لن أقول وداعاً

كنت ألتقي الطيب في فتراتٍ متباعدة، لكنني كنت واثقا من أنه صديقي، مثلما كان صديقا لكل من أراد أن يتعرّف عليه أو يحاوره أو يلتقيه على فنجان قهوة، فالطيب كان متاحا دوما لمن يود أن يجالسه أو يحاوره، بما أن عالمه الخاص كان على قدرٍ من التشابك مع عوالم الآخرين، جعل حياته جزءا منها، وألزمه بوضع فكره في خدمة ما تطلعوا إليه من حريةٍ وحقوق، وبالدفاع عنهم، وعن إيمانه بأنهم يستحقون العيش بشرا لا تنتهك كرامتهم سلطة، أو ينتقص من إنسانيتهم سبب.
لا أعرف إلى أي درجة كان طيب تيزيني فيلسوفا أو مفكرا. أعرف أنه كان هذا وذاك، وصاحب رأي، لذلك لم يتردّد في إعلانه بأكثر الكلمات وضوحا: في جميع المناسبات، وكائنا من كان الذي يجالسه، حافظ الأسد أو أحد بسطاء مخلوقات الله. وكان من رأيه أن السوريين يجب أن يكونوا أحرارا، لا سلطة عليهم فوق أو غير سلطة الحرية، كما تتجلى في سيادة القانون وسيطرة المساواة وحكم العدالة، وانتفاء ما أعادي النظام الأسدي من أجله: الدولة الأمنية التي لم تفته مناسبة مهما كانت عابرة، من دون أن يجاهر بضرورة القضاء عليها، ليصير النظام نظاما بحق، وينتقل من الهمجية إلى السياسة بمعناها الأرقى: الذي وضعها عند أرسطو تحت مفهوم قريبٍ من فهم عربي قديم، ساوى بينها وبين العدل عند تدبير الشأن العام، على أن تتفق وسائله مع غاياته، وتلتزم مثلها بالحرية كخصيصة يتعرّف ويتعين الإنسان بها، وليس بأي خصيصة غيرها، إن أريد له أن يكون إنسانا بحق، وليس عبدا للاستبداد والمستبدين، أعدائه الألداء.
لم يكن الطيب يرى نفسه ودوره بدلالة موقعه أستاذ فلسفة في جامعة دمشق، وفردا نافذا من النخبة المتعلمة، بل كانت تلقائيته تزيل أية حدود بينه وبين الآخرين، بمن فيهم الذين يختلف معهم أو يختلفون معه، وكانت آراؤهم، مهما قست، لا تفسد للود قضية عنده. ومع أنه كان يشعر بالامتعاض من حين إلى آخر، إلا أنه كان يخفي امتعاضه، لاعتقاده أنه ضعف إنساني لا يليق به، وإنه لا يجوز إطلاقا أن ينقلب إلى غضبٍ عليهم. لذلك كنا نتساءل دوما، عندما نلتقي به وكأننا ودعناه قبل قليل: هل قرأ ما كتبناه من انتقادٍ لهذا أو ذاك من كتبه ومقالاته، وكنا على ثقةٍ من أنه لو قرأه لكان غضب كما نغضب نحن، ولظهر ذلك في سلوكه نحونا. كنا، بصراحةٍ، نقيس على أنفسنا، ولم نكن نصدّق أنه قادر على امتلاك درجة الترفّع على الإساءة والتجريح، والتي كان يبديها بتلقائيةٍ تخلو من التصنّع والتكلف تجاه من كانوا يؤذونه في فكره وشخصه.
كان الطيب طيبا بحق، لذلك، لا أعتقد أنه دخل في عراك كلامي مع أحد، أو أساء إلى أحد، أو غلّف آراءه بغمز ولمز بأحد، بل كان، ككل صاحب رأي يحترم غيره بصفته من أصحاب رأي، ويرى في احترامه لهم احتراما لفكرهم وآرائهم، فلا يتطاول عليهم أو يهزأ بهم أو ينتقص من قيمة ما يعبرون عنه من أفكار. بهذه الروح، كان يتعامل مع طالباته وطلابه في الجامعة، ويضع نفسه تحت تصرّفهم في الوقت الذي يريدونه، ويجعل علمه فرعا من علمهم، ودوره جزءا من حاضرهم ومستقبلهم، وكان يفعل ذلك بتواضع محبّ المعرفة الذي يرى إيصالها إلى الآخرين معيار جدارته العلمية والحياتية.
لن أقول وداعا، أيها الراحل الذي زلزلنا موته، كأنه لم يمت أحد غيره منذ وقت طويل، مع أن موته لن يغيّبه عن الثورة التي شارك في صنعها، وسيخلده أيضا دوره فيها. 600 768 - لن أقول وداعاً

قد يعجبك ايضا