الرئيسية / عالمية/

مسرحية انتخابات الرئاسة: انتهاكات بالجملة وترهيب السوريين للمشاركة

1231256967 - مسرحية انتخابات الرئاسة: انتهاكات بالجملة وترهيب السوريين للمشاركة

بالرغم من المشهد الخادع الذي حاول النظام السوري تصديره للعالم بالتزامن مع انتخاباته الرئاسية، التي أجراها أمس الأربعاء، كانت الحقيقة مختلفة تماماً عما تم ترويجه، فمقابل بضعة الآلاف الذين أظهرهم بمراكز الاقتراع أمام كاميرات إعلامه، اختار ملايين السوريين الاعتراض على تلك الانتخابات إما عبر الاحتجاج أو بصمت. 
وكان ملاحظاً تراجع الحركة في المدن الخاضعة لسيطرة النظام بدءا من دمشق، فقد كانت الشوارع التي طالما غصت بالسيارات والمارة شبه خالية. حتى الأسواق بدت فارغة رغم الترهيب الأمني الذي مارسته أجهزة النظام فهناك من أغلق باب محله، في وقت كان التعبير أكثر وضوحاً في العديد من مناطق درعا وإدلب وريف حلب الشمالي، الخارجة عن سيطرة النظام.
وأقفلت صناديق انتخاب “رئاسة الجهورية” منتصف الليل بعد يوم جهد به النظام أن يظهر للعالم أنه يجري انتخابات ديمقراطية أمام عدسات الإعلام الرسمية والوسائل الداعمة له، إلا أن المشهد كان هزليا مبتذلا على الأرض، يعبر عن غطرسة النظام وانتهاكه ليس للأعراف والقوانين الدولية الخاصة بالانتخابات ونزاهتها فقط، بل حتى للقوانين التي وضعها هو ولم يلتزم بها.
وقد سيطر رئيس النظام بشار الأسد على مشهد الانتخابات في مناطق سطوته، حيث انتشرت صوره بكثافة على جدران مؤسسات الدولة والساحات العامة، في انتهاك صارخ لقانون الانتخابات السوري بمادته 53 التي تنص على أنه “يمنع بأي شكل من الأشكال تسخير أو استخدام الوظيفة العامة أو المال العام في الحملة الانتخابية للمرشح..”. وراح المسؤولون في تلك المؤسسات يبايعون الأسد لفترة رئاسية جديدة، وخاصة أن الغالبية الساحقة منهم يتم تعينهم من قبل حزب “البعث العربي الاشتراكي”، الذي يتخذ منه النظام السوري رداء سياسيا للتمسك بالسلطة، استنادا إلى موافقات أمنية يكون معيارها الرئيسي مدى الولاء للنظام ورئيسه.
ولجأت الأجهزة الأمنية وحزب “البعث” لجميع أدوات الترهيب لإجبار كل من تصله سطوتهم لإجباره على التوجه إلى مكاتب الانتخابات، وتم دفع الموظفين والطلاب للتجمهر في أماكن محددة ليأتي الإعلام وينقل مشهد الحشود، التي كان غالبية المشاركين بها همهم الرئيسي أن ينتهي المشهد ويعودوا إلى منازلهم باكرا، فالعمل توقف في جميع مناطق النظام باسم الانتخابات أو ما يطلق عليه “العرس الوطني”.
ولم يختلف المشهد كثيراً داخل المراكز الانتخابية بعدما غابت عنها أي شفافية، وهيمن عليها الحضور الطاغي لبشار الأسد عبر الكم الهائل من صوره وعبارات التأييد. وغدت صور الأسد ووالده حافظ، الرئيس السابق للنظام، علامة مميزة لألبسة من يقفون على أبواب تلك المراكز من شرطة وأمن، رغم أنه من المفترض أن يكون واجبهم ضمان سير العملية الانتخابية ضمن القانون.
وفي الداخل، تكرر المشهد نفسه بغرف صناديق الانتخاب، إذ كان يجلس خلف الطاولات أعضاء اللجان الانتخابية، المكونين من أعضاء حزب “البعث”، وكذلك اللجنة القضائية المكلفة بالإشراف على الانتخابات، علماً أن من سيفرز الأصوات ومن سيعلن النتيجة وحتى من ينقل الصناديق جميعهم منتمون إلى الحزب ذاته، وتتم تزكيتهم من الأجهزة الأمنية.

وحتى المرشحان الاثنان اللذان سمح النظام بمشاركتهما في مسرحية الانتخابات إلى جانب الأسد، عبد الله سلوم عبد الله ومحمود مرعي، أحدهما معروف بعلاقته الوطيدة بالأمن الوطني، والآخر من حزب ضمن ما يسمى “الجبهة الوطنية التقدمية” التي يترأسها “البعث”، ويدين بالولاء لرئيسه. وغابت أطراف رئيسية أخرى عن العملية الانتخابية مثل منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة.
الفوضى سمة عامة
وكانت الفوضى السمة العامة في غالبية مراكز الانتخابات، بعدما تم رصد إحدى اللجان الانتخابية، عبر فيديو تم تناقله عبر مواقع وسائل التواصل الاجتماعي، تأخذ هوية أحد المصوتين ويقوم رئيس المركز علنا بانتخاب الأسد ووضع ورقة الانتخابات في الصندوق، ويرمي له بطاقته الشخصية، في انتهاك علني للقانون وأبسط حقوق المواطنين.
وبعيدا عن كاميرات إعلام النظام في صباح يوم الانتخابات كانت الغرفة السرية لاختيار المرشح ليست أكثر من جزء من ديكور الغرفة عديمة الفائدة، فكثير من المناطق الخوف والترهيب الذي يفرضه المركز الانتخابي يجعل المواطن ينتخب الأسد أمام الجميع، لكيلا يتهم أنه انتخب شخصاً آخر، وبالتالي يصبح مصنفاً لدى الأمن أنه معارض أو حاقد وحتى إرهابي وخائن، في وقت يشعر أنه وحيد ولا أحد يحميه.
كما انتشر تسجيل صوتي على مواقع التواصل الاجتماعي منسوب لرئيس بلدية الرستن بريف حمص، حسان الطيباني، يطالب معتمدي الخبز بالحضور إلى صالة نقابة المعلمين برفقة 15 شخصاً ما بين الساعة الواحدة والثانية ظهرا، بهدف المشاركة في الانتخابات مهدداً بأن من يتخلف سيتم حرمانه من اعتماد الخبز الذي يشكل لهم مصدر دخلهم الرئيسي.
من جانب آخر، رصد “العربي الجديد” في دمشق العديد من مشاهد ترهيب السوريين لدفعهم إلى المشاركة في الانتخابات، حيث تم توزيع مجموعات من الأمن والشبيحة على العديد من أفران الخبز ومواقف الحافلات، قامت بتوجيه السوريين للذهاب إلى مراكز الانتخاب قبل قضاء أغراضهم.

كما تم وضع صناديق انتخابات في المشافي والمستوصفات لإجبار المرضى والمراجعين والكادر الطبي على الانتخاب، كذلك كان الحال في جميع مؤسسات النظام والجامعات والمدن الجامعية، التي تم احتجاز الطلاب بداخلها، وإجراء تفقد أسمائهم، بحسب عدد من الطلاب الذين تواصلوا مع “العربي الجديد”، طالبين عدم الكشف عن أسمائهم.
وأكد هؤلاء أنه تم تهديدهم بأنه إن لم يشاركوا في الانتخابات سيتم حرمانهم من التقدم إلى الامتحان وقد صل الأمر إلى إنهاء تخصيصهم بالسكن الجامعي إضافة إلى ترهيب أمني إن كان بالاعتقال والتحقيق معهم ومع عائلاتهم.
ويظهر الرفض الشعبي للانتخابات، سواء من خلال الصمت أو التعبير الواضح، أن المجتمع السوري وبالرغم من فقدانه الأمل بالتغيير والخذلان الكبير الذي أصيب به من المجتمع الدولي، مازال يتمسك بأبسط حقوقه في التعبير عن رفضه لهذه المسرحية الجديدة التي تنضاف لسجل نظام الأسد.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة