ريم كيلاني.. أغنية فلسطين الباقية

4 19 - ريم كيلاني.. أغنية فلسطين الباقية

شكلٌ من أشكال التحريض على الفنّ والمعرفة والمقاومة، هو الاستماع لأعمال الفنّانة والمغنّية الفلسطينيّة ريم كيلاني (1964). لا لأنّها تعتبر كتابتَها وألحانَها وغناءَها، كُلّاً واحداً، الانتماء فيه خالص لوجه فلسطين الأرض والتراث والمنفى، بل لأنّ كلّ ذلك، يتكثّف في مشروعٍ جادّ لا سلعة تُباع. وبما أنّها تعي الموضوع الذي اختارته وحيثيّته السّياسية في خارطة الفنّ، فإنّها مدركة تماماً، أنّ هذا لا يعني شيئاً سوى المواجهة الحاضرة أبداً، والمتعدّدة الجبهات، بالضدّ من عجَلة التسليع الفنّي الرائج، وضدّ أذواق المنتِجين التي لا تدور إلّا مع المُزيّف والفاسد. بعد ما سبق، هل من داعٍ لنذكّر بأنّ التضييق والتهميش سيتعرّضان، بالضّرورة، لمثل هكذا تجربة، وأنّ لا ردّ على ذلك، سوى مزيد من الالتزام ومزيد من التحريض؟

اقرا ايضا

1657146197 justice 660x330 - ريم كيلاني.. أغنية فلسطين الباقية

محكمة المحاسبات بقفصة: اسقاط قائمات النهضة وقلب تونس في تشريعية 2019 وحرمان أعضائها من الترشح للانتخابات لخمس سنوات

2022/07/06 23:23
anas hamadi 660x330 - ريم كيلاني.. أغنية فلسطين الباقية

أنس الحمادي: مشروع الدستور يمهد لاستعمال القضاء ضد الخصوم السياسيين..

2022/07/06 23:12

لا تنطبق على صاحبة “لِمَ أُحبُّها” (2019) المقولات التصنيفيّة المباشرة، فصحيح أنّ حمولتها الأدبيّة تتشرّب أشعار توفيق زيّاد ومعين بسيسو ومحمود درويش وغيرهم من شعراء فلسطين، وأنّ أسانيدها الشعبيّة تشتبكُ فيها تهليلات التراث الفلسطيني والعربي، ومواويل الشّتات وعذابات نساء الخِيام. ولكنّ هذه المشارب لا تحضرُ الحضور البَدهي، إنّما تعيد كيلاني صياغتها بِبُعدٍ عالمي؛ أليست هي من مزجت ذاتَ أغنيةٍ “وين ع رام الله” بـ “Mama Don’t Allow”. هي في ذلك لا تستعير، ولا تُركّب، بقدر امتحانها لِما في المَوروث من قدرة على الاستيعاب، ولِما عند الآخر من مواضع تصلح للتشييد، وتمكن مخاطبتُه من خلالها، خاصّة أنّ حفلاتها تُقامُ على المسارح الغربيّة بشكل متواتر. فهي بريطانيّة المَولد “وقاعدالهم”، كما تقول في أحد حواراتها، ليست ضيفة تغنّي أغانيها وتذهب. كما أنها كويتية النشأة وتعتز بها أيما اعتزاز. 

قصيدتان فارسية وعربية وقّعتا عنواناً واحداً لإصدارها

ألبومها الأخير، الصادر في آذار/ مارس الماضي، حمل عنوان “قال المُغنّي: طائر السّحَر”، والسؤال الذي قد يتبادر إلى الذّهن: ماذا يصنع المستمِع بأغنيتين فقط، وأيّ رسالة تريدها المغنّية من وراء شعر محمود درويش ومحمد تقي بَهار؟ للإجابة على هذا، علينا أوّلاً تحييدُ – أو لنقُل رمي – المعجم النقدي الذي روّج له نقّادٌ من طينة المنتِجين الفاسدين، مِن أصحاب الأذواق المتطابقة، الذين قهروا أسماع العالم بشركات الإنتاج الفاحشة الثراء، ومن ثمّ الاستعاضة عن ذلك الفساد، بحسّ نقديّ سليم يستلهم مفردات المنجز الفنّي نفسه. 

يتسلّح عمل كيلاني الأخير، بموقف معرفيّ من الوجود تختزنه أشعار محمد تقي بَهار (1886 – 1951) أمير شعراء الفارسيّة في القرن الماضي، وصاحب كلمات أغنية “طائر السّحَر”. قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، تصادِياً ثقافيّاّ واستعارة بين ما هو عربيّ وفارسيّ رغم كلّ السّدود المختلَقة بين الثقافتين. بيد أنّ صاحبة “الغزلان النّافرة” (2006) لا تؤطّر اشتغالها تحت مظلّة مقولات كالعالمية والتراث بوصفهما عالمَين متوازيَين، إنّما تُشقّق كلّ مقولة كبرى منهما على حِدة وتكشف عن غزارة تدرّجاتها، فلا التراث يبقى جامداً على مستواه اللّحني، ولا العالمية تستحيل إلى كبسولة أو وصفة سحرية تختزل الحَيويّة والوصول. عند هذا الحدّ فإنّ مفاهيم كالتّصادي والاستعارة تعود إلى حجمها الطبيعي، مقارنة بالتجربة الفعليّة لمغنّية فلسطين. 

