باريس وواشنطن تتحرّكان لبنانياً: لوائح بأسماء جديدة تنتظرها عقوبات

رفعت باريس وواشنطن من لهجتهما تجاه المسؤولين في لبنان، وحذرتا من أنهما ستتحركان معاً للضغط عليهم، بعدما فشلوا في الاتفاق على تشكيل حكومة، بينما تغرق بلادهم في الأزمات وسط تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية للمواطنين.

وأعلن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، اليوم الجمعة، أن “باريس وواشنطن ستتحرّكان معاً للضغطِ على المسؤولين عن الأزمة التي يغرق فيها لبنان منذ أشهرٍ”.

وقال لودريان، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الأميركي أنتوني بلينكن، في باريس: “نلاحظ معاً المأساة التي يمكن أن تحصلَ في حال تفتّت هذا البلد أو زالَ، وقرّرنا أن نتحرّكَ معاً للضغط على المسؤولين ونحن نعرفهم”.

وتوازياً، أكد مصدرٌ أميركي لـ”العربي الجديد”، شريطة عدم ذكر اسمه، أنّ “واشنطن ماضية في العقوبات، وهناك لوائح بأسماءٍ جديدة قيد التحضير متعلقة بالملف الحكومي والفساد والجرائم المالية”، مشدداً على أنّ بلاده “لن تقف متفرجة على معاناة الشعب وارتكابات الطبقة السياسية”.

وأوضح أنّ الولايات المتحدة “أكدت مراراً ضرورة التنازل عن الشروط والابتعاد عن الأنانية والمصالح الخاصة وحلّ الأزمة، بيد أنّ العرقلة مستمرة وبات من الملحّ وضع حدٍّ للمعرقلين”، محذراً من أن “البلاد أمام فوضى خطيرة في حال عدم تشكيل الحكومة”.

ويراوح التعطيل الحكومي بلبنان مكانه منذ عدة أشهر بعد تكليف سعد الحريري بتشكيل الحكومة، فيما يتهم رئيس الجمهورية ميشال عون، ومن ورائه صهره، رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل، بالتمسك بمجموعة شروط تؤخر ولادة الحكومة.

ولفت المصدر الأميركي إلى أنّ “الدول المتابعة للملف اللبناني والمهتمة به ستتعاون لأجل مساعدة الشعب اللبناني على مستويات عدة، طبياً، صحياً وغذائياً، أي إنسانياً، ولن تتركه في محنته هذه، وهي تنظر بحذر إلى التدابير التي تتخذ اليوم لمواجهة الأزمة، وخصوصاً على صعيد البطاقة التمويلية”.

من جهته، أكد مصدرٌ دبلوماسي فرنسي، لـ”العربي الجديد”، مشترطاً كذلك عدم ذكر اسمه، أنّ “باريس تراقب الأوضاع في لبنان وتدين التعطيل الحكومي المقصود وتصرّفات المسؤولين الذين لا يقومون بأي دور أو تقدّم”.

وأضاف أنّ المسؤولين اللبنانيين “يتفرّجون على معاناة الشعب وانهيار البلاد ولا يتعاطون مع التحذيرات الخارجية على محمل الجدّ”، كاشفاً أنّ فرنسا “تملك تقارير عدّة من مصادر مختلفة حقوقية ومدنية حول المسبّبين الأساسيين للعرقلة والمتورطين بملفات فساد والمسؤولين عن الهدر في وزاراتهم، إذ إنها لا تستند في استهداف شخصياتٍ لبنانية بالعقوبات على المشاورات مع القوى السياسية، باعتبار أن كل فريق ينأى بنفسه ويرمي كرة التعطيل في مرمى الآخرين”.

وتقول باريس إنها فرضت قيوداً على دخول بعض المسؤولين اللبنانيين الذين ترى أنهم يعرقلون جهود معالجة الأزمة، دون أن تذكرهم بالاسم.

ولفت المصدر إلى أنّ “فرنسا سبق أن أجرت الكثير من المشاورات مع الأميركيين حول وضع لبنان، وهي اليوم تستكمل تحركاتها مع الولايات المتحدة نظراً للالتقاء حول أسباب الأزمة، ورفض تقديم أي مساعدة للسلطات اللبنانية الرسمية قبل تشكيل حكومة تضع الإصلاحات بنداً أولاً لمهامها، مع إبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي”. وأشار إلى أنّ “العمل مع واشنطن يندرج أيضاً في إطار المعايير التي يجب تحديدها والاعتماد عليها في فرض العقوبات”.

بدوره، قال السفير اللبناني السابق في واشنطن عبد الله بوحبيب، لـ”العربي الجديد”، إنّ “العالم كلّه لا يريد انهيار لبنان”، لكنه في المقابل شدّد على أن الحل “يكون من خلال حكومة توقف دوّامة الانهيار وتنفّذ الإصلاحات”.

