مع العزلة

تعنيني الحياة وشيء آخر: أن أحيا. الموت دوماً على هامش الهامش. الحياة متكرّرة ومتواصلة، بينما هو يحدث لمرّة أولى وأخيرة: استثنائي على نحو شديدة الندرة. فمن منهما أَوْلى بالتفكير وبالتمحيص عند الكائن الحيّ؟ يعنيني أن أعيش مليئًا بالحيويّة، مهما طالت السنون، وعديم الحكمة، مثل بئر غويط. ذلك أنه ليس من قبيل المصادفة أن يوميات المرء هي أساس حياته وجوهرها الفريد أو النمطي (حسب الحال).

لكلّ هذا، أحيا الآن، في عزلة تامة، منقطعاً عن رؤية البشر والحيوانات، باستثناء الطيور والقواقع، تحت سماء قليلة الشر، وبلجيكية بامتياز. ولهذا أيضًا، لا أشكو من ضياع تقليد نصّي مقتضَب ومتنوع، كنت كتبته في الماضي، وقد يصُنّف على أنه تلفيق فكري وهرطقة شاعرية.

أحيا ولا أسأل: ما الذي ننتظره من العزلات؟ فما تعطيك إياه هذه الأخيرة، هو ما تجده هي فيك أولاً: بضاعتك وتردُّها إليك.

العزلة فعل عزلوي، لا يحتمله إلّا إله أو وحش أو لاجئ. وعلاوة على ذلك، يحتملها بلا كلل، ويُخرج من تحت عباءتها، المُتاحَ: كلماتٍ وصوراً، هواجس وخواطر، ألماً ملوّناً مثل شفق المغيب. لكنّه، لو كان محظوظاً، قد يكتب أيضًا كتبًا بلا تجنيس. وقد يكون مُناضلاً لا هوادة فيه من أجل الاستثناء الوجودي.

* شاعر من فلسطين مقيم في بلجيكا