الحرب السورية تطلق جيلاً من المصورين الصحافيين

عند اندلاع النزاع في سورية، بالكاد كان كل من سمير وعمر وأنس قد أتموا سنوات المراهقة، لتقضي المعارك على أحلامهم، وتدمر بلدهم. ومع وجودهم في مدن محاصرة أو يصعب الخروج منها، باتت عيونهم وصورهم شاهدة على فظائع وانتهاكات طبعت سنوات الحرب. على غرار هؤلاء، وجد عشرات الشبان أنفسهم يعملون مصورين لوكالات الأنباء العالمية ووسائل إعلام كبرى، رغم أن شيئاً لم يربطهم بعالم التصوير قبل اندلاع الحرب، التي بدأت باحتجاجات شعبية سلمية منتصف مارس/آذار 2011، ما لبث أن قمعها النظام بقوة، لتتحول نزاعاً متشعب الأطراف.

يستعيد سمير الدومي الذي يمثّل 16 مصوراً سورياً خصّص “مهرجان فيزا للصورة “معرضاً لهم في بربينيان، جنوب غرب فرنسا، المرة الأولى التي نشر فيها صوراً التقطها. ويقول لوكالة “فرانس برس”: “عند بدء الثورة عام 2011، نشر أشقائي الأكبر مني صوراً للتظاهرات المعارضة للنظام على مواقع التواصل الاجتماعي. وسرعان ما بدأت أفعل الأمر نفسه”.

في مدينته دوما التي كانت تعدّ أبرز معقل للفصائل المعارضة قرب دمشق، وحاصرتها قوات النظام منذ عام 2013 حتى استعادت السيطرة عليها عام 2018، تخلّى سمير عن أن يصبح طبيب أسنان. وبات هاجسه توثيق ما يجري بتفاصيله، من غارات وحصار واحتماء المدنيين في الملاجئ.

ويوضح رئيس تحرير قسم التصوير في “فرانس برس” ستيفان أرنو: “اتضح حينها أنه لم يعد من المعقول على الإطلاق إرسال صحافيين أجانب إلى سورية”، بعدما شكلوا “هدفاً رئيسياً لعمليات الخطف أو القتل”. ونظمت “فرانس برس” حينها ورشة تدريب في تركيا جمعت، وفق أرنو، نحو 15 “مواطناً صحافياً،” بهدف “تعليمهم أساسيات التصوير الصحافي ونقل توقعات الوكالة وميثاقها” إليهم. ومع الوقت، بات نحو عشرة شبان منهم مصورين متعاونين مع “فرانس برس”. ويوضح أرنو أن وجودهم كان ضرورياً، “لمواصلة توفير تغطية متوازنة بين المناطق الموالية للنظام والمعارضة له”.

عند اندلاع الحرب، كان أنس خربوطلي قد أتم للتو عامه العشرين، فبدأ بالتقاط الصور. وبعد سنوات، تلقى اتصالاً من وكالة الأنباء الألمانية “دي بي إيه” للتعاون معه. ويروي عن تلك الفترة، عبر الهاتف من محافظة إدلب السورية (شمال غرب)، لـ “فرانس برس”: “كنت بصدد متابعة دروسي لأصبح مهندساً. لكن الحياة أو بالأحرى الحرب قلبت خططي”. في إحدى صوره المعروضة في بربينيان، تظهر امرأتان محاطتان بعدد من الأطفال في ملجأ مدمر أمام قدر. ويقول أنس “كان ذلك خلال حصار الغوطة الشرقية، وكانت المرأتان تطهوان أعشاباً لتهدئة جوع أطفالهن”، بعدما فرضت قوات النظام حصاراً محكماً شكل شاهداً على مأساة السوريين خلال سنوات الحرب.

في صورة أخرى التقطها سمير الدومي، تحتسي أم محمّد، امرأة في الستينيات، القهوة في منزلها الذي طاوله القصف. ويقول بتأثر “إنها امرأة استثنائية. رغم أنها كانت مصابة، تولت الاهتمام بزوجها المشلول، وكافحت من أجل توفير المياه والطعام. وفي ساعات المساء، كانت تتابع دروساً لتعلم القراءة والكتابة”. ويبدي سمير اعتزازه “بصور هؤلاء الناس العاديين الذين نجوا من الفظائع أكثر من الصور النمطية الأكثر إثارة”. وبفضل سلسلة صور التقطها تظهر عمليات إنقاذ مدنيين من تحت الأنقاض، فاز سمير اللاجئ حالياً في فرنسا، وهو مصور متعاون مع “فرانس برس”، بجائزة “وورلد برس فوتو” عام 2016.

يعتبر نائب رئيس قسم التصوير في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى وكالة “فرانس برس”، حسن مروة، أنّ هذه النجاحات “تشكّل دليلاً على أن كل هؤلاء الشباب يستحقون الاهتمام وأن نمنحهم الثقة”. ويضيف مروة “قد نعتقد أحياناً أنّ بإمكان صحافي أجنبي أن يعالج موضوعاً ما بمزيد من الموضوعية، لكن عندما يخبر أحد السكان المحليين عن معاناة مواطنيه، فهذه طريقة مهمة لإظهار ما يجري حوله”.

من محافظة إدلب حيث يقطن ويتعاون مع “فرانس برس”، يعرب عمر حاج قدور عن فخره بتحقيق العديد من أحلامه: “أن أصبح مصوراً صحافياً، وأفوز بجائزة دولية (جائزة فارين عام 2018)، وتُعرض صوري في مهرجان فيزا”. ويضيف: “يبقى لي حلم آخر هو رؤية صوري معروضة في الخارج” موضحاً أنه يشعر أحياناً كما لو أنه “مسجون” في بلده. ومنذ اندلاع النزاع، أخذ عمر على عاتقه مهمة أن “يعرف العالم المآسي التي تقع خلف أبواب مغلقة هنا. وما دامت الحرب لم تنته، فإن واجبي أن أبقى شاهداً” عليها.

وتسببت الحرب السورية التي دخلت عامها الحادي عشر بمقتل أكثر من 387 ألف شخص، وأدت الى نزوح وتشريد ملايين السكان داخل البلاد وخارجها.

(فرانس برس)