الرئيسية / عالمية/

حاتم علي.. أحجار أساس تحمل اسمه

حاتم علي خلال مهرجان الدوحة ترايبيكا السينمائي، 2012 Getty - حاتم علي.. أحجار أساس تحمل اسمه

عندما انتقل حاتم علي من التمثيل للإخراج التلفزيوني، بدءاً من عام 1998، كان تغييرٌ كهذا أمراً جديداً على الدراما السورية الوليدة. إذ ما الذي يدفع ممثّلاً شابّاً، سطعَ نجمُه في عددٍ من المسلسلات السورية الأكثر نجاحاً في التسعينيات (مثل “الخشخاش”، 1992)، إلى الوقوف وراء الكاميرا، بعيداً عن الأضواء كما يُقال؟ إحدى الإجابات الممكنة عن هذا السؤال تكمن في أن حاتم علي ــ الذي تصادف اليوم، الثاني من حزيران/ يونيو، ذكرى ولادته (1962 ــ 2020) ــ كان يفكّر برؤية ونظرة مختلفة من وراء الكاميرا؛ نظرة لا إلى الممثلّين وجودة تأديتهم للنصّ وتعليمات المخرج فحسب، بل أيضاً وقبل كلّ شيء إلى العالَم والمجتمع.

هذه الرؤية، سُرعان ما سيكشف عنها المخرج الشاب، بعد تمرُّسه في عملين أو ثلاثة. أوّل نتائجها مسلسلُ “الفصول الأربعة” (1999)، الذي يُعدّ من أحجار الأساس في تحوّل الدراما السورية، نهاية التسعينيات، من محاولاتٍ هاوية إلى أعمال تأخذ فكرة الدراما التلفزيونية على نحوٍ أكثر جدّيّة واحترافية. بالطبع، يمكن طرح العديد من الأسئلة الاجتماعية والسياسية حول عمل كهذا يبدو عالمُه منغلقاً على أجواء وأفراد عائلة كبيرة تضمّ عوالم صغيرة مترابطة.

لكنّ هذه الأسئلة لا تُلغي التطوّر الذي قدّمه المسلسل المذكور إن كان على مستوى المشهد البصري أو الأداء التمثيلي والخطّ الدرامي العام للعمل. لمسةٌ سيعود حاتم علي بعد سنواتٍ، وعبر فترات متقطّعة، لتكرارها، بل لتطويرها، في أعمال مثل “أحلام كبيرة” (2004) و”عصي الدمع” (2005) و”الغفران” (2011) و”قلم حمرة” (2014).

أعماله لحظات مفصليّة في الدراما السورية والتاريخية العربية  

ورغم خروج بعض هذه الأعمال من “اللا ـ سياسة” أو “اللا ـ نقد” الذي اتّصف به عمله الأشهر في ذاك الوقت، “الفصول الأربعة”، إلّا أنّها بقيت تتشارك مع “الفصول” بانطوائها على نوع من الرومانسية الخاصّة بالدراما الاجتماعية السورية، وبالدراما الاجتماعية التي وضعها حاتم علي خصوصاً. وهي رومانسيةٌ ظلّت حاضرة رغم التغيّر بأسماء كتّاب وكاتبات السيناريو الذين تعامل معهم، باستثناء “قلم حمرة”، الذي استطاعت فيه كاتبة السيناريو، يمّ مشهدي، دفع المخرج السوري إلى مقاربة اجتماعية جديدة، أقلّ غنائيةً وأكثر واقعية.

على أنّ اختيار الانتقال من أمام الكاميرا إلى ورائها، وترْك بصمة في الدراما الاجتماعية السورية، ليسا الأمرين الوحيدَين اللذين ميّزا تجربة علي. إذ لا بدّ من إضافة عنصر آخر، هو أخْذُه فنّ الدراما التاريخية على محمل الجدّ، لأوّل مرّة ربّما منذ بدأ الكتّاب والمخرجون التلفزيونيون السوريون بالتطرّق لأسماء ومراحل تاريخية. مع “الزير سالم” (2000)، واستناداً إلى نصّ محكَم لممدوح عدوان، استطاع حاتم علي تقديم مقاربة جديدة للتاريخ، لا تستهين بتفاصيله وشخوصه، بل إنها لا تستهين، قبل كلّ شيء، بتمثُّلاتنا وتمثيلنا لهذا التاريخ. 

بعد أعمالٍ تاريخية تدعو للسُخرية، مثل “الموت القادم إلى الشرق” لنجدت أنزور، بتنا أمام مُخرجٍ متطلّب، لا يتكاسل في إخراج ممثّليه وتقنيّيه من عوالم المحاكاة إلى فضاءات تُتيح لهم التمكُّن أكثر من الأدوار الملعوبة، مع تركيز ــ جديدٍ حينها ــ على سلامة اللغة العربية، بما فيه من احترامٍ للبُعد التاريخي و”الواقعي”، بمعنى ما، للنصّ.

هذا التجديد في مقاربة الأعمال التاريخية، لن يكفّ حاتم علي عن إعادة إنتاجه، وتطويره والإضافة إليه طيلة مسيرته. هكذا، سيُرينا، لأوّل مرّة، كيف يمكن تناول التاريخ القريب بجدّيّة أيضاً، كما فعل في “التغريبة الفلسطينية” (2004) وفي “الملك فاروق” (2007)؛ كما سيُرينا، مع ثلاثيّته الشهيرة حول الأندلس، ذلك العصر العربي وأسئلته وصراعاته وبعض وجوهه، كما لم نرَها من قبلُ إلّا في الكُتُب.

في أحد المعاني، يُمكن التأريخ للدراما السورية ــ باعتبارها شكلاً من أشكال التعبير الثقافي ــ برفقة حاتم علي وانطلاقاً من تجربته. ففي هذه التجربة العديد من اللحظات المفصليّة ليس فقط بالنسبة إلى مسار المخرج، بل إلى هذه الدراما السورية بشكل عام، التي لم يكفّ، حتى رحيله المفاجئ، عن فتح طُرُق وأساليب عمل جديدة فيها، تاركاً وراءه العديد من أحجار الأساس التي تحمل اسمه.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة