مهندس الضوء.. معرض لكمال بُلّاطه في برلين

بعد حوالي عامين على رحيله في منفاه البرليني، يستعيد “غاليري بانكو” (Galerie Pankow) بالعاصمة الألمانية تجربة الفنّان والناقد والمؤرّخ الفلسطيني كمال بُلّاطه (1942- 2019) في معرض بعنوان “هندسة الضوء” والذي افتتح اليوم الثلاثاء ويتواصل حتى السابع من تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.

يتتبّع المنظّمون رحلة صاحب “سُرّة الأرض” الذي وُلد ونشأ وتعلّم الرسم في القدس، وبعد تخرّجه من “أكاديمية الفنون الجميلة” في روما، تَردّدَ على بيروت وعرَض أعماله فيها، وتزامن أحد معارضه هناك مع حرب حزيران/ يونيو عام 1967 التي أسفرت عن احتلال مدينته وما بقي من فلسطين، فحُرم من العودة إليها.

في مرحلته الأميركية درس بُلّاطه في “كلية كوركوران” التابعة لـ”متحف الفنون الجميلة” في واشنطن، حيث شارك هناك في تأسيس “المؤسسة الثقافية العربية الأميركية” و”غاليري ألِف”. وبين عامي 1993 و1994، أجرى بحثاً ميدانياً عن الفن الإسلامي في المغرب وإسبانيا، ثم انتقل بعدها إلى جنوب فرنسا حيث البيئة المتوسطية التي اختارها لقربها من طبيعة فلسطين.

 في عام 2001 درس فن رسم ما بعد العصر البيزنطي في فلسطين، كما كان بين سنتي 2012 و2013 زميلاً باحثاً في “كلية العلوم الإنسانية” ببرلين، وانصبَّ بحثه هناك على استقصاء فكرة “الشفافية” سواء على المستوى النظري أو مستوى الممارسة الفنية، ثم اختار بعد ذلك الإقامة في المدينة حتى رحيله.

يُشير بيان المنظّمين إلى أن عمل كمال بُلّاطه شديد التركيب ينقل ويجسّد بحثاً بصرياً وشِعرياً وفكريّاً عن توافُقٍ كوني: توافُق بين الفن والثقافة العربية التي ينتمي إليها وبين الحداثة وما بعد الحداثة الغربيّين، بين “الاقتلاع والكوزموبوليتية”، وفق تعبير الناقدة بورجو دوراماجي، بين الوطن والمنفى، وبين النص المكتوب والصورة.

كما يوضّح البيان أن الفنّان الفلسطيني البارز زاوَجَ بين المساحات اللونية والكتابة والخطوط والأرقام في تكوينات تجريدية، حيث الشعر والموسيقى والهندسة والرياضيات وفن العمارة واللعب الرهيف بالضوء والفروقات اللونية الدقيقة، هي العناصر الأساسية التي تتداخل في بعضها البعض ضمن طبقاتٍ متعدّدة. كما تطرح أعمال بُلّاطه أسئلة أساسية ووجودية، وتجعل تخطّيَ المسافات ممكناً، وكذلك تذكُّر ما انقضى أو جرى فقدانه.

تعكس الأعمال المعروضة الطابع المكاني والكوني المتأصّل في تجربة بُلّاطه، وذلك الارتباط الوثيق بالشعر الذي تجسّده العلاقة المتبادلة بين اللفظيّ والمرئيّ في فنّه منذ التسعينيات، كما يُضاء على حضور ذلك كلّه في مجمل كتبه التي تتضمّن أعماله الطباعية، حيث اختار لكلّ كتاب فني أنجزه، قصائدَ وأشعاراً مفضّلة من قصائد كتَبها غالباً شعراء جمعته صداقة بمعظمهم، منهم عبد اللطيف اللعبي، وجون بيرغر، ومحمود درويش، ودينيس ديساوتلز، وبيير فيوغيت، وبرنارد نويل، وهيلين دوريون، وأدونيس، إضافة إلى النفّري.