أفلام 11 سبتمبر: ترويض الصدمة وهوس بجماليات التحكّم

السينما آلة هائلة لصنع الأحلام والكوابيس. تطحن وتعجن وتُدوّر كلّ ما يصلح لتُحقِّق منه أفلاماً: قصص متخيّلة، وسِير مشاهير، وأحداث واقعية. أما الأحداث المفصلية، كاعتداءات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 الإرهابية، فتغدو بمثابة “مصفوفة”، تُغذّي خيال السينمائيين، وتطبع رؤيتهم للأشياء بشكل واعٍ حين يقاربون الموضوع، أو غير واعٍ في كلّ الصور التي يصنعونها. هذا حدث أيضاً مع عملية اغتيال جون كينيدي، التي قضّت مخيال الأميركيين بطابعها الفجائي والعنيف، وانفلات تفاصيلها (خارج حقل الصورة، حيث البناية التي أطلق الرصاص منها، رغم أنّ فيديو هاوٍ صَوّر اللحظة صدفةً، فوثّقها)، فارتدّت أفلاماً مهووسةً بالتقاط الحقيقة، ومحاولة لملمة أشلائها من الصُور المكبّرة (“بلو آب” أنطونيوني)، وقطع الشريط الصوتي المقروء حدّ الاستنزاف والتخمة (“المحادثة” لفرنسيس فورد كوبولا، و”بلو آوت” لبراين دي بالما). فيما شكّلت حرب فيتنام هاجساً، ترسّبت صوره الفظيعة في مخيال جيل كاملٍ من السينمائيين، قبل خروجها على شكل جحافل زومبي، وقتلة متسلسلين بوجوه شبه بشرية، وجرائم لا تمتّ إلى الإنسانية بصلة، في أفلام جورج روميرو وتوبي هوبر ووِس كريفن.

وقعت اعتداءات 11 سبتمبر في زمنٍ فاصل، يمثّل بداية قرن جديد وألفية ثالثة، بضع سنوات بعد انصرام الصراع الإيديولوجي، الذي طبع القرن الـ20، بين معسكري الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، بانتصار ساحق لهذا الأخير، بزعامة الولايات المتحدة الأميركية. فترة سبقت عصر الهواتف الذكية، لكنّها شهدت بوادر انفجار تكنولوجيا المعلومات والاتصال، المتمثّلة في بداية الانتشار السريع للربط بشبكة الإنترنت، وبلوغ سيرورة تطوّر الإعلام المرئي أوجها، بانتشار القنوات الفضائية في كلّ بقاع العالم، ما جعلها الناقل الأساسي للصُور المهولة، والقابلة (بالكاد) للتصديق، التي ظلّت تمرّ بشكل شبه مستمرّ ومُتكرّر على الأخبار والبرامج، حتى انحفرت في ذاكرة القاصي والداني.

لقطة ارتطام الطائرة الثانية بالبرج الجنوبي لـ”مركز التجارة العالمي” (هناك صور نادرة للحظة اصطدام الطائرة الأولى بالبرج الشمالي)، ثم انهيار البرجين، على خلفية تعليق المراسلين الصحافيين، الذين كانوا يحاولون جاهدين (من دون جدوى) العثور على الكلمات المناسبة لوصف هول ما يحدث أمامهم، وفاءً للعادة السيئة للتلفزيون، التي تحرص على أنْ يُرافق الصُورَ تعليقٌ يصفها، مع أنْ الصمت يظلّ أنسب تعليق، غالباً. صمتت السينما عن الموضوع بضع سنوات، تحت تأثير الصدمة، والحاجة إلى وقتٍ لهضم ما حدث، ربما.

جاءت باكورة الانكباب الجدي على الموضوع من التلفزيون نفسه، مُستعيناً بجماليات السينما، مع مسلسل الحركة والدراما “24” (2001 ـ 2010)، تأليف جول سُرْناو وروبرت كوكرِن، بتصوّر خلّاق يقتفي، في زمن يكاد يلامس الزمن الحقيقي، المحقّق جاك باور (كيفر ساذرلاند) في مسعاه إلى إحباط مخطّطات إرهابية وشيكة، مُستعيناً بوسائل استخبارات فعّالة. تتراكب خطوط الأحداث على الشاشة، المُقسّمة إلى شاشاتٍ صغيرة عدّة، بينما يظهر عدّاد الساعة الإلكتروني بوضوح بين الفينة والأخرى. وسائل تقنية تصبّ كلّها في بلوغ التحكّم والمعرفة/ القدرة اللامحدودة، والتنفيس الجمالي عن شعور الإحباط المترتّب عن الفشل الصادم في توقّع مخطّط الإرهابيين لخطف الطائرات وتفجيرها، رغم المؤشّرات الفاضحة على أنشطتهم، التي كُشف عنها تباعاً مع تقدّم التحقيقات.

فكرة أنْ ما حدث كان يُمكن تفاديه حاضرةٌ في مسلسل آخر، يعتبره كثيرون أعظم ما أنتج للتلفزيون: “ذا واير” (2002 ـ 2008، تأليف ديفيد سايمون وإدْ بُرنْز). فيه، تحضر بوادر مجتمع اليوم، حيث تمّ التطبيع مع إجراءات المراقبة الفائقة، والهوس بالأمن المعلوماتي، بنيّة الحدّ من الجريمة. لكنّ القيمة الأساسية المضافة للمسلسل أنّه يُمثّل دراسة إنسانية عميقة (على نمط الكوميديا الإنسانية لبلزاك) لمختلف شرائح المجتمع الأميركي، وصراع السلطة بين مختلف مؤسّساته، إذْ يتمّ كثيراً التضحية بالجانب الأخلاقي، ولَيّ عنق القوانين، لصالح أطماع المال والنفوذ. إحالة رائعة على أنّ 11 سبتمبر وكلّ مآسي بلد “العم سام” (التفرقة العنصرية، الفوارق الاجتماعية، تأليه النقود، إلخ.) تترجم مرضاً داخلياً مترسّخاً في الجسد الأميركي، قبل أنْ تكون جُرماً إرهابياً، اقترفته جماعة تعيش في مغارات جبال أفغانستان، أو شراً يتغذّى على الإيديولوجية التوسّعية لصدام حسين، كما ادّعت بروباغندا إدارة جورج بوش لتسويغ غزوّها الغاشم للعراق.

