تفاصيل الشقاء

تلاقي الأفلام الوثائقية رواجاً كبيراً بين مشاهدين كثيرين. لها سحرها الخاص وقدرتها على جذب المشاهد، ولا سيما إذا كانت ممزوجةً بلمسةٍ دراميةٍ، وتحقّق المحطات والقنوات المتخصصة بعرضها أرباحاً طائلة، لكونها مصدراً معرفياً مريحاً وممتعاً في الآن ذاته، للراغبين في الحصول على المعلومة في أي شأن. ما يميز هذا النوع من الأفلام الجادّة الملتزمة، أنها تعرض الحقائق الموضوعية المجرّدة، من دون تدخل خيال المخرج أو الكاتب. ويمكن تصنيفها جنساً إبداعياً فنياً مكتمل الشروط، يتطلب، في العادة، توافر ميزانيات ضخمة، ويشكل مجال تنافس كبير بين شركات الإنتاج والمحطات الفضائية. ولأنني ممن ينشدّون إلى المواضيع التاريخية على وجه الخصوص، توقفت طويلاً عند أفلام وثائقية أنتجتها، بتمويل أوروبي سنة 1984، شركة أفلام مصر العالمية ليوسف شاهين “وشركاه” (أدارتها ابنة شقيقته المخرجة ماريان خوري).
أول هذه الأفلام “أسطورة روز اليوسف” الذي تناول سيرة حياتها منذ خروجها الدرامي من موطنها الأول، مدينة طرابلس اللبنانية، طفلة يتيمة شريدة تائهة في شوارع الإسكندرية والقاهرة، إلى أن تصبح امرأة صلبة، صاحبة إرادة قوية، لتغدو، في فترة قياسية، أيقونة في عالم المسرح، ومن أعمدة الصحافة في مصر، يرافقها المشاهد في رحلة عناء وصبر ومثابرة، تشكل درساً لكل الطامحين إلى الإنجاز والنجاح. ويسرد فيلم “عندما تغنّي المرأة” حكاياتٍ ممتعةً شائقةً عن منيرة المهدية وأم كلثوم، وتاريخ الأغنية النسوية المصرية والتطور الذي طرأ عليها في مرحلة الألق والإبداع التي اصطلح على تسميتها مرحلة الزمن الجميل.
ويتناول فيلم “عاشقات السينما” سير ممثلات أسّسن لحضور المرأة في السينما المصرية في العشرينيات، ممثلة ومخرجة ومنتجة، آسيا داغر وماري كوين وفاطمة رشدي وأمينة رزق وغيرهن. يحكي قصصاً مؤثرة لأولئك اللواتي حفرن بالصخر، وتعرّضن للنبذ والاحتقار من محيطهن الذي لم يرَ فيهن أكثر من غانياتٍ يجلبن العار لعائلاتهن التي كان بعضها يقيم مآتمهن، ويتلقى العزاء بهنّ وهنّ على قيد الحياة “إعلاناً نهائياً بالتبرؤ من عارهن”، كما جاء في مقابلة مع أمينة رزق. قال يوسف شاهين، في معرض حديثه عن آسيا داغر، منتجة فيلم “صلاح الدين” ذائع الصيت، من بطولة أحمد مظهر، إنها كانت امرأة ذكية، سابقة عصرها، عشقت السينما، وأخلصت لهذا الفن، فخلّدت اسمها بين مؤسسي السينما المصرية. وأكّد شاهين، من تجربته، أن النساء الفنانات أكثر تميّزاً وأكثر مهارة من الرجال، لناحية اعتنائهن بالتفاصيل، والتزامهن توجيهات المُخرجين واحترامهن مهنتهن. المحزن أن معظم أولئك الرائدات اللواتي وصلن إلى المجد والشهرة والثراء انتهين وحيدات مُعدمات، ولم يجرِ تكريمهن وتقدير منجزهن الكبير الذي مهد الطريق أمام أجيال من الفنانات، كي يبدعن ويحققن ذواتهن، وينتزعن الاعتراف والثناء من المجموع. ولم يكن لهذا الأمر أن يتحقق دون التضحيات الكبيرة التي قدّمتها الرائدات اللواتي دفعن الثمن الباهظ من أعمارهن واستقرارهن الأسري وأمانهن المعيشي، وهن يكدحن ويعبّرن عن أنفسهن في مرحلة تاريخية صعبة على النساء المتواريات في الحرملك، المحرومات فرص التعليم والعمل وحق المشاركة السياسية. أسهمت أولئك الفنانات الشجاعات في كسر تابوهات كثيرة في المجتمع المصري، ما مهّد لحركة تحرّر المرأة من قيد الحريم وتسلّط الرجال، ولمشاركتها الفعالة في كل مناحي الحياة. وعند متابعة هذه النوعية من الأفلام القيّمة التي تُعَدّ وثائق تاريخية، حيث نستعيد تفاصيل الشقاء الذي اختبرنه، متحدّيات الأعراف والتقاليد البائدة، لا نملك سوى الإحساس بالزهو والتقدير لقوة إرادة الأنوثة، وقدرتها العجيبة على تخطّي كل الصعاب في أحلك الظروف، وفي مختلف الأزمان.