الرئيسية / عالمية/

الحياة بالألوان: العين بعد 700 مليون عام

1 15 5 - الحياة بالألوان: العين بعد 700 مليون عام

تقتصر رؤية الإنسان للألوان على مدى محدود من طيف الأشعة الكهرومغناطيسية، يسمى بالـ “ضوء المرئي”. السير ديفيد أتينبره في سلسلته الجديدة على نتفليكس، يذكرنا أن هذه التسمية صحيحة بالنسبة إلى عين الإنسان فقط، أمّا لدى كائنات أخرى في الطبيعة، فإن “الضوء المرئي” يقع في مدى مختلف. بوجود التنوع الهائل في الطبيعة، سنجد أعينًا بأشكال وقدرات متفاوتة على رؤية الألوان. هناك الكثير من الكائنات التي تتمتع برؤية محدودة ضمن مدى أضيق من مدى “الضوء المرئي”، وكائنات أخرى تتفوق أعينها على أعين الإنسان في تمييز الضوء، مثل قريدس السرعوف الطاووسي، الذي يوجد في عينيه 12 نوعًا من المستقبلات التي تميز الضوء، مقابل ثلاثة أنواع فقط في العين البشرية، وهي مستقبلات تُميز الأزرق والأخضر والأصفر. تُرى الألوان بتمييز الأطوال الموجية المختلفة للضوء؛ اللون الأزرق يُحفز مستقبلا في العين على أطوال موجية قصيرة، في حين يحفز الأحمر مستقبلا على أطوال موجية طويلة.

في البدايات، أو قبل 700 مليون عام كما يقول أتينبره، كانت أعين الحيوانات الأولى عاجزة عن رؤية الألوان، وتطورت مستقبلات الضوء في عيون بعض الأنواع، لتؤدي دورها في الصراع من أجل البقاء. وجود الكثير من أشكال العيون في الطبيعة، ساعد العلماء على دراسة نظريات تطور العين والمستقبلات المسؤولة عن تمييز الألوان. ومن الخيارات الكثيرة الموجودة في الطبيعة، تختار سلسلة أتينبره التركيز على الطيور في شرح جانب من هذا التطور، لكن من دون تقديم الكثير من المعلومات الجافة. يقول: “الطيور، هي من أقرب أقرباء الديناصورات، ظهرت قبل الثدييات. الثدييات الأولى، على حد علمنا، كانت معظمها كائنات ليلية. والألوان يصعب تمييزها في الليل”.

 التركيز على الطيور لشرح تطور رؤية الألوان، يغني السلسلة بلقطات مليئة بمختلف ألوان الريش الزاهية التي تجذب المشاهد. ألوان الذكور في عالم الحيوان أكثر تنوعًا وتعقيدًا من الإناث، فكيف تطورت ذكور الطيور بهذه الأشكال والألوان الفاتنة؟ يُجيب أتينبره باختصار: “هذا يعود، على ما يبدو، إلى قرار الإناث”. ريش الطاووس المتلألئ الذي نراه اليوم، هو نتيجة لانتقاء إناث الطاووس لأفضل وأبهى ذكر مرّ عليها.

تعقيدات عملية الانتقاء والإقناع هذه، تتضح أكثر في وثائقي آخر على نتفليكس، يحمل عنوان “الرقص مع الطيور”، إذ يبين صعوبة المنافسة، بين ذكور أنواع مختلفة من الطيور، على تمرير جيناتها إلى الأجيال التالية. بالنسبة إلى العديد من الكائنات الحية، التزاوج وبقاء جيناتها في الأجيال التالية، يُعتبر أهم من بقائها هي على قيد الحياة. في أستراليا، تلمع أجنحة ذكر فراش القمر الأزرق، عاكسة الأشعة فوق البنفسجية، لغرض جذب الإناث. لكنه، بهذه العملية، يجذب أيضًا الطيور التي تتغذى عليه. يقول أتينبره: “بالنسبة للذكر، هذه الحياة المحفوفة بالمخاطرة تستحق العناء”؛ لأنه لو تزاوج مع أنثى أو اثنتين، فإن ألوانه ستستمر في البقاء. الألوان بالنسبة للإنسان الحديث المنقطع عن الطبيعة هي أداة “فنية” تثير إعجابه، وتؤثر في مزاجه، أو قد تبعث فيه الدهشة والسعادة. لكن ألوان الطبيعة في الربيع لا تكترث لإعجاب الإنسان، أو لفت انتباهه، بل هي أداة تستخدمها الطبيعة من أجل بقائها واستمرارها. يقول أتينبره إن الأزهار لا تهدف إلى نيل إعجاب الإنسان، بل هي من أجل الفراشات والنحلات، التي تتغذى على رحيق الزهرة وتساعدها في المقابل على التكاثر من خلال نقل لقاحها.

تتميز سلسلة “الحياة بالألوان”، بطبيعة الحال، بتعليق أتينبره الذي لا يقول أكثر مما يلزم. تستفيد السلسلة من التنوع الهائل الموجود في الطبيعة، فنرى الألوان تلعب أدورًا مختلفة ومتنوعة في مساعدة الحيوانات على النجاة من الموت جوعًا، أو الاختباء من مصادر الخطر، أو جذب زوج من أجل التكاثر، وتعرض إشارات مختلفة تتراسل فيها الطبيعة في ما بينها باستعمال الألوان.

