انسحاب الصدر من الانتخابات: تعزيز احتمالات تأجيلها وإضعاف الحكومة

يضع إعلان زعيم “التيار الصدري” في العراق مقتدى الصدر الانسحاب من الانتخابات البرلمانية المقررة في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، وسحب يده من المشاركين في الحكومة الحالية واللاحقة، المشهد السياسي العراقي أمام معادلة جديدة، إذ قد تترتب على الإعلان تغييرات كثيرة بما فيها مسألة إمكانية إجراء الانتخابات، والتي كان الصدر يمثل أبرز المؤكدين على إجرائها في موعدها، على خلاف قوى سياسية أخرى، عدا عن وضع حكومة مصطفى الكاظمي التي تصنف على أنها مدعومة من “التيار الصدري” وزعيمه مقتدى الصدر، مع وجود وزراء مقربين من الأخير قد يتجهون لإعلان استقالاتهم.

وجاء إعلان الصدر بعد موجة غضب شعبية حادة ضد مختلف القوى السياسية الشيعية عقب فاجعة مستشفى الحسين في مدينة الناصرية، جنوبي العراق، الإثنين الماضي، والتي راح ضحيتها العشرات جراء حريق تشير التحقيقات الأولية إلى أن الفساد والإهمال يقفان وراءه.

وبدا لافتاً في كلمة الصدر التي نقلها التلفزيون الرسمي العراقي صباح أمس، الخميس، أنه وضع خلفه ولأول مرة، أعلام الفصيلين المسلحين التابعين له إلى جانب العلم العراقي، وهما “لواء اليوم الموعود”، و”سرايا السلام”، في خطوة اعتُبرت رسالة لأطراف داخلية سياسية ومسلحة. وفي الكلمة التي حذر فيها الصدر مما وصفه بمصير مشابه لسورية وأفغانستان في العراق، قال “أسفي وحزني على العراق وأنت أسير الكربات وأسير الفساد والسرقات… أسفي عليك وقد محوا عنك كل جميل ورفعوا فيك كل عميل فلم يبقَ فيك سوى الخراب والذل والهوان”. وأضاف: “حفاظاً على ما تبقّى من الوطن وإنقاذاً له، الذي أحرقه الفاسدون وما زالوا يحرقونه، نعلمكم بأنني لن أشترك في هذه الانتخابات، وأعلن عن سحب يدي من كل المنتمين للحكومة الحالية واللاحقة وإن كانوا يدعون الانتماء لنا آل الصدر، فالجميع إما قاصر، أو مقصر أو يتبجح بالفساد والكل تحت طائلة الحساب”. وخاطب العراقيين بالقول: “إياكم أن تبيعوا وطنكم لهم بأي ثمن… فالوطن أغلى من كل شيء، وانتبهوا قبل أن يكون مصير العراق كمصير سورية أو افغانستان أو غيرهما من الدول التي وقعت ضحية السياسات الداخلية والإقليمية والدولية”.
وختم كلمته بالقول “لست ممن يتنصّل من المسؤولية، إلا أنَّ ما يحدث في العراق، ضمن مخطط شيطاني دولي لإذلال الشعب وتركيعه وإحراقه خوفاً من وصول عشاق الإصلاح الذين سيزيلون الفساد حباً بالوطن، لكننا لسنا ممن يركع لمثله. فلن نركع إلا لله… فليأخذوا كل المناصب والكراسي وليتركوا لنا الوطن”، متمنياً “لهذه الانتخابات النجاح ووصول كل الصالحين وإبعاد الفاسدين”.

أصدر عدد من نواب “التيار الصدري” ومرشحيه بيانات بالانسحاب من الانتخابات بعد كلمة الصدر

وعقب إعلان الصدر، أصدر عدد من نواب “التيار الصدري” ومرشحيه بيانات بالانسحاب من الانتخابات، من أبرزهم نائب رئيس البرلمان الحالي حسن الكعبي، وصباح الساعدي، ومها الدوري، وحسن العذاري، وحاكم الزاملي، وآخرون.

ولا يُعتبر إعلان الصدر الانسحاب من العملية السياسية والابتعاد عن الشأن الحكومي الأول من نوعه، إذ سبقته إعلانات عدة مماثلة، منها في الخامس من أغسطس/ آب 2013، وفي الحادي والعشرين من فبراير/ شباط 2014، وكذلك في الرابع والعشرين من فبراير 2020، والتي أكد فيها ما وصفه بتطليق السياسة وكل الشأن الحكومي، لكنه سرعان ما عاد كطرف رئيس في مفاوضات تشكيل الحكومة الحالية برئاسة مصطفى الكاظمي. وكان الصدر قد أكد في وقت سابق من إبريل/ نيسان الماضي عزمه على الحصول على رئاسة الحكومة المقبلة من أجل ما قال إنه “تحقيق الإصلاح وإبعاد المفسدين”.

