استعادة الصين تايوان بالقوة… مسألة تؤرّق واشنطن

متى يمكن أن تستعيد الصين تايوان بالقوة؟ سؤال أثير أخيراً في دوائر صنع القرار في واشنطن، إذ تحدّث مسؤولون سياسيون وعسكريون بارزون عن إمكانية قيام الجيش الصيني بشن هجوم مباغت على الجزيرة لاستعادتها بالقوة.
فخلال جلسة استماع للكونغرس الأميركي قبل أيام، قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي، إن هناك احتمالاً ضئيلاً أن تحاول بكين السيطرة على تايوان عسكرياً في المدى القريب، لكنه لفت إلى أنها لا تزال تمثل مصلحة وطنية أساسية للجمهورية الشعبية. من جهته توقّع مسؤول العمليات الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ الأدميرال فيل ديفيدسون، أن تقدم الصين على هذه الخطوة في السنوات الست المقبلة.

الولايات المتحدة لا تزال تحافظ على غموض استراتيجيتها بشأن منع الصين من الاستيلاء على تايوان بالقوة

في المقابل، أفردت وسائل إعلام رسمية صينية، مساحة كبيرة للحديث عن مخاوف واشنطن، مشيرة إلى أن استمرار “الاستفزازات الأميركية” في المنطقة، من شأنه أن يعزز هذا النقاش في دهاليز البيت الأبيض. كما أكدت أن خطوة بهذا الحجم هي في المقام الأول قرار سياسي يتوقف على تطورات الأوضاع في مضيق تايوان.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تتمتع بتفوق عسكري واضح في منطقة المحيطين، فإن تطور الترسانة العسكرية الصينية خلال السنوات الأخيرة أدى إلى زعزعة ثقة واشنطن في علو كعبها. وتجلّى ذلك في تزايد النقاش الأميركي حول قدرات بكين العسكرية، ومدى عزمها على اتخاذ قرار الحسم. وعلى الرغم من تواتر الحديث حول هذه المسألة، فإن الولايات المتحدة لا تزال تحافظ على غموض استراتيجيتها بشأن ما إذا كانت ستمنع الصين عسكرياً من الاستيلاء على تايوان بالقوة.

وذكرت شبكة “سي أن أن” الأميركية، أخيراً، أن الرئيس الأميركي جو بايدن يريد عقد قمة مع نظيره الصيني شي جينبينغ، شبيهة بتلك التي عقدها أخيراً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في جنيف. ونقلت عن مسؤولين في البيت الأبيض قولهم إنه يمكن لبايدن وجينبينغ الالتقاء خلال الأشهر المقبلة، وربما على هامش قمة مجموعة العشرين في روما في نهاية أكتوبر/تشرين الأول المقبل. كما تركوا الباب مفتوحاً أمام إمكانية عقد اجتماع منفصل، إذا وافقت بكين، أو مجرد مكالمة هاتفية أخرى. وأشاروا إلى أنه إذا كان بايدن يعتبر روسيا تهديداً مزعجاً للاستقرار في الولايات المتحدة، فإنه يرى أن الصين مشكلة وجودية أكثر بكثير.
وحول مخاوف واشنطن، يقول أستاذ العلوم السياسية السابق في جامعة خنان، لاو بينغ، في حديث مع “العربي الجديد”، إن القلق الأميركي ليس جديداً، فهو ما دفع مخططين عسكريين قبل ستة عقود إلى الإيعاز للرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور، بضرب البر الرئيسي الصيني بالقنابل النووية لحماية تايوان، وذلك في إشارة إلى وثيقة مسرّبة من وزارة الدفاع الأميركية، كشفت عن خطة لضرب العمق الصيني بالسلاح النووي في العام 1958 للذود عن الجزيرة، التي كانت تُدك آنذاك بالقذائف المدفعية.