في الحلقة الثالثة والأخيرة من السلسلة، بعنوان “مطاردة الألوان”، يكشف فريق العمل التقنيات المستخدمة في تصوير الطبيعة بالأشعة فوق البنفسجية التي لا يراها الإنسان، وتراها بعض الكائنات الأخرى. تعتمد التقنية على فلتر واحد وكاميرتين، يتم ترتيب وضعيتهما في زاويا محددة. الفلتر يعكس أشعة “الضوء المرئي”، ويسمح بمرور الأشعة فوق البنفسجية. رتب فريق التصوير الكاميرتين بزوايا محددة تسمح لإحدى الكاميرات باستقبال الأشعة المارة من خلال الفلتر، في حين تستقبل الأخرى الأشعة التي يعكسها عند زاوية محددة، تسمح بالتقاط نفس الكادر الذي تلتقطه الكاميرا الأولى. بذلك، يمكن الانتقال بين رؤية الكاميرتين بسهولة. واحدة ستبين رؤية الإنسان للطبيعة، والأخرى تبين الرؤية بالأشعة فوق البنفسجية.

نوع آخر من الضوء لا تراه عين الإنسان بشكل طبيعي، وهو الضوء المستقطب: ضوء يتردد في مستوى واحد فقط. لتصوير الرؤية بالضوء المستقطب، احتاج الفريق إلى الاستعانة بتقنية أكثر تعقيدًا، ترتبط فيها الكاميرا بحاسوب. ولأن شرح هذه التقنية معقد وجاف، ركز الإخراج على ما يقاسيه الفريق في استخدام هذه التقنية، لتصوير السرطانات البحرية فوق اليابسة. وداخل المحيط، نتتبع فريق الغوص، ونسمع تعبيرهم عن الحماسة والدهشة عبر أجهزة اتصال تحت الماء، ما يعزز من شعور المشاهد بغرابة المكان.

يستعمل فريق العمل العلم في هذه الحلقة بطريقة مشوقة وتفاعلية. فمثلا، لتبيان الدور الذي يلعبه اللون البرتقالي للنمر في صيد فريسته المفضلة، أي الغزال؛ يصمم عالمان لعبة بصرية لأحد المصورين في طاقم العمل، يعرضان عليه صورًا لنمور برتقالية مختبئة في طبيعة خضراء، ويطلبان منه العثور على النمور في الصورة بأكبر سرعة ممكنة. يطلب العالمان من المصور تكرار التجربة باستعمال نفس الصور مرة أخرى، لكن باستخدام عدسات خاصة تجعله يرى الألوان كما تراها أعين الغزلان. في هذه الفقرة من الحلقة، يمكن للمشاهد أيضًا أن يختبر سرعته في العثور على النمر مرة بعيني إنسان، وأخرى بعيني غزال.

نمر سريعاً، في الحلقة الثالثة من السلسلة، على أثر التغير المناخي في زيادة المخاطر التي تواجهها الحيوانات في شمال الكرة الأرضية، بسبب سرعة ذوبان الثلج، وسرعة تغيُّر لون البيئة التي تعيش فيها الحيوانات. يختار حيوان القواع ثلجي النعال (من الأرانب البرية)، الذي يغير لون فرائه من الأبيض في الشتاء إلى البني في الصيف حتى يختبئ من مفترسيه، لكنه يحتاج إلى الوقت من أجل تبديل “ردائه الشتوي”. خلال هذا الوقت، يكون أكثر عرضة إلى الخطر، إذ تسهل رؤية فروه الأبيض فوق التراب الداكن. وبسبب التغير المناخي، يتوقع أن “يؤدي تناقص الغطاء الثلجي إلى بقاء القواع مكشوفًا” لفترات أطول، ما يزيد معدلات افتراسها سنويًا، إلا إذا نجحت في التأقلم السريع مع هذه التغيرات السريعة. من هنا، ينتقل إلى الحديث عن واحدة من أكبر المخاطر البيئية الناتجة عن الاحتباس الحراري، وهي فقدان الشعب المرجانية لألوانها، وموتها.

لكن أتينبره يخبرنا أن المرجان يستخدم اللون ليقاوم المخاطر الناتجة عن ارتفاع درجة حرارة المحيطات. لنتعرف بذلك إلى دور جديد يلعبه اللون من أجل البقاء، والتغلب على ما يهدد حياة المرجان من تغييرات مناخية. صحيفة “ذا تلغراف” البريطانية، كانت قد اقتبست عن أتينبره قوله بأن سلسلة “الحياة بالألوان” ليست مخصصة للحديث عن تغير المناخ، بل هي احتفاء بالطبيعة وألوانها. بالفعل، لا تروج السلسلة لمكافحة التغير المناخي، إلا في تعليقات سريعة، لا بد منها، في نهاية حلقتها الأخيرة.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة