وقفة مع علي عبد الرؤوف

تقف هذه الزاوية مع مبدع عربي في أسئلة سريعة حول انشغالاته الإبداعية وجديد إنتاجه “ما تشهده مصر من ظاهرة أسمّيها ‘الاستباحة المعمارية والعمرانية’ حيّدت المجتمع عن كونه طرفاً في تشكيل عمرانه ومدينته” يقول المعماري المصري في حديثه مع “العربي الجديد”.

اقرا ايضا

football - وقفة مع علي عبد الرؤوف

كأس إفريقيا للأمم (أقل من 23 سنة): عملية القرعة يوم الخميس بالقاهرة

2022/08/15 22:42
1659215656 ugtt almasder 660x330 - وقفة مع علي عبد الرؤوف

الحكومة واتحاد الشغل يستأنفان جلسات الحوار الاجتماعي بداية من اليوم الاثنين

2022/08/15 22:31

■ ما الذي يشغلك هذه الأيام؟

– غالباً ما أقول خطأ الطبيب قد يقتلُ فرداً واحداً، أمّا خطأ المعماري فإنّه يقتلُ مدينةً لعُقود ممتدّة. لذا، أراني مشغولاً ومسكوناً بهمومٍ كبيرة ممّا يحدث في عمارة وعمران مصر. يُقلقني كمُّ المشروعات المتعملِقة المتضخّمة، وخصوصاً العاصمة الجديدة، والعلمين الجديدة، والوراق الجديدة، وماسبيرو الجديدة. هذه مشروعاتٌ عقارية غيرُ منتِجة، ليست فقط في إطار أولويات الشعب، ولكنّها عديمة الفِكر أو الطرح الإبداعي، ولا تضعُ مصر على خارطة التميُّز المِعماري والعمراني. كما تقوم على رفض أُطروحاتٍ معماريةٍ وعمرانيةٍ جوهريةٍ في الخطاب المعاصر، مثل: “العمارة المستدامة والعمران الصديق للإنسان”.

يندهش المراقِب من أنّ هذه الفترة في مصر يقود الحكومة أستاذ معماري عمراني متخصّص في الحِفاظ على المناطق ذات القيمة، وبها أكثر من 120 ألف معماريٍّ وعمرانيٍّ ومُخطّط مدن، وما لا يقل عن خمسين قسم عمارة وتخطيط في الجامعات والمعاهد، ومع ذلك يتواصل الانحدار وتتفشى ظاهرة الإخلاء العمراني، وطرد الجماعات المهمّشة كما حدث في ماسبيرو ويحدث الآن في جزيرة الورّاق. وتتوافق مع كلّ هذا ظاهرةٌ أسمّيها “الاستباحة المعمارية والعمرانية” وأعني بها أنّ المجتمع لم يعُد طرفاً في كيفية تشكيل عمرانه ومدينته. محاور عُلوية وكباري مزّقت أحياء مصر الجديدة دون تفاعُل مع المجتمع وعوامات على نهر النيل تُزَال بلا سببٍ ومقابر أثرية وذات قيمة تُهدَم، وأبراج تخترق الساحل الشمالي وكوبري يُبنى على الشاطئ العام المخصّص لسكّان الإسكندرية.

هذه ظواهر تعبِّر عن استباحة المُجتمع والإغفال الكامل لقيمة دوره وصوته في تقرير كيف تتطوّر المدينة وتنمو وماذا يبنى بها.

■ ما هو آخر عمل صدر لك وما هو عملك القادم؟

– آخرُ عمل صدر لي هو كتاب “عمارة وعمران ومدينة ما بعد جائحة كورونا” 2022، وصدر عن دار نشر “جامعة قطر”، وهو أوّل كتاب باللغة العربية في الشرق الأوسط يَصدر ليناقشَ أنّ المُدن العربية والخليجية، وبصرف النظر عن قدراتها المالية المُتفاوتة، واجهت تحدّيات متعدّدة في كيفية صياغة وتخطيط العمران لتصبحَ مدناً أكثر إنسانيةً وأكثر أماناً من الناحية الصحّية والبيئية. وهكذا، فإن الوباء يتطوّر إلى أزمة حَضرية، مما يضطرُّنا إلى إعادة النظر في معتقداتنا الراسخة بشأن الشكل الجيّد للمدينة والغرَض من التخطيط، ويُتيح الوباء فرصة لإعادة النظر في أولويات التخطيط العمراني في العالم ما بعد جائحة كورونا.

دفعنا الوباء لإعادة النظر في أولويات التخطيط العمراني

أما أعمالي القادمة فهي تتحرّك في محورين. المحور الأوّل أن قطر قدّمت تجربةً تنمويةً وعمرانيةً ومعماريةً متميّزةً على صعيد الشرق الأوسط بأكمله تستحقُّ التحليل والاستجواب. ولذا أعملُ على كتاب يناقش عمارة وعمران قطر المعاصرة راصداً التوجّهات الإبداعية بها وكذلك الإشكاليات النقدية. والمحور الثاني وهو امتداد تصوّراتي عن شمولية الفنون والتي بدأتها في كتابي “مدن العرب في رواياتهم” وفي هذا الكتاب الجديد سأتناول علاقة العمارة والعمران والمدينة بفنّ السينما والتبادلات الإبداعية والاستلهامية والنقدية بين المجالَين في السِّياق الغربي كطرحٍ افتتاحيٍّ استدلاليٍّ، ثم التركيز الكامل على السياق العربي. 

■ هل أنت راض عن إنتاجك ولماذا؟

– لا أتوقّف أبداً عن المُساءلة الذاتية، أو حتّى تعنيف نفسي على الكسل والتقصير، ولكني في الوقت ذاته راضٍ عن إنتاجي، ولكنّه رضا تحفيزي وليس استرخائياً. كما أنني راض لأنني أدركت، وبصرف النظر عن متطلبات السياق الأكاديمي التي تحتم النشر باللغة الإنكليزية، وأيقنت أن اللغة العربية هي المقوم الرئيس لتغيير الوعي الذي نتطلع إليه في سياقنا العربي.  أنشر مقالاً علمياً في دوريّة بالإنكليزية يقرأُه المئات، ولكن ما أنشرُه باللّغة العربية يقرأُه عشراتُ الآلاف من مصر والعالم العربي، وهم جلُّ اهتمامي ورهاني على التغيير. وسعادتي لا نهائية عندما أتلقّى رسالة شابٍّ عربيّ يقول لي قرأت كتابك وغيّرتَ بوصلة أفكاري بسببه.

■ لو قيض لك البدء من جديد، أي مسار كنت ستختار؟

– يلجأ الإنسان إلى تغيير مسارِه بسبب الندم، ولكنّي لا أعتمد مصطلح الندم في حياتي وأستبدله بالتعلُّم. لا أندم بل أتعلّم. وبهذا التصوُّر يمكنكَ أن تُدركَ أنني لا أُريد أبداً أن أبدأَ من جديد أو أن أغير مساري. سعيدٌ برحلتي المكثّفة بالمُنحنيات والانخفاضات والارتفاعات والإخفاقات والنجاحات، ولكنّها معاً تنسج مشواراً كلّه تمتُّع بالتعلّم والتعرُّف على سياقاتٍ مكانية ومعرفيةٍ مُتباينةٍ. أشعر بالسكينة لأنّي أملكُ سرديّتي الخاصة وسأستمر في صياغة فصول إضافية بها حتى لحظاتي الأخيرة.

■ ما هو التغيير الذي تنتظره أو تريده في العالم؟

– كلّ يوم نقرأ عن حقوق المواطن والإنسان، وأهمّية القبول والتعدّدية، واحتواء الجميع وبُغضِ العُنصرية والطبقية، ولكنّ المَشاهد من كلّ بقاع الأرض وبِصُورٍ متفاوتة تجعلني حزيناً. حتى أثناء جائحة كورونا، اكتشفنا أنّ الأكثر تضرُّراً همُ الفقراء المهمّشين. أريد عالماً عديمَ التحيُّزات الناتجة عن لون أو دين أو توجُّه أو عِرق. أريدُ عالماً يقيم الأفكار ولا يُحاكم الأشخاص. أمّا في بلدي مصر، فكلّ ما أرجوه أن يستشعر الشعبُ المصري نسمات الحرية وعذوبة الكرامة وإنسانية العدالة.

■ شخصية من الماضي تود لقاءها، ولماذا هي بالذات؟

– يدهشك أنني ومع تواضعي الكامل أمام العديد من الشخصيات التي برزت وتألّقت في الماضي وساهمت في حضارتنا ومعارفنا، ونَهلي من تجاربهم، إلّا أني لا أسعى إلى مقابلة شخصيات من الماضي. أميلُ وأتطلّع إلى لقاء شخصيات مستقبلية. لن أعيشَ لأصل إلى عام 2200 أو عام 2350، ولكنّني أتخيّل أن أُقابلَ كاتباً مهمّاً في هذه الحقبة، أو معمارياً مؤثّراً، أو مخرجاً سينمائياً متميّزاً، وأرى ماذا يقدّمون من أطروحات إبداعيّة، وركائز فكريّة، ومساهمات فارقة، على الرغم من اعتقادنا الساذج أحيانا أنّنا فعلنا كلّ شيء في ماضينا وحاضرنا ثم يبهرنا هؤلاء. نعم أريد أن أقابل هؤلاء مُبدعي ومفكّري المُستقبل. 

