الرئيسية / عالمية/

نظام البكالوريوس يثير جدالاً في المغرب

GettyImages 1229993073 - نظام البكالوريوس يثير جدالاً في المغرب

 

كان من المقرّر أن يبدأ المغرب في العمل بنظام البكالوريوس فعلياً في العام الجامعي الجاري، قبل أن يُؤجَّل إلى العام المقبل بسبب تداعيات أزمة كورونا، علماً أنّه يثير جدالاً واسع النطاق في الأوساط الأكاديمية.

عاد الجدال حول اعتماد نظام البكالوريوس في الجامعات المغربية، في العام الجامعي المقبل (2021-2022)، إلى الواجهة مع تصاعد الدعوات إلى تأجيل تطبيقه في البلاد. ولوّحت نقابات تعليمية ومؤسسات تمثيلية للأساتذة الجامعيين بخطوات احتجاجية في حال عدم العدول عن بدء العمل به، ما يُنذر بعودة جامعية ساخنة في سبتمبر/ أيلول المقبل. ومع إصرار وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي في المغرب على هذا النظام، تُطرَح أكثر من علامة استفهام حول كيفية تطبيقه في 12 جامعة عبّرت أخيراً عن رغبتها في الانخراط فيه، في حين تُسجَّل مطالب لتأجيله وتُوجَّه انتقادات إلى الوزارة الوصية على القطاع من قبل النقابات التعليمية وتمثيليات أساتذة الجامعات.

بعد 17 عاماً من اعتماد النظام البيداغوجي (التعليمي/ التربوي) الجامعي الحالي المعروف بنظام “إل إم ديه” (إجازة – ماجستير – دكتوراه) في مؤسسات التعليم العالي بالمغرب، تتّجه وزارة التربية الوطنية إلى اعتماد نظام البكالوريوس بحجّة أنّه سوف يسمح بتجاوز الخلل في النظام البيداغوجي القديم، بالإضافة إلى توفّر سياق عام دفع إلى إرسائه، إذ ثمّة حاجة ضرورية إلى نموذج جديد للتكوين الجامعي من خلال هندسة بيداغوجية جديدة. وترى الوزارة أنّ القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين يتيح فرصاً لملاءمة النظام البيداغوجي مع باقي الأنظمة المعتمدة على الصعيد الدولي. وتؤكد الوزارة أنّه بعد تقييم النموذج القديم الذي اعتمدته الجامعات المغربية منذ عام 2003 بحسب نظام “إجازة – ماجستير – دكتوراه”، تَبيّن وجود هدر جامعي وإحباط بين الأساتذة والطلاب على خلفية المشكلات الناجمة عن النظام البيداغوجي القديم، خصوصاً في ما يتعلق بملاءمة التكوين الجامعي مع متطلبات سوق العمل.

وفي تقديم خاص بنظام البكالوريوس، توضح وزارة التربية الوطنية أنّ من الأهداف المرجوّة من النظام الجديد رفع المردودية الداخلية خصوصاً في مؤسسات الدخول المفتوح، وذلك في محاولة للحدّ من الهدر الجامعي ورفع نسبة الشهادات، مؤكدة أنّ غايات النظام سوف تتضمّن تحسين قابلية التشغيل وتطوير الروح التنافسية لدى الطلاب، وتمكين هؤلاء من اللغات والكفاءات الحياتية والذاتية، وتطوير الثقافة العامة. يُضاف إلى ذلك تشجيع انفتاح الطلاب واستقلاليتهم بجعلهم فاعلين في دراستهم.

وحول إمكانية أن يؤدّي اعتماد النظام الجديد إلى الانفتاح بشكل أكبر على نظم التعليم الدولية، خصوصاً نظم الدول الأنكلوساكسونية التي أبانت عن فعاليتها، ترى هيئات نقابية (اتحادات عمالية) وتنسيقيات عديدة تمثّل أساتذة التعليم العالي في المغرب أنّ الشروط الضرورية لإرساء نظام البكالوريوس المقترح في إطار الإصلاح البيداغوجي ابتداءً من الموسم الدراسي المقبل غير متوفّرة في الوقت الحالي، في ظلّ ضعف الوسائل اللوجستيية الكافية لإدخال النظام الجديد إلى بعض المؤسسات الجامعية، مع عزمها على اللجوء إلى التعليم عن بُعد واستخدام منصات رقمية لتدريس الوحدات المتعلقة باللغات والمهارات الذاتية والمهنية. يأتي ذلك إلى جانب الاكتظاظ الهائل وانعدام التكوين والمعدّات التقنية المرتبطة بوسائل التواصل الإلكترونية والمعلوماتية. وبموجب النظام الجديد، سوف يدرس الطالب في مجموع الأعوام الدراسية الأربعة 26 وحدة معرفية (مواد أساسية) وثماني وحدات للكفايات الحياتية والذاتية، وستّ وحدات للغات الأجنبية، وأربع للانفتاح المتخصص، ووحدتَين للانفتاح العام، ووحدتَين أخريَين مخصّصتَين للمشروع المؤطّر بدلاً من وحدة واحدة يُعمَل بها حالياً.

