"أرض" روبن رايت: جحيم يصنع حياة

“صعبٌ حقّاً أنْ أكون مع الناس الآن. إنّهم يريدونني أنْ أكون أفضل من هذا”. تقول إدي هولزر (روبن رايت). تُضيف أنّها تُشارك الآخرين شعورها، قبل أنْ تتساءل: “لماذا عليّ أنْ أشارك؟ لماذا أريد من أي شخص المُشاركة؟”. تؤكّد، في ختام تساؤلاتها القليلة والمكثّفة هذه: “لا يُمكنهم (مشاركتي)”. تردّ عليها الطبيبة النفسية: “لكنّ هذا يعني أنّك وحدك مع ألمك”.

هذا كافٍ لبداية “أرض” (2021)، لرايت نفسها، المُشاركة في إنتاجه أيضاً. بداية مُصوّرة في غرفة يميل ضوءُها إلى عتمة خفيفة، والستائر تُخفي الخارج، فالعزلة ضرورية، وإدي تأتي إلى الطبيبة لأنّ شقيقتها إيما (كيم ديكنز) تقول إنّها ساحرة: “يعني أنّك تريدين السحر”. تضحك إدي بمرارة. في الغرفة، لن يتوضّح شيءٌ آخر، باستثناء أنّ إدي ستكون وحدها مع ألمها. التفاصيل المكوِّنة لهذا الألم تظهر تباعاً، في لقطاتٍ، مدّة كلّ واحدة منها دقائق قليلة للغاية، وبعضها يُشبه كابوساً ينقضّ عليها عند إصابتها بارتباك صحّي، مصدره هذا الألم نفسه.

بقاء إدي بين الناس مُضرّ لها. تريد خلاصاً. تتحرّر من كل قيدٍ يربطها بالمدينة وناس المدينة ومعارفها. تتخلّص من كلّ تقنياتٍ حديثة، وتلجأ إلى الطبيعة، لإقامةٍ غير محدّدة الزمن، في كوخٍ لا كهرباء فيه ولا مياه ولا مرحاض (المرحاض في الخارج، على بُعد خطوات عدّة). عزلة تامّة. منفى في المكان الأبعد عن البشر، وعن الألم ربما. رغبتها في هذا غير منبثقة من شعورها بأنّها محتاجة إلى اغتسال وتطهّر، لإخراج الألم منها. هذا متأتٍّ من هروبٍ تظنّه خلاصاً وانبعاثاً من موتٍ تعيشه كلّ لحظة. مقتل زوجها آدم (وارن كرسْتي) وابنهما درو (فِنْلي وُيْتَنغ ـ هيسّون) في حادث سير أصابها بعطبٍ عميقٍ في روحها وذاتها. العزلة التامة عن البشر مطلبٌ لها، ولن يكون ضرورياً معرفة الهدف منها: خلاصٌ أو ابتعادٌ أو احتضار بطيء. تريد العزلة التامة، فقط.

بهدوء، يتناقض وغليان ذاتها وعطب روحها وقسوة كوابيسها واضطرابات جسدها، يغوص بوبي بيكوفسكي (مدير التصوير) في ثنايا الطبيعة وتفاصيلها الدقيقة، وفي مسام إدي، جسداً وروحاً. يرافقها في جولاتها حول المنزل الريفي، وفي اكتشافاتها المختلفة لأساليب العيش في البرّية، ولكيفية ترتيب شؤونها، وهي بهذا عاجزة، فالمصاعب تزداد، والويلات تنقضّ عليها لأنّ الطبيعة غير رحيمة، بعواصفها وحيواناتها وأصواتها المخيفة. ولأنّها، هي نفسها، غير معتادة عيشاً في البرّية. شيئاً فشيئاً، يبني التصوير حكاية امرأة، عاجزة حتّى عن تحقيق عزلةٍ تامّة تبغيها، فالمرض وسيلة خفية لفتح نافذة على العالم الذي تهجره، إذْ ينتبه الصيّاد ميغل بورّاس (دِميان بيتشير) إلى أنّ أمراً ما يحدث في المنزل، بعد توقّف صعود الدخان من المدخنة. بمساعدة صديقته الممرضة ألّاو كرو (سارة داون بلادج)، تستعيد إدي نشاطها وحيويتها، ويزداد إصرارها على العزلة التامة، التي يكسرها ميغل بإرادتها، إذ يُدرّبها على أصول الصيد وفنونه، وعلى كيفية ترتيب أحوال عيشها في جغرافيا قاسية كهذه.