وتعليقاً على ذلك، قالت مصادر مقربة من زعيم “التيار الصدري” في مدينة النجف، جنوبي العراق، لـ”العربي الجديد”، إن إعلان مقتدى الصدر الانسحاب من الانتخابات البرلمانية جاء بعد سلسلة اجتماعات مع قيادات في تياره عُقدت في منزله بمنطقة الحنانة في مدينة النجف القديمة، وخلصت إلى أن الانتخابات المقبلة لن تحقق تغييراً منشوداً في الوضع الحالي، نظراً لأن أكثر من 90 في المائة من المرشحين هم من أحزاب السلطة، وأن احتمالات انخفاض نسبة المشاركة فيها ستكون كبيرة جداً من قبل المواطنين.
وأكدت المصادر أن إخفاق الكاظمي في إبعاد الفصائل المسلحة عن السباق الانتخابي من خلال مشاركتها ضمن تحالف “الفتح” المناوئ للصدر، وكذلك نفوذها المسلح في أكثر من 30 دائرة انتخابية من أصل 83 دائرة، يعتبران من أسباب هذا الإعلان، مقرة في الوقت نفسه بأن مسألة إجراء الانتخابات في موعدها لم تعد محسومة، وزادت احتمالات عدم إجرائها في الوقت المحدد.

عضو في التيار المدني: قد نشهد وساطات وتحركات سياسية لإقناع الصدر بالعدول عن قراره

من جهته، اعتبر عضو التيار المدني أحمد حقي، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن الإعلان تطور جديد لن يكون في صالح إجراء الانتخابات في موعدها، خصوصاً أن قوى مدنية سبق أن أعلنت الانسحاب وتعليق مشاركتها في هذا الاستحقاق، مثل الحزب الشيوعي العراقي و”البيت العراقي” و”حركة نازل آخذ حقي” والتيار المدني بعد حادثة اغتيال رئيس تنسيقيات كربلاء إيهاب الوزني في مايو/ أيار الماضي. وأضاف أنه في حال أجريت الانتخابات فعلاً فلن تذهب أصوات الصدريين لأطراف أخرى كما هو الحال بالنسبة لجمهور القوى المدنية، لذلك ستكون مسألة المشاركة ونسبتها ضعيفة في هذه الانتخابات بكل الأحوال. ورأى أن “جزئية استفراد كتل اليمين الشيعي (الفتح ودولة القانون) بدوائر الجنوب ذات الثقل السكاني الأكبر بعد انسحاب الصدريين والمدنيين ستضعف من الصفة التمثيلية للانتخابات، لذلك قد نشهد وساطات وتحركات سياسية لإقناع الصدر بالعدول عن قراره”.

أما عضو البرلمان عن تحالف “سائرون” التابع لـ”التيار الصدري”، رعد المكصوصي، فقال في تصريح لـ”العربي الجديد”، تعليقاً على كلمة الصدر: “إننا خاضعون لتوجيهات وقرارات السيد مقتدى الصدر”. وأضاف “هناك خلل كبير في العمل السياسي وفساد وتجاوزات على السيادة والقرار العراقي، وبالتالي يرى السيد (مقتدى الصدر) أن المشاركة في الانتخابات ستؤدي إلى مشاكل جديدة، وننتظر الهيئة السياسية للتيار الصدري لإصدار التوجيهات في الوقت الحالي”.

في المقابل، أكدت المتحدثة باسم المفوضية العليا للانتخابات جمانة غلاي، في إيجاز قدّمته للصحافيين في بغداد ظهر أمس، عدم ورود أي طلب رسمي بالانسحاب من الانتخابات المقبلة، موضحة أنه “في ما يخص الانسحابات قرر مجلس المفوضين إغلاق باب قبول طلبات المنسحبين في 20 يونيو/ حزيران الماضي، والمفوضية صادقت على المرشحين وأنهت القرعة الخاصة بأرقام المرشحين”، لافتة إلى أنها “بصدد تصميم ورقة الاقتراع ولم يردنا أي طلب بالانسحاب من أي مرشح فرد”، لكنها أشارت إلى أنه “في حال قُدّمت طلبات الانسحاب للمفوضية، فإن القرار الأول والأخير والفصل يعود لمجلس المفوضين”.

وتعليقاً على هذه التطورات، توقع رئيس مركز التفكير السياسي في بغداد إحسان الشمري، في حديث مع “العربي الجديد”، أن تكون للانسحاب تداعيات كبيرة، وقد تبدأ بأزمة سياسية. وأضاف “قضية انسحاب الصدريين مرتبطة بطبيعة الأحداث الأخيرة والاتهامات للتيار الصدري بتحمّله جزءاً من الفشل الحالي، ويبدو أنه لا يريد أن يتحمّل تبعات الانتخابات المقبلة، خصوصاً أن قوى التزوير ما زالت فاعلة”. واعتبر أنه “في حال تمسك الصدر بقرار الانسحاب فقد نرى مبادرات قريبة لتأجيل الانتخابات المقبلة بهدف إقناع المقاطعين بالعودة لاحقاً، ليس الصدريين فقط بل القوى المدنية والقوى القريبة من تشرين (المتظاهرين)، خصوصاً أن تصاعد دعوات المقاطعة لن يعطي شرعية للانتخابات المقبلة، وستبقى شرعيتها محط جدل”.