Rassd Tunisia - 1er site d'information en Tunisie

لكم وثيقتكم وللثورة العراقية وثيقتها

اجتمع يوم الاثنين، 18 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، على عجل قادة الطوائف والمليشيات المسلحة في العراق، في بيت زعيم تيار الحكمة، عمار الحكيم، وأصدروا مشروعا للإصلاح تحت اسم وثيقة الشرف بأربعين فقرة. وهذه تحكي قصة معروفة ومملة، فكلما عجزت الحكومة عن قمع انتفاضة شعبية أو إنهائها، تلجأ إلى هذه الوصفة الجاهزة. وقد تضمنت وثيقة الشرف هذه ما لذ وطاب من الوعود الوهمية، وجاءت مغلفة بعنوان محاربة الفساد والفاسدين، ومذيلة بتعهد إسقاط حكومة عادل عبد المهدي، إذا لم تتحقق الإصلاحات الواردة فيها في مدة أقصاها خمسة وأربعون يوما! ولكسب ثقة الثوار بهذه الوثيقة، وإضفاء نوع من المصداقية عليها، أصدر مجلس النواب في اليوم الثاني من صدورها قانونا يقضي "بإلغاء امتيازات جميع المسؤولين في الدولة، ابتداءً من منصب مدير عام حتى رئيس الجمهورية، على أن يبدأ تطبيقه مع بداية العام الجديد، 2020". ولكن هذه الوثيقة ذات "الشرف الرفيع" نسفت مضمونها جملة وتفصيلا في فقرتها الثانية، حيث ذكرت بالحرف الواحد: "إن الحفاظ على بنية الدولة ونظامها السياسي والديمقراطي، وترسيخ مبدأ التداول السلمي للسلطة عبر الآليات الدستورية، هي المثابة التي يلتقي عندها الجميع، وتجاوزها وانهيارها خط أحمر"، وهذه تنسف أهم مطلب من مطالب الثورة العملاقة، وهو إسقاط النظام. ليس غريبا، والحالة هذه، أن يرفض الثوار هذه الوثيقة، واعتبارها محاولةً بائسة ومناورة فاشلة، تنطوي على كثير من الخداع والتضليل، والتأكيد على أن هؤلاء الأشرار لم يقوموا بهذا الفعل، إلا بعد عجزهم عن القضاء على الثورة بقوة الحديد والنار. وأن "المفسد في الأرض لا يمكن أن يكون مصلحا"، كما هي الشجرة الخبيثة لا تنتج سوى ثمار خبيثة. ثم عبروا عن هذا الموقف بجمل قصيرة رفعت في ساحة التحرير، منها "هذه الوثيقة الفاسدة لا نريدها" و"ثورة العشرين والله نعيدها"، ومنها أيضا أن "الوثيقة مرفوضة، وعار لن يقبله الثوار"، وكذلك ترديد أهزوجة تقول "هذا الشعب كله عرف هاي الوثيقة بلا شرف"، لينتهوا إلى حرقها وسط هتافاتٍ تدين هؤلاء الأشرار وتشتمهم. في حين أن عموم الناس في العراق قد استقبلها بالسخرية والاستهجان، حيث مرّت عليهم خلال سنوات الاحتلال العجاف أكثر من عشرين وثيقة من هذا النوع، وكان جديدها وثيقة عادل عبد المهدي التي تعهد فيها معالجة 50 ملفا من ملفات الفساد، من دون أن ينجز ملفا واحدا. بل على العكس من ذلك تماما، إذ تم بعد شهرين اكتشاف 410 حالات فساد جديدة في وزارة الداخلية وحدها.
ليس الثوار وحدهم الذين رفضوا هذه الوثيقة، وإنما رفضها الساعون، من شخصيات وتجمعات سياسية، إلى إيجاد صيغة توافقية بين الحكومة والثوار بذريعة وقف نزيف الدم الذي يتعرّض له الثوار السلميون على يد آلة القمع الحكومية والمليشيات المسلحة. حيث اعتبرت هذه الوثيقة غير صالحة، ولا مقنعة، وشكّكت بمصداقيتها، وكشفت عن حجم الخداع والتضليل فيها، واستهزأت بانعقاد الاجتماع خارج قبة البرلمان، المكان الشرعي للاجتماعات. وشبّهت وقت الاجتماع ليلا بالمؤامرات السرية التي تعقد في جنح الظلام، ولامت المجتمعين على عدم تناولهم قضية إقالة الحكومة، أو ذكر من تورّط منها بدماء العراقيين، وقفزت على المطالب الرئيسية، وهي إسقاط النظام وحل البرلمان وإلغاء الدستور. وخلصوا، في النهاية، إلى القول "إن الغرض منها هو المماطلة والتسويف لكسب الوقت".
أما الذين روّجوا هذه الوثيقة، وأكدوا على جدّيتها وأهميتها، ودعوا الثوار إلى ضرورة استثمارها، إنما يخدعون أنفسهم قبل أن يخدعوا الثوار، ليقدّموا خدمة لهؤلاء الأشرار، فالحديث عن عدم قدرة الحكومة على تجاهل مطالب الثوار، يجافي الحقيقة والواقع، فسقوط حكام عرب جرّاء تعنتهم بعدم تلبية مطالب شعوبهم، مثل زين العابدين بن علي وحسني مبارك ومعمر القذافي وعلي عبدالله صالح، لن يكون بالضرورة درسا يجبر الحكومة على الاهتداء به، كما يدّعي المروّجون، وانما اعتبروا صمود بشار الأسد ونجاحه بقمع الثوار والبقاء في السلطة التجربة التي تحتذي بها الحكومة، وتنتهجها دمويا لتصفية الثورة والثائرين. حيث سقط أكثر من عشرين شهيدا، وجرح ما يقارب المائة بعد صدور هذه الوثيقة بيوم. في حين لم يجر الانتباه بالقدر الكافي إلى واقع الحال في العراق الذي لا يسمح للثوار في الوصول إلى الأهداف المركزية التي قدموا من أجلها هذه الدماء الزكية، وفي مقدمتها إسقاط الحكومة وحل البرلمان وإلغاء الدستور وإجراء انتخابات مبكّرة، بشروط تضمن نزاهتها.
