المصريون وتزيين الشرفات

قبل ما يقرب من ثلاثة عقود، كانت البنوك المصرية الحكومية، تلجأ إلى حيلة طريفة عند نهاية العام، تعمد بها إلى تضخيم ميزانياتها، من أجل إعطاء صورة أفضل من الحقيقة، فكانت تطلب من البنوك الأخرى، غير الحكومية، إجراء عمليات إيداع وإقراض متبادلة بين الطرفين، تترتب عليها زيادة الأصول والالتزامات في ميزانياتها، دون وجود حاجة حقيقية لتلك العمليات، وفي أحيانٍ كثيرة، دون حدوث حركة فعلية للأموال بين البنكين.
وكان البنك الحكومي "الحويط" الذي يرغب في إجراء ذلك النوع من العمليات، يلجأ أحياناً إلى بنك ثالث "وسيط"، يتم إدخاله بين الطرفين، من أجل إخفاء الحركة المباشرة المتبادلة بين البنكين، في ما اصطلح على وصفه بـ "تزيين الشرفات" Window Dressing، أي جعلها تبدو، على خلاف الحقيقة، في صورة أكبر من حقيقتها.
ومنذ اتفاق صندوق النقد الدولي مع مصر لإقراضها مبلغ اثني عشر ملياراً من الدولارات، في نوفمبر / تشرين الثاني من عام 2016، وبدء تطبيق ما أطلق عليه برنامج الإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع الصندوق، نصح الصندوق مصر بتزيين شرفاتها، على غرار ما كان يحدث في البنوك المصرية، ودأب على الإشادة بالشرفات المزينة، دون النظر في ما وراءها من مخلفات قبيحة ومؤلمة.
نصح الصندوق مصر بزيادة احتياطي النقد الأجنبي لديها، وأشاد في أكثر من مناسبة بارتفاعه، إلا أنه لم يتطرق في أي وقت إلى الكيفية التي ارتفع بها رصيد تلك الاحتياطيات، ولا إلى الارتفاع الموازي، وإن كان أكثر ضخامة، في رصيد الدين الخارجي، رغم أنه انتقد في كثير من الأحيان، بعيداً عن مصر، ارتفاع مديونية الحكومات في الدول النامية وفي الأسواق الناشئة!
ونصح الصندوق مصر بالعمل على زيادة معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، وأثنى على ما تم تحقيقه، لكنه لم يشر من قريب أو بعيد إلى انخفاض الناتج المحلي المصري عموماً، وانخفاض إنتاجية العامل، واقتصار الزيادة التي تحدث على ما يتم من مشروعات عقارية وإنشائية، توسعت فيها الدولة والقطاع الخاص بصورة مبالغ فيها، رغم إسهامها الضعيف في تحسين مستوى معيشة الأغلبية العظمى من المواطنين، وعدم تحقيقها أي إضافة إلى الصادرات، واستنزافها كميات ضخمة من العملة الأجنبية، أو في قطاع الطاقة، أي النفط والغاز، والذي يُحرم المصريون من أغلب ثماره.
نصح الصندوق مصر بالعمل على تقليص عجز الموازنة العامة، وهلل لتحقيق فائض أولي فيها، رغم علمه أن مشكلة موازنة مصر الحقيقية تكمن في بند خدمة الدين العام، أي الفوائد المدفوعة عليه فقط، ودون سداد أي أقساط، وهو ما يتم استثناؤه عند احتساب العجز أو الفائض الأولي، والذي يستحوذ حالياً على ما يقرب من 60% من إجمالي إيرادات الدولة.
يفعل الصندوق ذلك، وهو يعلم جيداً أن المعنى الحقيقي الوحيد لتحقيق فائض أولي في الموازنة هو أن خدمة الدين تجاوزت إجمالي عجز الموازنة العامة للدولة، وهو أمرٌ، لو تعلمون، عظيم.
أيضاً نصح الصندوق الحكومة المصرية بالعمل على استهداف التضخم، وأثنى على إنجازها بتخفيضه إلى المستويات الحالية بين 13%-14%، بعد أن وصل في بداية برنامج الإصلاح، وبفعل التعويم، الذي اشترطه قبل منح الحكومة القرض، إلى 34%.
إلا أن الصندوق نفسه، الذي يدرك أن انخفاض التضخم لا يعني انخفاض الأسعار بعد القفزات المتعددة التي حدثت فيها، وأنه تسبب في انخفاض مستوى معيشة المصريين بلا رجعة، وأن العودة إلى المستويات الأعلى من التضخم هي حتمية، عند رفع أسعار الوقود قبل نهاية يونيو/ حزيران الحالي، كما تعهدت الحكومة المصرية للصندوق، لكن وقتها سيكون الصندوق قد نفض يده تماماً من قرض مصر وإصلاحاتها، ولن يعنيه إلى الالتزام بالسداد، وهو بالتأكيد ما ضمنته له حكومات الخليج "الشقيقة" في الوقت المناسب.
وقبيل نهاية الأسبوع الماضي، استلم البنك الدولي الراية من الصندوق، فأثنى على سياسات "الإصلاح الاقتصادي" في مصر، وأكد أن جهود الحكومة الإصلاحية ساعدت على زيادة الاحتياطيات الأجنبية، وانخفاض التضخم، وتقليص عجز الموازنة، وانتعاش النمو، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، إلا أنه أوضح أن "حوالي 60% من سكان مصر إما فقراء أو من الفئات الأكثر احتياجا". وأشار بيان البنك إلى أن عدم المساواة في مصر آخذ في الازدياد، وأن معدل الفقر في بعض المحافظات في الصعيد تجاوز 66%.
البنك والصندوق لا تعنيهما كثيراً أحوال المصريين الحقيقية، ولا يهمهما ما وراء الشرفات المزينة من حالٍ حقيقية للاقتصاد المصري، ونقاط الضعف الكامنة فيه، كما أنهما لا يتابعان التزام الحكومة المصرية بإجراءات الحماية الاجتماعية، التي تحمي الطبقات الأكثر ضعفاً، عند تطبيق بنود برنامج الإصلاح الاقتصادي القاسية، رغم أنها جزء لا يتجزأ من الاتفاق.
لكنها عادة الصندوق وغفلة الحكومات أو تواطؤها، أن يكون هناك دائما ضحايا بالملايين للإجراءات الإصلاحية، وفي أغلب الأحيان، تكتب إجراءات حمايتهم على أوراق الاتفاق، ولا يتم الالتزام بتنفيذها في الواقع العملي.
قبل عدة عقود، نجحت حكومة مدغشقر في القضاء التام على وباء الملاريا الذي كان متفشياً في البلاد، لكن بعد مرور عدة سنوات، فقد الكثيرون مناعتهم، فعاد المرض لينتشر في البلاد مرة أخرى.
وبعد بحثٍ اتضح أنه كان يتعين على الحكومة أن تجري اختبارات دورية، للتيقن من عدم تمكن البعوض من التكاثر مرة أخرى، وللتأكد من استمرار نجاح جهود القضاء عليه.
وتبين أن أياً من ذلك لم يحدث بعد النجاح "الأولي" للتعامل مع الوباء، حيث منعت إجراءات التقشف التي فرضها صندوق النقد وقتها إتمام تلك الخطوات، وتوقفت الحكومة عن عملية المراقبة، وتم توجيه الموارد المخصصة في الموازنة للرعاية الصحية للمواطنين لسداد فوائد القروض التي حصلت عليها الحكومة، بينما استمر البعوض في التكاثر وفي نشر المرض بين المواطنين الذين انخفضت مناعتهم، وكانت النتيجة وفاة عشرة آلاف شخص، متأثرين بمرض الملاريا.
600 312 - المصريون وتزيين الشرفات

قد يعجبك ايضا