الرئيسية / عالمية/

الجدّة محرزية التونسية مطرودة من بيتها العتيق

محرزية الطرابلسي الإدريسي في تونس - الجدّة محرزية التونسية مطرودة من بيتها العتيق

 

نحو سبعة عقود قضتها الجدّة محرزية الطرابلسي الإدريسي البالغة من العمر 84 عاماً، في ذلك البيت العتيق الواقع في محافظة أريانة شمالي تونس والذي يحوي جلّ ذكرياتها. واليوم، تتمسّك مع عائلتها ببيتها المستأجَر منذ خمسينيات القرن الماضي، على الرغم من طردها منه، وقد نُظّمت وقفات احتجاجية عدّة في هذا السياق. وقد تحوّلت قصة المرأة الثمانينية إلى قضية رأي عام في البلاد، إذ تشكّلت لجنة مساندة من ناشطين، ومنظمات عدّة منها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وحقوقيين ومحامين متطوعين للدفاع عن حقّ العائلة في البقاء في ذلك البيت. يأتي ذلك بعدما توفيت مالكته الأصلية وأعلن المالك الجديد من غير الورثة نيّته هدمه وتحويله إلى مساحة تجارية. ويُعَدّ البيت من آخر البيوت القديمة ذات الطراز المعماري الأندلسي الأصيل في وسط مدينة أريانة القديمة قبالة مقام الوليّ الصالح سيدي عمّار.

تقول محرزية لـ”العربي الجديد” إنّ “هذا البيت محور حياتي، ففيه عشت نحو 70 عاماً، وتزوّجت فيه وسكن أبنائي وأحفادي إلى جواري. بالتالي لا يمكنني التخلي عن بيتي الذي كان مقصد الجيران وعابري السبيل ممّن كانوا يطلبون الماء البارد لإطفاء ظمئهم في فصل الصيف”. تضيف أنّ “في هذا الحيّ الشعبي في أريانة، عشت شبابي وأحلى سنوات عمري. كذلك فقدتُ هنا زوجي وأقرباء لي”، مشدّدة على “أنني أريد البقاء في بيتي ما تبقّى من عمري”.

وعلى الرغم من تقدّمها في السنّ، فقد اعتصمت المرأة الثمانينية مع عائلتها بعد إخراجها من بيتها فجر 27 مايو/ أيار المنصرم، بالقوّة العامة. وتؤكد: “سوف أظلّ صامدة، ولن أستسلم حتى آخر رمق في حياتي. حقّي وحقّ عائلتي البقاء في هذا البيت”، مشيرة إلى أنّها ما زالت تحتفظ بإيصالات إيجاره منذ عشرات السنوات.

وقد عقدت العائلة أخيراً مؤتمراً صحافياً، أكّدت حفيدة محرزية، رانيا المجدوب، خلاله أنّ المشكلة التي يواجهونها ليست قضية فردية تتعلق بطرد عائلة من بيت، بل هي مشكلة عدد كبير من السكان المهمشين من أمثال سكان الباطن في حلق الوادي ولافيات في تونس العاصمة. أضافت أنّ هؤلاء يشكّلون النسيج الاجتماعي للأحياء الشعبية الضاربة في القدم، وهم ما زالوا يحتفظون بالدور الكبيرة التي تجمع الأبناء والأحفاد والأبناء، فيعيش الجميع تحت سقف واحد. تضيف المجدوب أنّه على الرغم من حقهم في مواصلة السكن بحكم الأقدمية، فإنّ الاهتمام معدوم بالفئات الضعيفة وبالحياة الاجتماعية التي تكوّنت في الحيّ. 