           

ولو وقفنا قليلاً عند “مرغ سحر” أو (طائر السحَر) ــ ماذا تعني؟ ولمَ وقع عليها الاختيار؟ ــ لوجدناها تُكثّف رمزيّة سياسيّة عالية، إذ كُتبت بتأثير من ثورة المشروطة أي (الدّستورية) في إيران ما بين عامي (1905 – 1911)، التي تمكّنت من انتزاع حقّ إنشاء البرلمان في ظلّ حكم ملكيّ دستوريّ. لذا فالطائر، هنا، هو الشعب المتطلّع إلى الحريّة، والسحَر ليس إلّا الموعد القريب الذي يتحقّق فيه الخلاص.

ومع الزّمن أصبحت الأغنية التي لحّنها مرتضى نی‌ داوود (حافظت كيلاني على اللحن واكتفت بإعادة توزيعه) لازمةً جماهيرية، عند كلّ منعطف من تاريخ إيران المعاصر، وكأنّما صدى كلمات بَهار ما زال يتردّد: “ظُلم ظالِم، جور صیّاد/ آشیانم داده بر باد/ ای خدا، ای فلک، ای طبیعت/ شام تاریک ما را سحر کن” إنّها حقّاً مناجاةٌ مفتوحة للإله وللطبيعة وللأفلاك ولسائر العناصر، لعلّها تشهد على انتصار الصّباح بعد ليل طويل. وفي هذا تمام جدليّة الوعي السياسي والفنّي المهمومة كيلاني بخلقِه في عملها.

في نشأة كيلاني الأولى تكوّنت فكرة التعدّدية، فمنذ طفولتها أخذَتها رحابة الاتجاهات ما بين الكويت وبريطانيا، مبتعدةً عن الاطمئنان أو الركون إلى فكرة التّحرك في فضاء واحد. وهذا يُفسّر أيضاً، أنّ تلحينها أو توزيعها أو حتى كتابتها لبعض أغانيها، لم يأتِ من دافع تقنيّ، فكثُر هم المغنّون والمغنّيات الذين تنقّلوا ووَالفوا بين هذه الحقول. لكنْ، قلّما شُفع تنقّلهم بموقف موازٍ على صعيد اللّغات، وإن حضرت تعدديّة لغوية ما، فمن باب البحث عن سبيل وصول إلى مركزيّة تكتفي بإعطاء الهوامش القليل من مساحات الاعتراف وحسب. 

تمتحن الموروث بالآخر وتبني على قدرتهما في التفاعل

أمّا تجربة الغناء بالفارسيّة، وحسب المصطلح الذي قدّمته كيلاني نفسها، فهي تنتمي إلى “موسيقى المجتمعات” التي نشأت فيها، واختزنت ذكرياتها معها خلال مسيرتها الحياتيّة والغنائيّة. فالفترة التي قضتها من حياتها في الكويت، جعلتها على تماسٍ مع أنغام فارسيّة قريبة. وهي في الوقت عينه تتطلّع إلى المزيد من هذا النوع، أي أن تغنّي بلغات متعدّدة غير ملتفَتٍ إليها ــ كالصومالية مثلاً، التي أعلنت نيّتها الغناء بها ــ وأن ترتحلَ بالصّوت العربي صوبَ شعوب شتّى. وخياراتها لهذه اللّغات بالذات، جاء بعد القرار العنصري للرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، بحظر مجموعة دول إسلامية من السفر إلى أميركا، ومن ضمنهم بطبيعة الحال الصومال وإيران. 

وما بين “طائر السحَر” و”قال المغني” تتجلّى صلة وصل لا بدّ من الإشارة إليها، وبالمناسبة لا يصحّ الحديث عن الأغنيتين من باب التراتبيّة في أيّهما أولى وأيّهما ثانية، كونهما قد وقّعتا العنوان معاً. لذا، فإنّ الصّلة بينهما لم تكن أقلّ من ذلك الحضور الخفيّ لمحمّد رضا شجريان (1940 – 2020)، المغنّي الإيراني الشهير، الذي أهدته كيلاني إصدارها. فإذا كان شجريان قد سبق له أن غنّى أغنية بَهار الثوريّة تلك، وصخبت مسارح إيران لصوته وهو يردّد “نغمهٔ آزادی نوع بشر سرا”، فإنّه يتّحدُ أيضاً بكلمات الأغنية العربيّة من الألبوم، كيف لا وهو الذي دفعَ ثمن موقفه الملتزم بقضايا الشعب، سواء في عهد الشّاه أو في العهد الجمهوريّ الإسلاميّ لاحقاً، وكأنّه المَعنيّ حقّاً بكلمات درويش في “قال المغنّي”: “المُغنّي على طريق المدينةْ/ ساهرُ اللّحن.. كالسّهرْ/ قال للرّيح في ضَجَرْ/ دمّريني ما دمتِ أنتِ حياتي/ مثلما يدّعي القدرْ/ واشربيني نخبَ انتصار الرّفات/ هكذا ينزل المطرْ”.

 

بجدّية معرفيّة، أنجزت ريم كيلاني عملها الموسيقي، فجدّدت ما في التحريض من قوّة مواجهة، وهيّأت للمَسامع أغنية رصينة ترتقي بالذائقة. يُشار إلى أنّ مجموعة من التعاونات الفنّية قد تقاطعت في هذا الإصدار، إذ أُرفِق بكُتيّب ثلاثي اللغة (العربية – الفارسية – الإنكليزية) يحضر فيه اسم الشاعرين نجوان درويش من فلسطين، وحمزة كوتي من إقليم الأحواز مع الترجمة العربية والفارسية، بالإضافة إلى احتوائه على بحث في الموسيقى الإثنيّة. أمّا من ناحية التصميم فكانت الأغلفة من توقيع لجين زاهر، واشتغل على الخطوط الفنان الإيراني بهمَن پَناهي. وبهذا اكتملت شروط الرّفعة الفنية في “قال المغنّي: طائر السحَر”.

* كاتب من سورية

شارك المقال
  • تم النسخ