هل يفلح المجلس الرئاسي الليبي في حل الأزمة بين الحكومة والنواب؟

يستعد رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي لبذل جهود لرأب الصدع الحاصل بين الحكومة ومجلس النواب، على خلفية قرار الأخير سحب الثقة من حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، بعد رجوعه إلى البلاد في أعقاب مشاركته في الدورة الـ76 لأعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وفق ما أكدته مصادر حكومية في طرابلس لـ”العربي الجديد”.
وأعربت عديد العواصم المعنية بالملف الليبي عن قلقها حيال الأزمة التي اندلعت بين مجلس النواب والحكومة، وطالبت بضرورة إزاحة كل العقبات التي قد تقف في طريق إجراء الانتخابات في موعدها المقرر يوم 24 ديسمبر/ كانون الأول المقبل. 
وبحسب المصادر ذاتها، التي اشترطت عدم كشف هويتها، فإن عدداً من وزراء خارجية الدول الذين التقاهم المنفي، على هامش الدورة، أعربوا عن قلقهم حيال ما تشهده العلاقة بين مجلس النواب والحكومة من تصعيد وتوتر، مشيرة إلى أن رسائل القلق التي تلقاها المنفي دفعته إلى إصدار بيان ليل الخميس، دعا فيه الحكومة إلى الاستمرار في أعمالها، ومجلس النواب لتحمل مسؤولياته لإنجاز التشريعات المطلوبة لإتمام العملية الانتخابية. وكانت لافتةً دعوته “جميع الأطراف إلى عدم اتخاذ أي خطوات تصعيدية”.
ولم تتبين المصادر شكل أو مضمون الحل الذي يستعد المنفي لطرحه لرأب الصداع بين المجلس والحكومة، لكنها أكدت أن المنفي راجع إلى البلاد بدعم واضح كبير من المجتمع الدولي حول ضرورة عقد الانتخابات في موعدها المقرر، وضرورة إزاحة كل العراقيل التي قد تقف في طريق ذلك.
ولم يصدر أي موقف دولي حيال قرار مجلس النواب بشأن سحب الثقة من الحكومة الثلاثاء الماضي، باستثناء بيان للبعثة الأممية أكدت فيه أن حكومة الوحدة الوطنية “تظل الحكومة الشرعية حتى يتم استبدالها بحكومة أخرى من خلال عملية منتظمة تعقب الانتخابات”. لكن التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو لصحيفة “نيويورك تايمز” الخميس، وأكد فيها أن “الوضع في ليبيا ليس جيدا الآن”، تعكس حالة القلق الدولية من التصعيد السياسي في ليبيا.
كما تعكس ذلك تصريحات عضو المجلس الرئاسي عبد الله اللافي، التي أكد فيها أن “الليبيين لا يرغبون في المزيد من العمل الارتجالي والفوضى السياسية، وأن أي مراحل انتقالية أخرى لن تخدم مصلحة البلاد”، في إشارة إلى قرار سحب الثقة من الحكومة، واستعداد المجلس الرئاسي لحث الأطراف إلى التوافق للوصول إلى مرحلة الانتخابات، ما يشير إلى رغبة المجلس الرئاسي في الدخول على خط حلحلة الأزمة بين المجلس والحكومة.

وإثر غموض سيطر على المشهد في ليبيا مدة ثلاثة أيام بعد إعلان رئاسة مجلس النواب قرارا بسحب الثقة من الحكومة، وسط جدل واسع بين النواب حول حقيقة عدد المصوتين على القرار، فإن محاولات رئاسة مجلس النواب توضيح ملابسات إصدار القرار يبدو أنها لم تفلح في إقناع الرأي العام، خصوصا بعد دعوة الدبيبة المواطنين إلى الخروج في تظاهرات مساء الجمعة.

وفيما تجنب الدبيبة، خلال كلمة ألقاها وسط آلاف المتظاهرين في طرابلس ليل الجمعة، الحديث عن مجلس النواب وقرار سحب الثقة بشكل مباشر، وسط تأكيدات على استمرار حكومته في ممارسة أعمالها، شهدت موقف رئيس مجلس النواب عقيلة صالح تراجعا نسبيا، ما قد يشير إلى حجم الضغوط الداخلية والخارجية عليه حيال قراره.
وقال صالح، في مقابلة أجراها مع تلفزيون مقرب منه بالتزامن مع خروج المتظاهرين في عدة مدن ليبية، بينها طرابلس وطبرق التي تحتضن مقر مجلس النواب، إن “قرار سحب الثقة لا يمنع الحكومة من ممارسة أعمالها داخليا”. وكرر ذلك في أكثر من موقع في لقاءه، ومنها أنه “لا قيود على الحكومة ويمكنها أن تمارس عملها داخليا بشكل طبيعي”. وبرر قرار سحب الثقة بالقول “هدفنا من القرار هو فقط منع الحكومة من توقيع عقود طويلة الأجل مع الخارج”.
وفي تراجع آخر عن موقفه المتصلب في السابق من حق المجلس الأعلى للدولة في المشاركة في إعداد قوانين الانتخابات، قال “نحن في تواصل مع مجلس الدولة، واللجان المتحاورة معه لم تصل إلى أي حلول بخصوص القاعدة الدستورية والقانونية، ولا أقول إنها لن تصل، فالتواصل لا يزال”.
ووفق أستاذ العلوم السياسية الليبي عيسى الغزوي، فإن وساطة المجلس الرئاسي لن تتعدى حد التهدئة بين الطرفين والذهاب في دعم جهود إصدار القوانين اللازمة لإجراء الانتخابات في ديسمبر/ كانون الأول المقبل.
وقال الغزوي في حديث لـ”العربي الجديد” إن “صالح أدرك أنه فقد ورقة الثقة التي كان يضغط بها ويوجه بها دفة الحكومة، وأن نتائج قراره جاءت لصالح الدبيبة، والأخير استغل الزخم الشعبي ولن يتراجع عن الاستمرار في تسويق نفسه على أنه رجل المرحلة والقادر على إطلاق مركب التنمية ودعم المواطن”.
وأكد الغزوي أن المنفي وشركاءه في المجلس الرئاسي ستتركز جهودهم على خفض حدة الخلافات بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، بعد أن أبدى صالح تراجعا واضحا في لقائه البارحة بشأن موقفه المتصلب سابقا من مجلس الدولة، مشيرا إلى أن المجتمع الدولي لا تهمه الخلافات الداخلية بقدر ما يمهه إجراء الانتخابات في موعدها، وبالتالي قوانين الانتخابات هي الأهم بالنسبة له.
لكن للناشطة السياسية الليبية مروة الفاخري رأي آخر، إذ عبرت عن مخاوفها من وصول البلاد إلى موعد الانتخابات من دون أي ضمانات دولية للقبول بنتائجها. وقالت لـ”العربي الجديد” إن “اتساع شعبية الدبيبة وارتفاع أسهمه مقابل سقوط مدو لعقيلة صالح، وبالتالي (اللواء المتقاعد) خليفة حفتر، يعني أن الأخيرين يدرسان منذ الآن سيناريوهات أخرى يمكن أن يدفعوا بها للمشهد قبل الانتخابات”، معبرة عن مخاوفها من إمكانية التصعيد في اتجاهات أخرى وانهيار العملية الانتخابية.

وخلال وجوده في نيويورك، التقى المنفي عدداً من وزراء خارجية الدول المشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، من بينهم وزراء خارجية الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وإيطاليا وألمانيا والسعودية وتونس وتركيا ودول أخرى، بالإضافة للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس.
كما شارك المنفي في أعمال اجتماع الدول المشاركة في قمة برلين في نيويورك، الأربعاء الماضي، والذي ترأسه وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وإيطاليا، جان ايف لودريان وهايكو ماس ودي مايو، للإعداد لقمة جديدة حول ليبيا تستضيفها باريس في 12 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، بمبادرة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
كما أعلن المنفي، خلال كلمته أمام زعماء العالم في نيويورك، عن عزم بلاده تنظيم مؤتمر في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، يهدف إلى ضمان دعم دولي لجهود التسوية في بلاده “بصورة موحدة ومتسقة”.