"المشهد الأخير" في نصٍ حميم: عائلة تروي سيرة ثورة وخيبات

هذه سيرة شابٍ وإخوته، في أعوام ثورةٍ عفوية وسلمية ومدنية، يُحوّلها الطاغية إلى حربٍ ضد شعبٍ وبلد. “المشهد الأخير” (2021، 98 دقيقة) لإياس المقداد (كتابة وإنتاجاً وإخراجاً ومونتاجاً) يروي، على لسان صانعه، حكاية عائلة ومدينة وثورة وتمرّد ومواجهة وخيبة وذاكرة وهجرة وانتماء وهوية وحياة وارتباكات وتمزّقات. حكاية ذاتية جداً. صوت الراوي/ المخرج يقول تفاصيل، ويبوح بانفعالات، ويواكب صُوراً وتعليقات ومسارات بتفسيراتٍ وفيرة، وهذا نافرٌ أحياناً، ففي النصّ المروي شفهياً كلام يُمكن نشره في كتاب، بدل إسقاطه على متتاليات بصرية، لأنْ لا إضافة بصرية يمنحها للمُشاهَد.

رغم كثرة ما يقوله الراوي من كلامٍ، والكثرة هذه تبدو للحظات ثرثرةً يُمكن الاستغناء عنها بسهولة، يلتقط “المشهد الأخير” تفاصيل حميمة ترتبط بعائلة، وأخرى عامّة تنسحب على غليان جماعةٍ، تطلب حرية وعدالة وحقوقاً وعيشاً. الحميمي مرتكز على إخوةٍ واشتغالاتهم ومواقع بعضهم قبل 18 مارس/ آذار 2011، وانقلابهم على وظائف تُنفِّذ، مع الثورة السورية، نزوات طاغية، تتمثّل بالقتل والسحق والتنكيل والتغييب. ضابطٌ في الأمن الجنائي ينشقّ لاحقاً عنه (يَسَار)، ومُجنّد يؤدّي الخدمة العسكرية الإلزامية، ينشقّ ـ هو أيضاً ـ عن الجيش (فراس). الشقيق الثالث (عروة) يدرس الصحافة في جامعة دمشق، تعتقله المخابرات الجوية على أحد حواجزها المنتشرة سريعاً (شهران ونصف من التعذيب)، بينما إياس نفسه يستعدّ حينها للسفر إلى بلجيكا لإتمام دراسته: “غادرتُ سورية بعد خروج عروة من الاعتقال، منتصف عام 2011”.

هذه تعريفات تُقال في بداية فيلمٍ، يُرافق مصائر الإخوة في أعوام ثورة وحرب وانقلابات وتبدّلات. قبلها، هناك تقديم بصوت الراوي أيضاً، يقول إنّ والده، بعد فقدانه القدرة على الكلام وهو يحتضر، يرفع 4 أصابع “في وجه عمّي”. إشارة مقتضبة كهذه يفهمها جميع الحاضرين في الغرفة: إنّها وصيّة أخيرة لشقيقه، تقول بالاعتناء بأبنائه الـ4. موت الأب يحدث عام 2005.

منذ اللحظات الأولى، يبدأ كلام يُفسِّر أحداثاً وتفاصيل تظهر على الشاشة، فيُصبح الكلام تلقيناً بدل أنْ تُقول الصُور بوحاً واعترافات وحكايات وأحاسيس. هذا لن يكون هامشياً. الكلام الكثير، وبعضه تلقينيّ يُقال مع بثّ صور يُفسّرها، يحول دون كلّ إمكانية لإيجاد تواصلٍ مع ما يُفترض بـ”المشهد الأخير” أنْ يسرده بصرياً. اقتباسٌ مُكرّر من نصّ وعملٍ مسرحيّ لعروة، ولقطاتٍ من تسجيلات بصرية سابقة، يصنع إياس وعروة منها فيلماً أو أكثر، وكلّها منصبّة على ثورةٍ يغتالها الطاغية كلّ يوم. هناك أيضاً وفرةٌ في تعليقات مكتوبة، وبعضها معلومات عن حالة ولحظة وأحداثٍ محيطة بجوهر الحكاية الأصلية، التي يختلط فيها العائليّ والحميمي بالجماعي.

 

 

هذا جانبٌ. “المشهد الأخير” يوثِّق لحظاتٍ أساسية في التكوين الأول للثورة السورية، وفي بدايات مُواجهتها الدموية من جنود الطاغية وداعميه. تتداخل تسجيلات قديمة بأخرى جديدة، فيُصنع من التداخل شريطاً يُضاف إلى أفلامٍ تشترك في التوثيق البصري للثورة، وللانقلاب عليها. هناك استعادة ماضٍ وتاريخ أيضاً، فإياس المقداد يختار القنيطرة كجغرافيا وذاكرة وحكاية. الجيش الإسرائيلي يُدمِّرها في “حرب الأيام الـ6” عام 1967، فتبقى مدمَّرة إلى الآن، والنازحون عنها غير عائدين إليها أبداً، كما يكتب المقداد. لماذا القنيطرة؟ عام 2018، يختارها الروس والطاغية “نقطة تجمّع للناشطين المدنيين وعناصر الجيش الحرّ، لترحيلهم من الجنوب إلى مدينة إدلب في شمال سورية”.

التاريخ حاضرٌ. اختيار الروس والطاغية هذه المدينة تحديداً غير عبثيّ، وإنْ يكن للجغرافيا دورٌ في هذا. الدلالات مؤثّرة. هذا ليس عابراً. هذا أساسيّ أيضاً.

إياس المقداد يستند إلى أدبٍ ومسرحٍ وتوثيق بصري في تشكيل فيلمه، المُراد له أنْ يكون عائلياً، فالحيوية العائلية تُساهم في انتفاضة شعبٍ، وتراقب مساراتها وتغييراتها، وتصطدم بتحوّلات قاسية فيها، وتعاني خيبات وأوجاعاً وقلاقل، وتعيش هجراتٍ وشتاتٍ، في سورية وخارجها.

تجربة المقداد هذه إضافة متعدّدة الجوانب: توثيق حكاية مرتبطة بثورة وتحوّلات؛ التقاط مسار عائلة ونبض أفرادها الذين يلتزمون الثورة، ويعيشون تحوّلاتها، وبعض التحوّلات صارمٌ وقاسٍ، ما يؤدّي بهم إلى تساؤلاتٍ عن الخيبة والمستقبل والتضحيات. التفاصيل الأخرى عائقٌ أحياناً، لكنّ الجوهر أساسيّ.

كلّ توثيق لثورةٍ، يواجهها الطاغية بالعنف، إضافة. كلّ معاينة لأحوال أفرادٍ وانفعالاتهم في الثورة السورية، ولمساراتهم ومصائرهم، إضافة. هذا أساسيّ ومطلوب. التفاصيل الأخرى (إمعانٌ في الجانب العائلي، كلامٌ كثير للراوي، بثّ معلومات كثيرة، رغم أهمية هذا بالنسبة إلى مشاهدين كثيرين، إلخ) تُناقَش، فالأهمّ كامنٌ في أنّ “المشهد الأخير” يريد قولاً حميماً عن أناسٍ مقتنعين بالثورة، لكنّ اللاحق للبدايات الجميلة صعبٌ وحادّ.