراسات الإنسانية هي ميني جاندرن، تجعل أبحاث الترجمة في صلب اهتماماتها، فتقدم مقرّراً دراسياً مهماً محوره الأساسي الترجمة المقاوِمة أيضا. تبدأ هذا المُقرر بالقول: “المترجم قادرٌ، حين يختار نصاً واستراتيجية للترجمة، على القيام بفعلين؛ المقاومة والهدم”.

وتلاحظ أن الأدوار التي يمكن أن يؤديها المترجم محدودة قياساً بأداء الكاتب الإبداعي، ولكن هناك دور واحد يمكن أن يقوم به، مثلما يمكن أن يقوم به الكاتب، ألا وهو دور المحارب المقاوم. وتعني المقاومة هنا معارضة أو مساءلة الأفكار الأدبية التي نتلقاها، والثقافة والأعراف الاجتماعية، ويمكن أن تكون مستوياتها متنوعة. وأي مترجم أمامه أسئلة قليلة لا بد أن يطرحها على نفسه قبل أن يباشر الترجمة هي:

– لماذا أترجم؟ 

– ماذا أترجم؟ 

– لمن أترجم؟

– كيف أترجم؟

وتضيف: “إن الأجوبة عن هذه الأسئلة ذات أثر حاسم في تحديد نوع الترجمة التي ستأتي فيما بعد”. 

ومع اتساع هذا العالم، عالم الترجمة وما استجد فيه من أفكار، يلح على الذهن سؤال في النهاية؛ أين الثقافة العربية من هذا الحقل المعرفي الذي يغتني كل يوم في سائر اللغات.. إلا اللغة العربية؟

 

التعليقات مغلقة.