إذا الشعب يوما ما ..

الشعب مفردةٌ إذا سمي في بلادنا باسمها مكانٌ ما فاعلم أن الشعب لا علاقة له بهذا المكان، فإن رأيت قصرا أطلق عليه اسم “قصر الشعب” فاعلم أن الشعب ممنوعٌ من الاقتراب منه أو النظر إليه أو حتى تخيل ما ومن في داخله، وأن الهدف الأول لجميع الإجراءات الأمنية المتخذة حوله عدم السماح لهذا الشعب بالوصول إلى بواباته. وإذا رأيت مؤسسة أطلق عليها اسم “مجلس الشعب” فاعلم أن الشعب هناك لا يجلس، وأن العلاقة الوحيدة بين الذين يلقون بمؤخّراتهم على مقاعده والشعب هي رواتبهم المقتَطعة من قوت الشعب. وعندما يترشّح أحدُهم في انتخاباتٍ ما فإنه يفعل ذلك باسم الشعب، حتى وإن كانت الانتخابات تُحسم بالتزكية. وإذا رأيت جريدة تسمّى “صوت الشعب” فاعلم أن فيها من يكذب على هذا الشعب، فالشعب في بلادنا هو الكائن الوحيد الذي يتم امتطاؤه أكثر من الكائنات المخصصة لذلك، ويتم احترامه أقل من تلك الكائنات. وكل من ينوي ارتكاب إثم لا يتوانى عن جعله باسم الشعب. يحكمون على الشعب بوجودهم جاثمين على صدره مدى الحياة باسم الشعب نفسه، ويقرّرون الوصول إلى الحكم أيضا باسم الشعب. ويؤكد أبو القاسم الشابي جازما أن الشعب إذا اراد الحياة يوما فلا بد أن يستجيب القدر، فهل القدر لا يستجيب لشعبنا لأن شعبنا لا يريد الحياة؟ أم أن أبا القاسم قد بالغ قليلا فيما قاله؟ وهنا يمكن أن نتذكّر قصة الضابط اليمني أحمد يحيى الثلايا، وكان قائدا للجيش اليمني في الخمسينيات، وتحالف مع الثوار الذين انتفضوا ضد حكم الإمامة، وقاد انقلابا على الإمام احمد الذي اتصف بالاستبداد وقام بتنصيب أخي الإمام مكانه، ولكن الانقلاب سرعان ما فشل نظرا لتعاون القبائل مع الإمام أحمد وتم القبض على أحمد يحيى الثلايا، فسأله الإمام:

– كل شيء عندك، المال والسلطة وكل شيء فلماذا تثور؟

– من أجل الشعب.

رد أحمد يحيى الثلايا فقال له الإمام:

– سأحضر الشعب إذا ليصدر حكمه عليك.

وفعلا جاء الإمام بحشود من الناس، وعندما سألهم

– ماذا نفعل بأحمد يحيى الثلايا؟

تعالت صيحات الجمهور من جنبات الساحة بحماس: اقتله.. اقتله.. اقتله..

فما كان من أحمد يحيى الثلايا إلا أن جال بناظريه في الساحة، وأطلق جملته: لعن الله شعبا أردت له الحياة فأراد لي الموت. .. ونفّذ فيه حكم الإعدام.

وإذا كان ذلك قد حدث في اليمن في الخمسينيات من القرن المنصرم، فإننا الآن نكاد نرى هذا المشهد يتكرّر بأشكال مختلفة، وكلما يحتاج الحاكم إليه يكرّره، ففي الانتخابات يُساق الناس إلى صندوق الزور، ولا يتوانون عن الرقص بهذه المناسبة. وعند الحاجة، لإظهار شرعية الطغمة، يُساق الملايين إلى الشوارع في مسيرات تأييد، تعبيرا عن وقوفهم صفّا واحدا خلف القيادة الحكيمة، فلماذا يوافق الشعب على لعب دور مجاميع الكومبارس في تلك التمثيليات الهزلية؟ وهل يستطيع هذا الشعب أن يكون صاحب موقف موحد يؤهله للقيام بفعل “إرادة الحياة”؟

حسنا، يتهيأ لك أحيانا أن الشعب فعلها، وثار على الطغاة، ولكنه سرعان ما يمتطي منكبيه مختلف أنواع التجار والمنافقين، فلماذا يحدث ذلك كله وبهذه البساطة؟ هل شعوبنا عقيمة إلى هذه الدرجة؟ بالتأكيد لا، الأمر ليس كذلك، لأنه لا يوجد شعب عقيم، ولكن يوجد شعبٌ عطلت وخرّبت جميع محركاته الصالحة، لتجعل منه قوة قادرة على التأثير، فالقمع الممنهج الذي تمارسه الطغم المستبدة يدمّر أي قوة صالحة لقيادة المجتمع. وبالتالي، يسهل انقياده ورضوخه، فهل سيتسنى لشعوبنا ومجتمعاتنا أن تشكل هذه القوة التي تمتلك القدرة على تفعيل المجتمع أم لا؟ من الصعب التكهن، ولكن يمكن الجزم بأن ذلك إن حدث لن يحدث في وقت قريب. وستبقى إضافة للطغمة عشرات القوى والمنظمات الخلّبية تدّعي أنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب، كل منها لغاياته التي إن وجد الشعب فيها، فإنه لن يحظى بأكثر من ذيل القائمة.