أمّا ابن محرزية، عادل الإدريسي، فيقول لـ”العربي الجديد”: “نحن متمسّكون بالبقاء في البيت حيث تزوّجتُ وأنجبتُ أبنائي والذي يجمع الأسرة كلّها. فهذا البيت يمثّل حياتنا، وإيصالات إيجاره تعود إلى الخمسينيات”. ولم يخفِ أنّ “والدتي تعيش ألماً كبيراً بسبب إخراجها من بيتها الذي يشبه شجرة يريدون اليوم قطعها”، مشيراً إلى أنّ “تمسّكنا فيه كلّفنا سجن أحد أفراد العائلة. وأفراد العائلة جميعاً مهدّدون بالسجن إذا عدنا إلى البيت”.

في سياق متصل، يشير عضو “الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان” في أريانة وعضو لجنة المساندة التي تشكّلت دفاعاً عن محرزية، محمد الحبيب بالحاج، إلى أنّ “الحق في السكن هو حق دستوري، ومن حق العائلة أخلاقياً ودستورياً وقانونياً البقاء في البيت”. يضيف لـ”العربي الجديد”: “قدّمنا مقترحات عدّة للمحافظة من أجل تمكين الخالة محرزية من البقاء في بيتها بعد كلّ هذه السنوات، لكن لا حلول جدية”. ويقول بالحاج إنّه “إلى جانب محرزية، يعيش أبناؤها ومن بينهم ابنتان في الستينيات من العمر وكذلك أحفادها. بالتالي فإنّ المسألة معقدة والطرد لا يشمل فرداً واحداً بل عائلة بأكملها”.

من جهتها، توضح رئيسة “جمعية بيتي” التي تساند العائلة والأستاذة الجامعية في القانون العام، سناء بن عاشور، أنّ “ثمّة شروطاً لاسترجاع العقار من قبل المالك، ومنها الاتصال بالعائلة وعرض تسوية عليها أو مقترحات من بينها إعادة السكن أو استئجار بيت آخر لها، وهو ما لم يحصل في هذه القضية. فالمالك الجديد لم يتواصل مع العائلة بأيّ شكل من الأشكال”. تضيف لـ”العربي الجديد” أنّ “من حق العائلة التمسك قانونياً بالبقاء في العقار بعد 70 عاماً، وثمّة قرارات إخلاء كثيرة رفضتها المحكمة الإدارية فقط لأنّ المالك لم يقم بتسوية”.

وتتابع بن عاشور أنّه “حتى لو تمسّك صاحب المنزل بالعقار فإنّ ثمّة شروطاً عدّة لإخراج العائلة، وهذه الشروط لا تنطبق على هذا الملف، ومنها ألا يملك المالك مكان سكن له أو أن يكون المبنى معرضاً للسقوط وقد أصدرت البلدية قراراً بالهدم. لكنّ البلدية لم تصدر قرارات بالهدم ولا بالإخلاء، وقد توجّه المالك مباشرة إلى القضاء”. وتؤكد بن عاشور أنّ “الظرف الصحي في مثل أزمة كورونا هذه يفرض هدنة، نظراً إلى المخاطر الصحية والإنسانية التي قد تنجم عن طرد امرأة مسنّة وعائلتها في مثل هذا الظرف والتي قد تؤدّي إلى الموت. بالتالي من غير المقبول طرد محرزية واللجوء إلى القوّة العامة”.

بدوره، أصدر “المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية” بياناً أكّد فيه أنّ هذه القضية ذات مضامين عدّة منها الاجتماعي والإنساني والسياسي وكذلك الثقافي نظراً إلى القيمة العمرانيّة للبيت الذي تسكنه العائلة. وأشار المنتدى إلى ضرورة توصيل صوت الآلاف من العائلات التونسية التي تعاني ظروفاً مشابهة تحرمها من حقّها المشروع في السكن الكريم. أضاف في البيان نفسه أنّ العائلة تعيش منذ سنة تقريباً مضايقات أمنية عديدة، كان آخرها توقيف حفيد محرزية لدفعها إلى مغادرة البيت وتمكين مالكيه الجدد من هدمه وبناء مساحة تجارية على أنقاضه.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة