"رؤى شو"… "يوتيوب" على طريقة النظام السوري

لطالما كان إعلام النظام السوري ساخطاً على نجوم مواقع التواصل الاجتماعي المعارضين وبرامجهم السياسية الساخرة، بسبب قدرتها على استقطاب شريحة واسعة من الجمهور السوري لا تخلو حتى من المؤيدين. ويبدو أن النظام يحاول في الآونة الأخيرة اختراق هذا الفضاء الافتراضي، عبر إنتاج برامج مشابهة، كان بينها “رؤى Show” الذي تقدمه الإعلامية رؤى جبر قاسم.

البرنامج عبارة عن مزيج مشوّه من محاولات رديئة لصناعة محتوى سياسي ساخر، محملة بأفكار إعلام النظام الاقصائية ونظرية المؤامرة، وباقي مناهج النظام المتّبعة إعلامياً.

لم يكترث صناع البرنامج بالهوية البصرية، فكان بالنسبة لهم ظهور رؤى في فضاء فارغ وهي ترتدي زياً عسكرياً، كافياً. كما أنهم لم يبذلوا أي مجهود لجعل البرنامج مختلفاً عن برامج الإعلام السوري الكلاسيكية؛ فرداءة الصنع هي العلامة المميزة لهذه المنتجات، وهنا تظهر بشكل فج وبقالب خاص، إذ تعتمد قاسم على أسلوب إلقاء المحاضرات الجاهزة منهجاً لتلقين الجمهور رسائلها السياسية المباشرة.

لا يقدم “رؤى شو” أي مادة تهمّ الجمهور السوري اليوم. فبدلاً من التطرق إلى الوضع الاقتصادي السيئ الذي تمر به البلاد، أو هموم الناس والقضايا التي تشغل الشارع بعد انعدام أهم مقومات الحياة من ماء وكهرباء ودواء، نجد قاسم تكرس برنامجها لسب وشتم الشخصيات المعارضة البارزة بطريقة سطحية. في إحدى حلقاتها، تعرض صورةً للممثل السوري جمال سليمان، من دون سياق، لتنهال عليه بالسخرية والشتيمة لكونه معارضاً. ترفق قاسم هذه الإهانات بخطابات خالية من المنطق، “تحلّل” بها السياسات الخارجية والصراعات الإقليمية، وتخلط في حديثها ما بين الإسرائيلي والتركي والأميركي والخليجي. كما تتحدث بنبرة لا تخلو من العنصرية، ولا سيما عندما تذكر الأكراد “غير الوطنيين”، في رأيها، والذين تنعتهم بـ”كلاب الأميركان”.

في الحلقات التي تحاول فيها قاسم أن تتحدث عن الشارع السوري في الداخل، تلجأ للمنهجية السائدة في إعلام النظام السوري اليوم، والقائمة على لوم الضحايا وتحميلهم المسؤولية كاملة. ففي حلقة “شعب بدو السمكة وما بدو يتعلم كيف يصيد” (!)، تنتقد رؤى حالة الاستياء العامة التي تسيطر على الشارع السوري بسبب الوضع الافتصادي السيئ وتحمل الناس مسؤولية الحال الذي وصلوا إليه، لتقول: “الفقر ما بيتجنى على حدا”. وتحاول أن تدعم كلامها، الخالي من المنطق أو الحساسية ذاك، عبر طرح أمثلة عن نماذج من الشريحة الأفقر في المجتمع، فتتعجب من رفض النجارين العمل في يوم عطلتهم الأسبوعية، وتشير إلى أن العمال والفقراء يجب أن يعملوا من دون راحة، لتكون النتيجة في هذه الحلقة، وفي كل حلقة، أن الشعب مسؤول عن معاناته، وأنّ النظام بريء من مسؤوليته في رفع المعاناة عن الناس في الداخل.

وفي سبيل ذلك أيضاً، تستعرض الكثير من الحجج الواهية التي برأيها أدت للفقر، منها أن السوريين يفتقدون للوعي بإدارة حياتهم المالية، وأنهم يصرفون الكثير من الأموال على المطاعم والمقاهي التي تشير إلى اكتظاظها دائماً، لتستنتج أن السبب الحقيقي للفقر في سورية هو صرف الأموال على أماكن السهر والمطاعم والحانات.

في حلقات أخرى، تتوجّه رؤى جبر قاسم إلى الجمهور السوري في الخارج، وتبعث برسائلها تلك للمغتربين. هي في الغالب رسائل ابتزاز عاطفي تحثهم على “تنظيم تظاهرات في بلاد اللجوء لرفع العقوبات الاقتصادية عن سورية لأن المتضررين المباشرين من العقوبات هم أهلهم في الداخل، وتطلب منهم مساعدة ذويهم عن طريق إرسال حوالات مالية إلى سورية بالعملة الصعبة لمساعدتهم، وليساهموا بذلك أيضاً برفع ميزانية الدولة”.

تعكس هذه الرسائل الأسلوب الذي يتبعه النظام السوري في الوقت الحالي، حيث يتعامل مع من تبقى في سورية على أنهم رهائن، ويمكنه استغلالهم للضغط على المغتربين والحصول على القطع المالي الأجنبي. ببساطة فشل النظام السوري في أولى تجاربه الجدية لاختراق فضاء مواقع التواصل الاجتماعي، فبدا برنامج “رؤى شو” أشبه بتلك الفيديوهات التي بدأت تظهر مطلع الألفية الجديدة، من دون أي كجهود فعلي حتى للترويج لرواية النظام بطريقة جديدة، إن كان من ناحية الشكل أو المضمون.