اللغة العربية هي المقوّم الرئيس لتغيير الوعي الذي نتطلع إليه

■ صديق يخطر على بالك أو كتاب تعود إليه دائماً؟

– هو صديقي، ولكنه أيضا أستاذي ومعلمي وهو المعماري المصري الراحل عبد الحليم إبراهيم الذي كان له أكبر الأثر في تشكيلِ أفكاري، وتوجّهاتي في سنواتي الأولى لدراسة العمارة، وهو من علمني ألا أخون فنّي أبداً، وأن أكون مناضلاً ولا أقدّم تنازلاتٍ من أجل مالٍ أو منصبٍ. أما الكِتاب الذي أعودُ إليه دائماً فهو “لغة الأنساق” وهو كتاب مرجعيٌّ موسوعيٌّ، ألَّفه البروفيسور كريستوفر ألكسندر أستاذي في “جامعة بيركلي” بكاليفورنيا، وهو أهمّ كتاب يتناول كيفية تصميم علاقة الإنسان بالمكان من مستوى المدينة حتّى مستوى الشُّرفة البسيطة، بصورة خلَّاقة وإنسانية وعاطفية.

■ ماذا تقرأ الآن؟

– منهجي في القراءة تعدُّدي ومُربِكٌ لأنه متداخل حيث أقرأ أكثر من كتاب في نفس الوقت، وعادةً في سياقات معرفية مختلفة وأندهش دائماً من كيفية بلورة أفكار مشتركة وتواصلات مبهرة من هذه القراءات. حالياً، أتعامل مع أربعة نصوص بديعة وهي كتاب “مقدّسات ومحرّمات وحروب: ألغازُ الثقافة” للكاتب مارفين هاريس، وكتاب “نظام الاشياء: التفكير في ما بعد الحداثة” للكاتب ميشيل مافيزولي، وكتاب “مدن ما بعد الأزمة” للكاتب كارلوس فاسكويز، كما أعيد قراءة رواية “يوتوبيا” للراحل أحمد خالد توفيق التي تذكّرني بما يحدث في مصر، وتؤكّد على القدرة الفارقة لهذا الكاتب وحساسيّته في فهم تداعيات وصراعات الحياة في مصر.

■ ماذا تسمع الآن وهل تقترح علينا تجربة غنائية أو موسيقية يمكننا أن نشاركك سماعها؟

– أحبُّ جدّاً الاستماع للموسيقى التي تقرّب من الشعوب البعيدة، وتعطي لك نافذة معرفية على إبداعات تتجاوز المستقرّ في وجدانك من أغان وموسيقى عربية. لهذا أسعدُ جدّاً بالتجارب الغنائية والموسيقية من أميركا اللاتينية وأفريقيا وإيران. وقد شاهدتُ مؤخّراً وثائقي “البحث عن رجل السكَّر” ويحكي مسيرة البحث عن موسيقي أميركي مغمورٍ اسمه سيكستو رودريغيز كان يُعتقد أنه توفّي ثم تبيّن انتقاله إلى جنوب أفريقيا وأصبح الأكثر شعبية، وله أغنية بديعة كتبها ولحّنها يقول: “متى ستأتي وتلوّن أحلامي، أنتَ تحمل كلّ الإجابات فتتلاشى أسئلتي. نذوب كقطعِ الثلج في الشمس لنبقى معاً للأبد. أنا مسكون بك لأنني كاملٌ فقط بسببك”.


بطاقة

معماري وناقد وأكاديمي مصري من مواليد القاهرة عام 1964، يدرّس في “جامعة حمد بن خليفة” ويعمل مستشاراً للبحث والتطوير في “إدارة التخطيط العمراني” بقطر. من مؤلّفاته: “النقد المعماري ودوره في تطوير العمارة المعاصرة” (2014)، و”من مكّة الى لاس فيغاس: أطروحات في العمارة والقداسة” (2014)، و”مدن العرب في رواياتهم” (2016)، و”التنمية العمرانية المرتكزة على المعرفة في الشرق الأوسط” (2018)، و”ميدان وثورة وشعب: القصة المعمارية والعمرانية لميدان التحرير” (2019)، و”المدينة العربية” (2020)، و”عمارة وعمران ومدينة ما بعد جائحة كورونا” (2022).

%D8%B9%D9%84%D9%8A%20%D8%B9%D8%A8%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A4%D9%88%D9%81 - وقفة مع علي عبد الرؤوف
شارك المقال
  • تم النسخ