لاو بينغ: استراتيجية الصين بشأن مستقبل تايوان خضعت لأربع مراحل

وعن استراتيجية الصين بشأن مستقبل تايوان، أوضح لاو بينغ أن ذلك خضع لأربع مراحل، بدأت بطرح خيار الحرب واستعادة الجزيرة بالقوة خلال حكم الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ. أما المرحلة الثانية، فكانت في عهد دينغ شياو بينغ، وهي الفترة التي أعقبت إقامة علاقات دبلوماسية مع الولايات المتحدة في 1979، وجرى الحديث آنذاك عن إعادة توحيد سلمي. وجاءت المرحلة الثالثة بعد استعادة هونغ كونغ بصيغة “دولة واحدة ونظامان” في العام 1997، وحاولت بكين تطبيق نفس النموذج على تايوان لكنها فشلت. وشهدت المرحلة الأخيرة في عهد الرئيس الحالي شي جينبينغ، إعادة طرح الخيار العسكري على الطاولة، وذلك بعد وصول تساي ون إنغ إلى سدة الحكم في تايبيه عام 2016، وهي التي تقود حزباً يدعو علانية إلى الانفصال عن الصين وإعلان الاستقلال.
من جهته، لم يستبعد الباحث في الشؤون العسكرية في معهد “نان جينغ للبحوث والدراسات الاستراتيجية”، يوان تشو، أن تلجأ بكين إلى الخيار العسكري من أجل استعادة تايوان، لافتاً إلى أن سلوك الصين بات أكثر تصلباً وشراسة خلال السنوات الأخيرة، سواء فيما يتصل بالاستفزازات الأميركية بمنطقة المحيطين الهادئ والهندي، أو في ردها على التقارب بين تايبيه وواشنطن.
ويضيف يوان تشو، في حديث مع “العربي الجديد”، أن الأسطول البحري الصيني أصبح يشكل قلقاً كبيراً للولايات المتحدة وحلفائها، باعتباره واحداً من أكبر الأساطيل البحرية في المنطقة (أكثر من سبعمائة قطعة حربية). ويتابع أن بكين تدرك أنه في أي حرب مقبلة سيكون تفوق القوات البحرية فيها عاملاً مؤثراً، وهو الأمر الذي يبرر سعي قيادة الجيش إلى تعزيز قدرات أسطولها البحري عبر امتلاك المزيد من السفن والغواصات الحربية اللازمة لحسم أي معركة.
وعن تكثيف المناورات العسكرية الصينية أخيراً في محيط تايوان، وإذا كانت تحمل مؤشرات على تحرك ما تجاه الجزيرة، يقول يوان تشو: لا أحد يستطيع أن يتوقع توقيت الحرب، لأن التجارب التاريخية تشير إلى أن شرارات صغيرة قد تشعل حروباً كبرى. ويعتبر أن تايوان أحد أبرز الثغور التي قد تتسبب في تفجّر حرب يمكن أن تكون الأكبر في التاريخ الحديث. ويضيف أن الصين من دون أدنى شك لديها خطط جاهزة، والولايات المتحدة تعلم ذلك جيداً، لكنها لا تستطيع أن تتنبأ بتوقيت هذه الخطوة.
ويقول وزير خارجية تايوان جوزيف وو، لشبكة “سي أن أن” الخميس الماضي، إن على بلاده “الاستعداد” لاندلاع نزاع عسكري مع الصين. وجاء تحذيره بعد نحو أسبوع من إعلان الجزيرة عن أكبر توغل يومي تقوم به الطائرات العسكرية الصينية، والتي تضمنت 28 طائرة تشمل قاذفات قادرة على حمل أسلحة نووية، في منطقة تحديد الدفاع الجوي المعلنة من جانب واحد في تايوان. وردت الصين وقتها بأنها لا تتهاون مطلقاً مع تدخل قوى أجنبية في قضايا تايوان، وكان يتعين عليها الرد على مثل هذا “التواطؤ”.

شدد وزير خارجية تايوان على أنه لا يمكن لبلاده قبول التوحيد مع الصين
 

ويقول جوزيف وو “إننا كصناع قرار تايوانيين، لا يمكننا أن نخاطر، وعلينا أن نكون مستعدين”. ويضيف “عندما تقول الحكومة الصينية إنها لن تتخلى عن استخدام القوة، وتجري مناورات عسكرية حول تايوان، نفضل الاعتقاد بأن ذلك حقيقي”. ويشير إلى أنه يشرفه ملاحقة السلطات الشيوعية في الصين له، معتبراً أن “السلطوية لا يمكن أن تتسامح مع الحقيقة. وإذا استمروا في القول إنهم يريدون ملاحقتي لبقية حياتي، فأنا لست قلقاً حقاً بشأن ذلك”. ويشدد على أنه لا يمكن لتايوان قبول التوحيد مع الصين، و”خاصة أن الأحداث في هونغ كونغ أظهرت أن حماية سيادة تايوان أمر حاسم لحماية مكانتها كديمقراطية وحيدة ناطقة بالصينية في العالم”، مشيراً إلى أن سكان تايوان يريدون الحفاظ على الوضع الراهن: رئيس منتخب ديمقراطياً والبرلمان، وقوة عسكرية منفصلة، وسلطة تستطيع إصدار جوازات سفر. ويوضح أن “الوضع الراهن يتضمن تايوان لا تديرها أو تحكمها جمهورية الصين الشعبية”، مضيفاً “أعتقد أن مسؤولية تايوان والصين المشتركة هي وجود علاقة سلمية ومدنية بين الجانبين، وأيضاً إجراء حوار”، لكنه اتهم بكين باستخدام حرب هجينة، تتضمن حملات تضليل وترهيب عسكري، لتقويض الثقة بديمقراطية الجزيرة.
وتعتبر الصين تايوان جزءاً لا يتجرأ من أراضيها منذ أن شكّلت قيادات الحزب الوطني (كومينتانغ) حكومة مستقلة في الجزيرة تمثل جمهورية الصين، وذلك بعد فرارهم وهزيمتهم من الشيوعيين في العام 1949. وفي أعقاب إقامة علاقات دبلوماسية بين الصين والولايات المتحدة، سحبت واشنطن اعترافها بتايبيه، والتزمت بصيغة “صين واحدة”، التي تعتبر أساس العلاقات بين البلدين فيما يتعلق بمسألة تايوان، غير أن ذلك لم يمنعها من تقديم كامل الدعم للحكومات التايوانية المتعاقبة، بما في ذلك مدها بالسلاح اللازم لردع أي محاولة من الصين لاستعادة الجزيرة بالقوة. يشار إلى أن بكين وتايبيه كانتا قد اتفقتا على ما يعرف بـ”إجماع 1992″، والذي يقر فيها الجانبان بأن هناك دولة واحدة ذات سيادة، تضم كلاً من البر الرئيسي الصيني وجزيرة تايوان، لكن الاتفاق لم يحدد في حينه أيا من الحكومتين هي الممثل الشرعي لتلك الدولة.