جيب كالينينغراد تحت الحصار: بؤرة توتر بين روسيا والأطلسي

GettyImages 1235148199 - جيب كالينينغراد تحت الحصار: بؤرة توتر بين روسيا والأطلسي

في خطوة تنذر بتفجر بؤرة جديدة للتوتر بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، منعت ليتوانيا عبور عدد من السلع الخاضعة لعقوبات الاتحاد الأوروبي من الأراضي الروسية إلى مقاطعة كالينينغراد، الجيب الروسي الواقع على بحر البلطيق، وتصل إليه السلع الروسية بواسطة السكك الحديد عبر بيلاروسيا.

اقرا ايضا

elect 660x330 - جيب كالينينغراد تحت الحصار: بؤرة توتر بين روسيا والأطلسي

تركيز شباك موحد لاستفتاء 25 جويلية بفضاء المواطن في بلدية المنستير

2022/07/03 20:30
election isie 660x330 - جيب كالينينغراد تحت الحصار: بؤرة توتر بين روسيا والأطلسي

هيئة الانتخابات تصدر “مدونة سلوك” الأطراف المشاركة في حملة الاستفتاء

2022/07/03 20:19

ورداً على الخطوة الليتوانية، دعا صحافيون قوميون روس إلى الاستيلاء على الخط الحدودي بين ليتوانيا وبولندا في الممر المعروف باسم “سوالكي”، والذي يمكنه نظرياً أن يصل بين الأراضي الروسية والجيب المحاصر عبر أراضي بيلاروسيا.

وكشف حاكم مقاطعة كالينينغراد أنطون أليخانوف، أنّ شركة سكك الحديد الليتوانية منعت شحن قرابة نصف المواد التي تحصل عليها المقاطعة من روسيا عبر سكك الحديد، موضحاً أن المنع الذي بدأ أمس الأحد، يشمل مواد البناء والإسمنت وبعض المواد المصنعة.

وشدّد أليخانوف على أن الإجراء يعدّ “انتهاكاً صارخاً لبروتوكولات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لدول البلطيق (لاتفيا وليتوانيا وإستونيا) وقواعد العبور الحر”.

ودعا المسؤول الروسي سكان مقاطعته إلى عدم القلق من نقص المواد والسلع، ولكنه أقرّ أن التعويض عن هذه الشحنات بشكل كامل يحتاج إلى استثمارات بقيمة 10 مليارات روبل (200 مليون دولار) لزيادة عدد العبّارات من ميناء “أوست لوغا” قرب مدينة سانت بطرسبرغ، وتوسيع الميناء في كالينينغراد، ويترتب عليه زيادة تكلفة النقل عبر البحر.

اتهامات روسية لليتوانيا

من جهته، اتهم نائب رئيس مجلس الاتحاد (الشيوخ) الروسي، قسطنطين كوساتشيوف، ليتوانيا بانتهاك عدد من القوانين الدولية في حصارها لمقاطعة كالينينغراد الروسية.

ورأى أن الخطوة الليتوانية تمسّ بالتزامات الاتحاد الأوروبي ككل، مشيراً إلى أن “اتفاقية الشراكة والتعاون بين روسيا والاتحاد الأوروبي في 24 يونيو/ حزيران 1994 لم تلغَ وأن حرية العبور هي أحد المبادئ الأساسية لمنظمة التجارة العالمية”.

اتهم مسؤول روسي ليتوانيا بحصار كالينينغراد وتقييد حرية العبور

وعلى الرغم من انشغال العالم بالحرب الروسية على أوكرانيا، فقد جذبت كالينينغراد الانتباه في الأشهر الأخيرة، خصوصاً بعد تلويح الرئيس الروسي السابق، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي ديمتري مدفيديف بنشر “قوات بحرية كبيرة في خليج فنلندا”، في رد على طلب فنلندا والسويد الانضمام لحلف الأطلسي.

وقال حينها: “لا يمكن أن يكون هناك مزيد من الحديث عن وضعية لا نووية لبحر البلطيق”، في تهديد صريح بنشر أسلحة نووية في المنطقة.

وحملت المدينة والمقاطعة اسم كالينينغراد منذ عام 1946 تخليداً لاسم القائد البلشفي ورجل الدولة السوفييتي ميخائيل كالينين. وقبلها كانت تحمل منذ تأسيسها كجزء من بروسيا في عام 1255 اسم كونيسبورغ وتعني بالألمانية جبل الملك.

وكانت المدينة مسرحاً لحروب طويلة للاستيلاء عليها لموقعها الاستراتيجي، وفي عام 1758 سيطرت عليها الإمبراطورية الروسية أثناء حرب السنوات السبع (1756-1763) التي قادتها الامبراطورة إليزابيتا بيتروفنا الابنة الصغرى للإمبراطور بطرس الأكبر، لكنّ خلفها بطرس الثالث تنازل عنها لبروسيا في عام 1762 بمقتضى اتفاقية سلام.

ولاحقاً احتلتها الإمبراطورية البولندية الليتوانية قبل أن تعود لسيطرة الألمان حتى عام 1945، إلى حين اكتسحها الجيش السوفييتي وطرد قرابة 350 ألف ألماني منها، وباتت جزءاً من الاتحاد السوفييتي نتيجة مؤتمر بوتسدام الألماني 1945.

ويعد الفيلسوف الالماني إيمانويل كانط (1724-1804) أهم الشخصيات في تاريخ المدينة حيث ولد ومات فيها ولم يغادرها حين احتلها جيش الإمبراطورية الروسية.

وبعد انضمام بولندا وبلدان البلطيق إلى الاتحاد الأوروبي في 2004 برزت مشكلة تنقّل المواطنين الروس ونقل البضائع من وإلى كالينينغراد نظراً لموقعها الجغرافي، وتم التوصل إلى صيغة لترانزيت الأفراد والبضائع لسكان المنطقة وفق إجراءات توافقت عليها روسيا والدولتين والاتحاد الأوروبي.

وتملك روسيا عدداً من الخيارات للرد على وقف ليتوانيا ترانزيت عدد من السلع إلى مقاطعة كالينينغراد. ومن السيناريوهات المحتملة للرد الروسي، تهديد ليتوانيا براً، ولكن هذه الخطوة تحتاج إلى موافقة من بيلاروسيا.

ويبدو أن روسيا غير واثقة من تجاوب الرئيس ألكسندر لوكاشينكو، نظراً لما عُرف عن الأخير من استغلال الأزمات بين روسيا والاتحاد الأوروبي لمصلحته. ومن المؤكد أن فرض حصار بحري على ليتوانيا يحتاج قوة عسكرية ما يعني إمكانية الدخول في احتكاك مباشر مع حلف الأطلسي.

وكما فعلت مع فنلندا يمكن لروسيا أن تستخدم سلاح الطاقة، وتوقف اتفاقيات الربط الكهربائي مع بلدان البلطيق. والمعلوم أن روسيا وبيلاروسيا وبلدان البلطيق ربطت خطوط الكهرباء في المنطقة عبر حلقة “بريلل” لتبادل التيار الكهربائي.

وفي السنوات الأخيرة عملت روسيا على تحقيق اكتفاء ذاتي لمنطقة كالينينغراد في مجال الطاقة الكهربائية. وعلى الرغم من أن بلدان البلطيق بدأت العمل على تحقيق استقلال كامل عن مصادر الطاقة الروسية منذ عام 2017 وتوقفت عن شراء النفط والغاز الروسيين، إلا أنها ما زالت معتمدة على الكهرباء الروسية وتنوي الاستغناء بالكامل عنها في 2025، ولهذا يمكن أن يتسبب قطع الكهرباء الروسية بمشكلات اقتصادية في ليتوانيا، أو تصبح مضطرة لاستيراد الكهرباء من بيلاروسيا.

حرب في الأفق

وفي مواجهة الخطوة الليتوانية، وعلى وقع تصاعد الخطاب القومي في روسيا واللجوء إلى الوسائل العسكرية أكثر، طالب بعض الخبراء بأن تذهب روسيا إلى خيار فتح حرب مع ليتوانيا وبولندا.

وفي مقال على موقع “تسارغراد” القومي، ذكر الكاتب إيغور خاليموغوروف، أن “ما حدث كان مناسبة لإعادة البحث حول ممر سوالكي، واحتمال حل نهائي للمشكلة بالوسائل العسكرية”.

ورأى الكاتب أنه “في المبدأ، هناك أسباب قانونية. فترانزيت كالينينغراد يمثل جزءاً لا يتجزأ من مجموعة الاتفاقيات بين ليتوانيا وروسيا والاتحاد الأوروبي. بضمانها، تلقت ليتوانيا التصديق على معاهدة حدود الدولة. وفقاً لذلك، إذا انتهكت فيلنيوس من جانب واحد اتفاقيات العبور، فستفقد شرعية الحدود، وتحصل موسكو على الحق في رسمها في المكان الذي تراه مناسباً”.

دعا أحد الكتّاب الروس إلى استخدام القوة العسكرية ضد ليتوانيا وبولندا

وممر سوالكي هو ممر طبيعي افتراضي يبلغ طوله حوالي 104 كيلومترات، ويقع على الحدود البرية بين بولندا وليتوانيا وهو قادر على ربط أراضي بيلاروسيا بكالينينغراد.

وبغض النظر عن خيار الرد الروسي على خطوة ليتوانيا، فمن الواضح أن منطقة بحر البلطيق تتحول إلى بؤرة ساخنة قد تفتح على مواجهات عسكرية مباشرة بين روسيا وحلف الأطلسي، بعدما شهدت المنطقة تدريبات ومناورات كثيرة منذ ضم روسيا شبه جزيرة القرم الأوكرانية في عام 2014.

ومن الواضح أن كالينينغراد التي سيطرت عليها روسيا من ألمانيا نهاية الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) والتي كان ينظر إليها كنافذة على أوروبا للتقارب، تتحول إلى خط المواجهة الأول في سباق التسلح بين روسيا والغرب، عبر نشر صواريخ رداً على توسع حلف الأطلسي شرقاً وشمالاً.

وربما تخرج الأمور عن السيطرة خصوصاً في ظل رغبة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإعادة أمجاد الإمبراطورية الروسية، وحديثه منذ أيام في ذكرى ميلاد ملهمه الامبراطور بطرس الأكبر أنه استعاد أراضي البلطيق ولم يحتلها.

وعليه يمكن توقع أن يحبس العالم أنفاسه في حال قرر “القيصر الجديد” أن يواصل سياسة أسلافه، ويذهب إلى مغامرة جديدة للاستيلاء على ممر سوالكي ليشق طريقاً جديدة لروسيا إلى بحر البلطيق على حساب بولندا وليتوانيا.

شارك المقال
  • تم النسخ