أسرى وراء قضبان الصورة

سعياً منه إلى الحفاظ على حُسن سمعته، وحرصاً على انتزاع الاحترام لنفسه، أو ربما لنيل اعتراف الآخرين بجدارته، ظل الإنسان العاقل الراشد، اياً كانت منزلته، أسيراً لأفكاره، لموقفه وكلمته المعلنة. كما بقيت العلاقات البينية داخل المجتمعات، وبين الدول والأفراد والحكومات، محكومةً بمزيج من المصالح والمطامح والانطباعات المتكوّنة لدى بعضها عن بعض، بما في ذلك المشتركات الثقافية، من قيم ومبادئ وعلوم، وفرص متبادلة، ناهيك عما لديها من تحسّبات وتحدّيات وتوازنات في موازين القوة المتغيرة.
على مثل هذه القاعدة الفضفاضة، وغير المعرّفة بدقة، دفع المناضلون والتنويريون سنواتٍ من أعمارهم، ثمن التمسّك بأفكارهم، وخيضت الحروب ذوداً عن الكرامات والممتلكات والعقائد، ونشأت الحضارات، وتطوّرت النظم والقوانين، وارتقت المعارف والمُثل المشتركة، إلى أن أصبح عامة الناس على هذه السوية الأخلاقية، وإنْ بدرجاتٍ متفاوتةٍ بين بلد وآخر، الأمر الذي وسم الإنسان المعاصر، بين أمور لا حصر لها، بميلٍ شديدٍ إلى الاندماج المتزايد مع العالم الأوسع من حوله، من دون التخلي عن جوهر ما لديه من خصوصياته.
في عصر ثورة الاتصالات والمعرفة، انتقل الإنسان المعاصر من سجن الأفكار إلى معتقل الصورة التي صارت الواحدة منها أهم من ألف كلمة، وبات من ثمّة رهيناً للمحبسيْن (الصورة والكلمة) مع تفوّق كاسح للأولى على الثانية، الأمر الذي يمكن القول معه إننا أمسينا جميعاً أسرى قابعين، بإرادتنا الكاملة، وراء قضبان الصورة، سواء كان الواحد مواطناً عادياً أو كان مسؤولاً، وليس أدلّ على ذلك من استيلاء الصورة المنقولة عبر التلفزيون والهاتف المحمول، على فضائنا السياسي والمعرفي، وتغوّلها الشديد على سائر مفردات حياتنا اليومية، بما في ذلك شبكة علاقاتنا الاجتماعية، ناهيك عن سيطرتها التامّة على المجال العام.
إلى جانب الصورة المرئية، تكوّنت صورةٌ متخيلة، نمنمها كل واحدٍ عن نفسه، بحسب علمه وثقافته ومنزلته الاجتماعية، فضلاً عن مزاعمه المتعلقة بأصله وفصله وجدارته، وغير ذلك كثير من الادّعاءات الشخصية، الأمر الذي أوجد سجناً أشدّ قسوة من سجن الصورة التقليدية. وساق بالتالي إلى مهاجعها ألوفاً مؤلفةً من الرهائن والمخطوفين والأسرى الافتراضيين، ممن دعوا أنفسهم بأنفسهم إلى خوض غمار تجربة الحبس الذاتي بمحض إرادتهم الحرّة المستقلة، وارتضوا سلاسل جور القيد المعنوي وراء قضبان الصورة المتخيّلة هذه.
بالانتقال من التنظير والتجريد إلى التطبيقات العملية، تخطر في البال عدة أمثلةٍ عن أسرى وسجون كل من الصورتين، الكلاسيكية والمتخيّلة، لعل أشدها تجلياً، في هذه الآونة، المشاهد المتدفقة من واشنطن، حيث يبدو الرئيس، جو بايدن، وهو يدير أزمته الأفغانية، نزيلاً كبيراً في سجن صورته عن نفسه، رئيسا متمسّكا بالخيار الدبلوماسي وحده، تماماً على نحو ما عليه حال معالجته الأزمة الإيرانية، على الرغم من إخفاق هذا الخيار، إلى الآن على أقل تقدير.
ومن التاريخ القديم تحضر صورة للشاعر العربي الفذ، أبي الطيب المتنبي، الذي خرج عليه قطّاع طرقٍ في آخر ترحال له بين مصر والشام، شاهرين سيوفهم، ربما لسلبه أو قتله، ولمّا أراد شاعر العربية الأول الفرار من المواجهة غير المتكافئة، ودعا غلامه إلى اللحاق به خشية من سوء العاقبة، قال الغلام لسيده، ألست أنت القائل: الخيل والليل والبيداء تعرفني/ السيف والرمح والقرطاس والقلم؟ رد أبو الطيب: قتلتني أيها الغلام … وخاض غمار تلك المعركة المحسومة سلفاً.
بين صورتيْ هذين السجينين الكبيرين في زمنين مختلفين (بايدن والمتنبي) تتجلى حقيقة أن المرء، مهما علت منزلته أو دنت، كان وما زال رهيناً مطواعاً، سواء لتصوراته عن ذاته أو حبيساً للصورة الانطباعية المأخوذة عنه، يقيم بين قضبانها الفولاذية من دون تبرّم أو تأفف، يعود تحت سقفها المنخفض ويجيء، بعد أن كان قد دلف إلى معمارها الافتراضي ذوداً عن خياره المكلف هذا، تحدوه الرغبة في إثبات كينونته الشخصية، والدفاع عن رؤيته وأفضلياته ومعتقداته وسلطان ضميره الذي لا يكفّ عن نهره كلما تراخى عن ثوابت مبادئه، أو نام غافلاً عن مسؤولياته.
خلاصة القول: كلنا أسرى خلف قضبان الصورة المرئية، خصوصا في عصر الثورة الرقمية، وكلنا أيضاً مقيدون بزرد أفكارنا المتخيلة عن أنفسنا، أو تلك الافتراضات لدى الآخرين عنا، وويلٌ لمن يتسلل إلى خارج هذا السجن الواسع خلسةً عنا.