في المقابل، وعلى الجهة الأخرى، فإن آلية إنجاز أي مشروع إصلاحي، مهما كان متواضعا، تتطلب وجود دولة وطنية مستقلة تسعى، كما الدول الوطنية الأخرى، إلى خدمة بلدها وشعبها. في حين أن الدولة في العراق فاسدة من الرأس حتى أخمص القدمين، بل وصنفها المعنيون أنها الأولى أو الثانية في سلم الدول الفاسدة. يضاف إلى ذلك إفلاس خزينة الدولة، وتراكم الديون عليها، ناهيك عن البنى التحتية المهدّمة بالكامل. وبالتالي، الدولة الفاسدة تعد المعوق الأساس لمحاولات التقدّم، وتقويض دعائم التنمية، ما يجعل آثار الفساد ومخاطره أشد فتكا وتاثيرا من أي خللٍ آخر، كون دوره المخرّب لا يقتصر على بعض نواحي الحياة دون بعض آخر، بل يمتد إلى شتى نواحي الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وكل هذه النتائج الخطيرة المشار إليها هنا ظاهرة للعيان في العراق.
هذا ليس تجنّيا، وإنما أكد عليه جميع المسؤولين. بل اعترفوا، إضافة إلى هذا الخراب والدمار، بسرقة الأموال التي جنوها من خلال مناصبهم، بمن فيهم أعضاء في لجنة النزاهة المفترض أن تكون معنيةً بتقديم المفسدين إلى المحاكم. ثم كيف يمكن إجراء إصلاحات من هذا الوزن الثقيل في ظل الدولة التي تحولت إلى دولة مليشيات مسلحة، تعبث بمقدّرات العراق والعراقيين قتلا وتدميرا وخرابا؟ ثم من يستطيع محاكمة رؤوس الفساد، والكل يحتفظ بملف فساد ضد الآخر؟ ألم يؤكد هذه الحقيقة رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، حين هدّد بكشفها ردا على محاولة سحب الثقة منه؟ ألم يعتمد النهج نفسه حيدر العبادي، بعد أن فقد الأمل بولاية ثانية؟ ألم يجابههما الآخرون بالنهج نفسه مهدّدين بقوة بما تيسر لهم من ملفاتهما السوداء؟
أما الجانب الآخر، فإن الدول الإقليمية التي تسعى إلى إنهاء الثورة تدفع الحكومة وتشجعها على عدم الرضوخ لمطالب الثوار، أو عقد تسوية معها، وخصوصا أن لهيبها امتد إلى هذه الدول، والثورة في بدايتها، مثل لبنان وإيران نفسها. ترى كيف ستكون حال هذه الدول، إذا ما حققت هذه الثورة انتصارها النهائي؟ وبالتالي، ليس غريبا استنفار إيران كل قوتها من أجل مساعدة الحكومة على إنهاء الثورة بأي وسيلة كانت. في حين اكتفت الدول الأخرى بالتآمر على هذه الثورة بكل ما أوتيت من قوة، بدءا بالتقليل من شأنها، ومرورا بالتعتيم الكامل على كل القتل والذبح والاختطاف الذي راح ضحيته مئات الشهداء وآلاف الجرحى، وانتهاء بتقديم كل خبراتها المتخصصة بقمع التظاهرات والثورات الشعبية.
خلاصة القول، إن طرح الطغمة الفاسدة مثل هذه الوثائق، أو خطط الإصلاح، ليس من أجل الناس وإصلاح حالهم، وإنما من أجل إعادة إنتاج الفساد بطرق ملتوية، ومخادعة. وبالتالي، لن يراهن العراقيون عموما، والثوار خصوصا، عليها، أو يسمحوا لأنفسهم بالانتظار فترة أطول، أو الانشغال ما بين مؤيد ومعارض، أو ما بين متفائل ومتشائم، وإنما زاد الثوار اصرارا على تحقيق مطالبهم كاملة غير منقوصة، وفي مقدمتها إسقاط هذه الطغمة الفاسدة، وحل البرلمان وكتابة دستور جديد، وإجراء انتخابات نزيهة.
وفق هذا السياق، الحديث عن إصلاح الوضع في العراق على يد هذه الطغمة التي اجتمعت في بيت الحكيم، أو من قبل حكومة عبد المهدي التي هي نسخة طبق الأصل من الحكومات السابقة، أمر مستحيل. وبالتالي، يمكن التأكيد من دون تردّد، أنه لا إصلاح قبل الخلاص من هذه الحكومة الفاسدة ومليشياتها المسلحة وبرلمانها المزوّر وقضائها المرتشي ودستورها الملغوم دفعة واحدة، والإتيان بحكومة وطنية قادرة على إنجاز هذه المهمة الكبيرة، وخصوصا أن الحكومة المنشودة لم تعد صعبة المنال، بعد أن أبدى الثوار استعدادهم للتضحية من أجل تحقيقها. ومن يشكك في هذه الحقيقة، أو يقلل من شأنها، بصرف النظر عن نواياه، فإنه لفي ضلال مبين. 600 772 - لكم وثيقتكم وللثورة العراقية وثيقتها

قد يعجبك ايضا
error: جميع الحقوق محفوظة © رصد التونسية