شيئاً فشيئاً، بدأت السينما تتملّك الحدث، عبر مقاربته من زوايا مختلفة. زاوية السخرية اللاذعة من تناقضات سياسة إدارة بوش، في “فهرنهايت 9/ 11” (2004) لمايكل مور، بفضل مونتاج فعّال، وملكة مذهلة للمخرج في حياكة الصورة الكبرى من خيوط أحداث صغيرة، تبدو للوهلة الأولى منفصلة، انطلاقاً من جدل الانتخابات التي أعطت الرئاسة لجورج بوش الابن، مروراً بطريقة تفاعله الغريبة مع الأزمة لحظة حدوثها (يتذكّر الجميع مشهد استمراره في تلاوة أناشيد رفقة صغار في إحدى مدارس لويزيانا)، ثم أسلوب خطابات الحرب شبه الصليبية التي قادها على الإرهاب (كانت له فيها مآرب أخرى) في الشهور الموالية. النص كاملاً على الموقع. 

في “برج التجارة العالمي” (2006)، اعتمد أوليفر ستون على قصّة حقيقية للشرطيين الرقيب جون مكلوغلين والضابط وِل هيمينو، مكّنته من رؤية الحدث من الداخل بعيون رجال الأمن، الذين سارعوا إلى المكان منذ إعلان الاصطدام الأول، ثم نجوا بأعجوبة من الانهيار، ولم يثنهم ذلك عن المخاطرة بحياتهم والتمسّك بالأمل وسط كابوس الانهيارات المتوالية، والغبار الخانق للأنفاس. فيلم يركّز على الإنسان وهشاشته في الظروف الصعبة التي تتجاوز قدراته وطاقته، إذْ تصبح قيم الإيثار والتآزر المنفذ الوحيد للنجاة، ما يتباين جذرياً مع قيم الكراهية والعدوان التي أدّت إلى الكارثة.

أما بول غرينغرايس، فجنح، في “يونايتد 93” (2006)، إلى قصّة ايستوودية الهوى، يحكي بفضلها البطولة التي أبان عنها مسافرون عاديون في رحلة “93 يونايتد ايرلاينز” في ـ”بوينغ 757″، وكيف اختاروا الاتحاد لمقاومة الخاطفين، ما أدّى إلى سقوط الطائرة وتحطّمها قبل بلوغ هدفها (مبنى كابيتول). التصاق غرينغرايس بالزمن الحقيقي للحكاية، وموهبته المعهودة في تكثيف التشويق وشعور التوتّر، ثم فكرة استدعاء حجم التضحية وفداحة الفقدان عبر المكالمات الأخيرة المؤثّرة التي ربطت المسافرين بأقاربهم، قبل الإقدام على خطوة المقاومة، كلّها عوامل جعلت الفيلم أحد أفضل الأفلام المُنجزة تكريماً لضحايا اعتداءات 11 سبتمبر.

هناك أيضاً الفيلم المثير للاهتمام 11 ’09 ‘’01، المكوَّن من 11 فيلماً قصيراً (إنتاج فرنسي، 2002)، مدّة كلّ واحدٍ منها 11 دقيقة و9 ثوانٍ ولقطة (صورة واحدة)، تتمحور كلّها حول ثيمات متعلّقة بالاعتداء على برجي “المركز العالمي للتجارة”، أوكل إخراجها إلى سينمائيين من العالم، في إحالة إلى كونية الحدث، وبحثاً عن تعدّد الرؤى لإحاطةٍ أعمق وأغنى بتداعياته.

ولعلّ أهمّ عمل، ذاك الذي أنجزه كِن لوتش، الذي قدّم توازياً جريئاً، أسال إشادة وتنديداً كثيرين في آنٍ واحد، بين 11 سبتمبر/ أيلول 2001 و11 سبتمبر/ أيلول 1973، حين قامت قوات الجيش التشيلي، بقيادة أوغستو بينوشيه، بدعمٍ وتخطيطٍ من “وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية”، بقلب نظام سلفادور أليندي، المنتخب ديمقراطياً. يُلمِّح لوتش إلى أنّ ذلك أيضاً عملية إرهابية، قادتها دولة عظمى ضد ديمقراطية ناشئة، وأنّ هناك “كارما”، يعود بمقتضاها الشرّ إلى مرسله.

يظلّ الانعكاس الأبرز لمأساة البرجين على السينما العالمية دورها في نشوء موجة أفلام الكوارث، التي شهدت نمواً مُضطرداً في العقدين السابقين، بما في ذلك أفلام الأبطال الخارقين، الذين يواجهون، فرادى أو جماعات، أخطاراً تهدّد توازن العالم بأسره؛ منها “ما بعد غد” (2004) لرولاند إيميريش، و”حرب العوالم” (2005) لستيفن سبيلبيرغ. أفلام ظاهرها خوفٌ من غزو فضائي غاشم، أو تهديد مناخي محدق، لكن باطنها (غير الواعي) سعي إلى ترويض صدمة 11 سبتمبر، وهاجس القلق الدفين الذي خلّفته في الوجدان الأميركي.