 

 

الصداقة بينهما تقوى تدريجاً. شرطها الأول ألّا يحمل إليها أخبار العالم، فيُوافق. ذات لحظة، يُخبرها أنّ امرأته وابنتهما تُقتلان في هجوم على مسرح. كأنّ ميغل يُصبح مرآة لها، ترى فيهما (ميغل والمرآة معاً) روحها المحطّمة، وبداية دربها إلى الاغتسال من ألم الخراب وحُطام النفس. الإمعان في تصوير الطبيعة، بتناقضاتها بين جمالٍ أخّاذ ووحشية مُخيفة، يترافق وإمعاناً آخر في التقاط نبض التحوّلات التي تعيشها إدي في مسارٍ يُشبه درب جلجلةٍ، يُفترض بنهايته أنْ يُعينها على النهوض من كبوة الألم والعذاب والقهر والخيبة.

لا إسقاطات دينية وتأمّلات فكرية وقراءات إيديولوجية. النصّ (سيناريو جيسي شاتام وإيرين دغْنام) سلس ومبسّط، يسرد بهما أحوال امرأة محطّمة، تريد هروباً فتعثر على انبعاث. التوليف (آن مَكايْب وميكِل إي. جي. نيلسن) متلائم وتقلّبات الطبيعة، وتحوّلات إدي في آنٍ واحد. يُقدِّم التفاصيل في متتاليات غير مدّعية، ويوضح التناقضات بنبرة هادئة، ويُبيِّن التمزّقات في انعكاسها الخارجيّ عبر ألوان وإضاءة، يُساهمان في التنبيه إلى جوانب وهوامش، تُشكِّل مفاصل البناء الدرامي والحكائي والجمالي لـ”أرض” (89 دقيقة).

استعادة كيانها بعد ترميمه متأتية من تراكم اللحظات الأخيرة قبل الاستعادة. غياب ميغل عنها يطول، فتقلق. تريد معرفة سبب ذلك، فتخترق الحاجز اللامرئي، المصنوع بيديها لحمايتها من العالم الخارجي، كي تسأل عنه. تلجأ إلى ألّاو، بعد عامين على إنقاذ الممرضة لها من موتٍ جسدي. تأخذها ألّاو إلى منزل ميغل، فتكون صدمة أخرى، مع أنّها أخفّ ثقلاً من قسوة الأولى، لأنّ إدي تحتاج إلى خطوة أخيرة لإنهاء ترميم ذاتها، وميغل يمنحها إياها، كمنحها إياه سكينة الرحيل. ما يقوله لها وما تقوله له في ذاك اللقاء الأخير يعكس أجمل معنى لصداقةٍ حقيقية. فهي، من دون أنْ تدري، تُعطيه ما يُريده: “سبيل إلى الموت في حالة من النعيم”. وهو، من دون أنْ يقصد، سيُحيي فيها الرغبة في الحياة مُجدّداً: “كنتُ سأموت منذ وقتٍ طويل لو لم تُعدْني إلى الحياة. تمنّيتُ، لبرهة من الزمن، لو أنك لم تفعل هذا. بعد ذلك، جعلت الحياة قابلة للعيش”.

موت ميغل خلاصٌ لإدي، وهذا يكاد يُشبه موت آدم ودرو، رغم قسوته الأعنف من موت ميغل، فموت الزوج والابن يُغرقها في جحيم الأرض، كي تُدرك معنى الحياة. هذا يُقال ببساطة وسلاسة سينمائيتين.