عقدة الوسط وخيارات الحضور والذات

تتشعب أحوال النفس البشرية، وتتقلب في أطوار وتغيّرات عديدة، ولكلٍ منا شجون في نفسه، يدافعها وهو يمضي في أيام عمره، يصطدم في هذا المسير بهمومٍ تؤرق نومه وتُسهد ليله، ويجد نفسه في ميادين لا تشبهه، وبين هذا وذاك، تظل هذه النفس واحدةً من أعقد سمات البشر، فلا يستطيع التعرف على كنهها إلا كل من تبحر في علوم متعددة، ولا يُحسن التعامل معها إلا من استطاع قراءة نفسه بشكلٍ جيد، وتعرف على نقاط قوته وضعفه.

وأجد أن من الأمراض المنتشرة، التي أصبحت مما “عمت به البلوى”، ما يُعرف بـ”عقدة الوسط”، وهي عقدة يعاني منها -عادة- من يكون في وسط العائلة، فلا هو يحظى بدلال “آخر العنقود” وما يكون له من خصائص ومزايا، ولا هو يُعد من بين كبار إخوته أو أكبرهم، خاصة في العوائل الممتدة التي تضم أفرادًا عدة، وما بين المرتبتين، يظل يُستنزف بين أعباء وواجبات لا يُمكنه التنكر لها، أو التغافل عنها، وبين مزايا وحقوق لا تصل إليه إلا لممًا.

وبحسب متخصصين في علم النفس، تُعد “متلازمة الوسط” من المشاكل المنتشرة بكثرة، في العائلات الصغيرة والكبيرة على حدٍ سواء، وأن الكثير من تصرفات الوالدين على مستوى المشاعر والكلمات والتوجيهات هي التي تترسخ في الطفل، وتترك في نفسه آثارًا عميقة وتمضي به نحو هذه المشاعر السلبية. ويقول أحدهم في مقابلة تلفزية إن الشعور الذي يُرافق الطفل الوسط في العائلة، يُلازمه حتى مراحل متقدمة من عمره، ولكنها على صعيدٍ آخر تكون أبرز دوافعه ليُثبت نفسه أمام أسرته وأمام محيطه الأكبر، وبحسب المقابلة هذه يكون الطفل الوسط هو الأكثر حنانًا، ويحتوي غالبًا جميع من حوله، كما أنه الأكثر جدية وجدًا، فما مر به من مشاعر تدفعه للبحث عن جوانب تميزه، ليُثبت نفسه، ما يُرسخ فيه صفات بالغة الإيجابية، إضافةً إلى توسع مداركه وأفكاره، وهو ما ينعكس على موقعه ومكانته حتى في البيئات المختلفة اللاحقة من العمل والحياة الاجتماعية.

لن أخوض بشكلٍ كبير في أسباب هذه المتلازمة، وبكل تأكيد ليست متلازمة لكل من هم في وسط العائلة، بل يمكن أن يُصاب بهذه العلة أي فردٍ فيها، ولكن غالب من يعاني منها ممن هم في الوسط، حتى كثر التندر عن هذه الحالة في وسائل التواصل الاجتماعي، ومن أطرفها ذلك المقطع أن الأم تضع قطعة جبنة واحدة في شطيرة ولدها “الوسطاني”، وفي المقابل تضع عشر قطع جبنة لولدها الصغير، ويختم المقطع بقول صاحبه “أمي لا تميز أحدًا”.

لا عبرة بالمعاني من دون تطبيقات على أرض الواقع، ولا عبرة بالتشخيص من دون التماس الدواء

بكل تأكيد، الأم لا تميز أحدًا من أولادها، ولكنها ربما حالة عامة غير مقصودة، ينساح فيها الإنسان نتيجة ضعفٍ فطري فيبقى ذلك الصغير في عيني أمه، صغيرًا لو طار غراب رأسه واشتعل شيبًا، أما الآباء، فلهم في ذلك حكايا أخرى، فالتقديم عند دالة السن هي المقدمة عندهم، عن كل معايير أخرى، فالأكبر هو الأعلم والأفهم والأولى أن يدار معه الحديث، ويناقش في السياسة والواقع، أما من هم في الوسط فيظلون وسطًا في كل شيء وحال، لو أصبحوا من كبار محللي الدنيا، أو من أهم أساتذة جامعات العالم، أو ممن حباه الله بحكمة لقمان وصبر أيوب.

بعيدًا عن طرافة هذه المواقف، أو ما تتركه من أذى في النفس، ولكن كثرة من يتندر بها، أو يتناولها، تعكس انتشارًا كبيرًا، ما يستدعي بكل تأكيد علاجًا، خاصة في الأسرة، التي تعاني في هذه العقود الأخيرة من مشاكل فكرية وعقدية، وتحاصر العائلة المسلمة أمراض فتاكة، فسد ثغرة يسيرة على غرار التعامل مع الوسط، سيفتح المجال لسد الثغرات الأخطر والأكبر، ويكفينا أن نعامل أبناءنا بالقسط كما أمر الله تعالى، لنتجنب تلك الشرور وغيرها، وفي ذلك تفاصيل مبثوثة ومقالات لأهل التخصص والفقه.

وأعود للعلة، وعلى الرغم من أن ميدانها الأساسي الأسرة، ولكنها تنعكس بشكل أو بآخر على دوائر العلاقة الأخرى، ففي العمل هناك الموظف “الوسط”، الذي لا ينخرط كثيرًا مع الآخرين، والذي يأتي إلى الشركة من بيئة أخرى مختلفة، فكرية أو دينية أو حزبية أو مناطقية… فيتحول في هذه البيئة إلى الهامش، وتصبح مناسباته الاجتماعية أمرًا عابرًا، أما ما يمر مع غيره فله الأولوية، ويحظى بمشاركة من رأس الهرم إلى من هم في أسفله، وصاحبنا الوسطي لا يلقى إلا الغرم، ولا يعرف معنًى للغُنم.

أخيرًا، لا عبرة بالمعاني من دون تطبيقات على أرض الواقع، ولا عبرة بالتشخيص من دون التماس الدواء، وما مقالي هذا إلا محاولة لتسليط الضوء، والعلاج عند أهل التخصص من علماء النفس والتربية والمتخصصين في شؤون الأسرة، فما يمكننا القيام به مع أطفالنا صغارًا، سيقيهم أمراضًا جليلة كبارًا، وكما ندفئهم في أيام الشتاء الباردة، علنا ندفئ قلوبهم ونقي وجدانهم أي أمراض مستقبلية لا قدر الله.