ولا يستبعد بوحبيب أن تكون لتلك الإصلاحات انعكاسات سلبية لحظة انطلاقتها على الشعب “نظراً للإجراءات المؤلمة الواجب اتخاذها وما يرافقها من إعادة هيكلة للاقتصاد المحلي تفرض حكماً ارتفاعاً إضافياً في الأسعار، وبالتالي تحتّم إجراء مفاوضات مع صندوق النقد الدولي”.

ولفت بوحبيب إلى أنّ “هذا السيناريو لا يناسب الطبقة السياسية في لبنان ولا يصبّ في مصلحتها الشعبية، باعتبار أنه سيتزامن مع الانتخابات النيابية وسيرتد سلباً على النتائج، بينما يتطلع كل حزب إلى زيادة مقاعده وتوسعة حجمه في البرلمان والسلطة بشكل عام”.

وتابع السفير اللبناني السابق في واشنطن متسائلاً “كيف لحكومة أن تنفذ إصلاحات وتكافح الفساد في حين أن المتهمين به هم الموجودون أصلاً في الحكم؟”، معتبراً أن “هذه كلها عوامل تدفع السياسيين للخوف من تشكيل حكومة والانهيار وتحمل المسؤولية”.

وشدد بوحبيب على أنّ “الإصلاح سيلحق ألماً بالشعب اللبناني، وكذلك عدم تنفيذ إصلاحات سيودي إلى الانهيار الشامل، وهو ما قد يدفع الخارج، وضمنه فرنسا وأميركا، إلى التحرّك لنجدة المسؤولين، وإعطائهم بعض الأفكار، ربما منها التهيئة للانتخابات من خلال حكومة يكون أعضاؤها من المستقلّين”.

وأعرب بوحبيب عن اعتقاده بأن الحديث الدائم عن العقوبات يأتي من باب التهديد “الإيجابي”، موضحاً أنّ “فرنسا تختلف عن أميركا، فعندما تتخذ باريس مثلاً قراراً منفرداً بفرض قيودٍ معينة، فلن تكون جدّ مؤثرة، ويمكن للمستهدف أن يقصد دولاً أوروبية أخرى، والاتحاد الأوروبي كمجموعة من الصعب أن يرضى بالعقوبات، وهناك دول رفضت فرض عقوبات بشكل جماعي”.

ولفت إلى أنّ “التحرك الفرنسي الأميركي يمكن أن يكون مؤثراً في حال كان باستطاعتهما أن يكونا عادلين، ولا يستهدفان في العقوبات حزباً واحداً أو فريقاً معيناً دون الآخر”.

هذا، ويطل أمين عام “حزب الله” حسن نصر الله، بعد ظهر اليوم، في كلمة متلفزة مباشرة يتطرق فيها إلى التطورات المحلية السياسية وخصوصاً الملف الحكومي.

وقال مصدرٌ مقرّب من “حزب الله”، لـ”العربي الجديد”، إنّ “نصر الله سيتطرق بالتفصيل إلى الملف الحكومي، ونداء باسيل، ومبادرة رئيس البرلمان نبيه بري، كما العلاقة بين الحزب والتيار (التيار الوطني الحر)، وسيعرج على تصريحات المسؤولين، سواء الأوروبيين أو الأميركيين وصندوق النقد الدولي الذي يرفض نصر الله شروطه”.

تجدر الإشارة إلى أن العلاقة في الفترة الأخيرة بين “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” برئاسة باسيل باتت متوترة جداً، وخصوصاً على صعيد مناصري الفريقين، وتصريحات مسؤولي الحزبين، ما دفع إلى عقد اجتماع إعلامي بين الطرفين بحث سبل تعزيز التنسيق والتعاون في المرحلة المقبلة. وشدد بيان للمجتمعين على “ضرورة التزام المحازبين والمؤيدين على وسائل التواصل الاجتماعي بأعلى معايير الانضباط والتحلي بروحية التفاهم والعلاقة الوطيدة بين الطرفين”.

ولفت المصدر ذاته، الذي اشترط هو الآخر عدم ذكر اسمه، إلى أنّ نصر الله “قد يعيد التذكير بأهمية الانفتاح على إيران اقتصادياً، والخيارات المتاحة للبنان للخروج من الأزمة، وتخفيف معاناة اللبنانيين”.

وشهدت مختلف المناطق اللبنانية بما فيها تلك المحسوبة على “حزب الله”، أمس الخميس، تحرّكات عدّة وقطعاً للطرقات احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وارتفاع سعر صرف الدولار الذي تجاوز عتبة 16 ألف ليرة لبنانية لأول مرة منذ بداية الأزمة في أواخر عام 2019.