وبحسب النقابة المغربية للتعليم العالي والبحث العلمي، فإنّ انتقال المغرب إلى نظام البكالوريوس هو “حلقة جدیدة في مسلسل الإصلاحات الأفقیة المتعاقبة على المنظومة بمنطق القطیعة، خارج إطار التقییم والترصید والتثمین والتشاركیة”. وقد تمّ الانتقال “بمنطق الاستعجال والاستفراد المصحوب باستنفار كل إمكانات الوزارة لتمریر مشروع ھو نسخة غیر مطابقة للأصل یحمل في طیاته عوامل الفشل والسقوط”.

من جهتها، رأت النقابة الوطنية للتعليم العالي أنّ إرساء النظام الجديد عَرف “عملية تشاركية صورية اقتصرت على المطالبة بإبداء الرأي في ما يخصّ دفتر الضوابط البيداغوجية فقط، وفي فترات زمنية متقطعة”، مشيرة إلى أنّ الوزارة “حاولت تمرير محتوى التكوينات المختلفة بطريقة انتقائية” وأنّها “في تسرّعها استخفّت بمسألة الموارد البشرية التي يقع على عاتقها حمل وإنجاح أيّ مشروع للإصلاح البيداغوجي، وفي ظرفية تعرف فيها نسبة التأطير تدنياً مطرداً”، في حين “استهانت بإحداث البنى التحتية الملائمة للإصلاح الحقيقي كتدابير مصاحبة ضرورية”.

في سياق متصل، يقول الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم العالي جمال صباني إنّ الشروط الضرورية لتطبيق البكالوريوس غير متوفرة حالياً من جرّاء الاختلالات التي تعرفها المنظومة التربوية، مؤكداً لـ”العربي الجديد”، أنّ معالجة الشقّ البيداغوجي لن تحل المشكلة. ويوضح صباني أنّ “الوزارة فكّرت في الإصلاح البيداغوجي، ونحن في النقابة طرحنا موضوع الإصلاح في شموليته وليس في نقطة بعينها”، مضيفاً أنّ “لدينا تعليماً عالياً مبلقناً نتيجة سياسات اتّبعت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إذ خُلقت مؤسسات خارج الجامعات للتكوين في مجال كلّ المهن، ووصلنا إلى هذه الوضع اليوم”. ويشدّد صباني على ضرورة أن يُطرح الإصلاح الجامعي في شموليته، أوّلاً من خلال توحيد التعليم في جامعات موحّدة المعايير ومتعددة التخصصات، وإقرار مراجعة شاملة للقوانين المنظمة للتعليم الجامعي، لا سيّما القانون الخاص باستقلالية الجامعة والحكامة، وكذلك مراجعة للنظام الأساسي الذي لم يُراجَع منذ 23 عاماً فصار غير ملائم، لا مع الوضع الحالي للأساتذة الباحثين ولا مقارنة بالأنظمة الأساسية في الدول الأخرى.

ويرى صباني أنّ “الإشكالية المطروحة أساساً تتعلق بالتوجّه الذي ذهبت إليه الحكومات المغربية منذ السنوات الأولى للاستقلال، إذ إنّ كلّ وزارة راحت تكوّن الكوادر الخاصة بها في مؤسسات خاصة خارج المؤسسات الجامعية، وتركت فيها التكوينات الأساسية فقط (من قبيل الآداب والعلوم وغيرهما)، ليتمّ تكوين الكوادر خارج الجامعات وبعيداً عن البحث العلمي، بخلاف الأنظمة التعليمية الناجحة، وهو ما يستوجب التراجع عنه”. ويشرح صباني أنّ المدخل إلى هذا التراجع “يتمثّل في إرجاع كلّ المؤسسات الموجودة خارج الجامعة إلى داخلها، ثمّ محو كلّ الجسور بين المؤسسات والجامعات، كون الجامعة فضاءً متعدّد التخصصات وللتبادل بين التكوينات”، لافتاً إلى أنّه “في غياب ارتباط عضوي بين تكوين الكوادر والبحث العلمي لتأهيل الموارد البشرية، لا يمكن النجاح في الإصلاح والتطوير. وبالإضافة إلى ذلك، يتعيّن منح التعليم والمعرفة الاستقلالية ثمّ الحكامة، وتقييم تجربة القوانين المعمول بها لرصد مكامن الضعف والنجاح”.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة