Business is booming.

العصيان طريق للتخلص من استبداد الطغيان

في مقالي السابق في “العربي الجديد” (26/3/2021)، عن رؤية المستشار طارق البشري، رحمه الله، للظاهرة الاستبدادية، استدرك علي الزميل معن البياري أنني قد عرضت هذه الرؤية من نُقول للراحل من دون إشارة إلى الكتب التي رجع إليها المقال في كتابة تلك الأفكار، وهو محق في ذلك. وهذه فرصة سانحة هنا للإشارة إلى كتابين مهمين للمستشار البشري، لم يتوقف عندهما كثيرون، على أهميتهما الكبيرة، وعلى ما تضمناه من أفكار تشكل رؤيةً رصينةً له، تتعانق فيها رؤية رجل الدولة والفقيه والمفكّر والمؤرّخ والقاضي. وقد شكّل هذا التنوع في المشارب والأدوار تميزا في تلك الكتابات التي اضطلع بها، والظواهر التي عالجها. الكتابان “مصر بين التفكك والعصيان” و”جهاز الدولة وإدارة الحكم في مصر المعاصرة”. وقد بدا له أنه يكتب هذه الرؤية المعمقة عن الظاهرة الاستبدادية، مصححا مفهوم الدولة وأدوارها ووظائفها الجوهرية، وكان هذا من أهم الثمار التي يمكن التوقف عندها من خلال تلك الكتابات، وعلى الأخص في هذين الكتابين، حيث رصد خلالهما ظاهرة الاستبداد، والدولة المشخصنة، والدعوة إلى العصيان، والنشأة الحديثة لأجهزة الحكم قبل 1952، وجهاز الدولة في الحقبة الناصرية، وأسلوب الانفراد بالسلطة في عهدي أنور السادات وحسني مبارك، وحصاد الاستبداد الديمقراطي لنظام 1971.

تتعلق هذه القضايا في جوهرها بضرورات الدولة في مجتمعنا المعاصر، من دون أن يعني ذلك أن يتحوّل الأمر إلى الحفاظ على الدولة، من دون تأدية جوهر وظائفها وإنجاز أدوارها، ذلك أن مغزى الدولة، على غير ما يرى هؤلاء الذين ينتمون إلى “الدولتية”، أن للدولة أدوارا وجب عليها القيام بها، ووظائف حق عليها أن تلتزم بها، وأن “الدولة المشخصنة” أو “الدولة القابضة” هما نموذجان مشوهان للدولة التي لا تقوم بكل ما يُتطلب منها وما يراد لها أن تقوم به، فالدولة ليست مجالا للتقديس، ولكنها بحق أداة تفعيل للقيام بأدوارها وخدمة الشعوب ومواطنيها، ضمن قواعد كلية، تؤدي إلى فاعلية الدولة في أدائها، وكذا فاعلية أداء أجهزتها. ومن هنا كانت مهمة الكتابين، حينما تطرقا إلى أفكار أساسية؛ أهمها ما ذكره المقال السابق من متون على هوامش الاستبداد، وما أكد عليه.

تنبأ طارق البشري، بحكمته، عملا احتجاجيا قد يتطوّر إلى حالة ثورية، وقد حدث ما توقعه في ثورة يناير

من المهم كذلك أن يُشار إلى أن المستشار البشري، كما اهتم بمفهومي الجماعة الوطنية والمواطنة وكذا بالقاعدة التي تؤكد على التمكين لتيار أساسي في الأمة يشكّل النواة الحافظة لتوازن العلاقة بين الدولة والمجتمع ضمن تشكيلها في أطر سوية وأجهزة حقيقية ووظائف مرعية، فإنه في هذا السياق أراد أن يوطّن أفكارا مهمة؛ فنادى دوما بضرورة تأسيس علم للاستبداد، يقوم على تشريح ظواهره، والوقوف على أجهزته وأدواته، وكذا القدرة على مواجهته والتخلّص منه، وكأنه بعد أن تحدّث عن الدولة المشخصنة كان عليه أن يقدّم رؤية فاعلة لمواجهة هذا النموذج الذي يشكل، في حقيقته، مدخلا لتمكين الاستبداد، والتأكيد على مسالك الاستعباد. ومن هنا، من الأهمية الإشارة إلى ذلك الوصل بين رؤية البشري في هذا المقام والفصل الأخير الذي عقده عبد الرحمن الكواكبي في كتابه “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، عن التخلص من الظاهرة الاستبدادية، والتي أكد فيها على ضرورة وجود البديل، وكذا على التدريج في مواجهة الاستبداد، وأخيرا اعتماد النهج السلمي في مقاومة الظاهرة الاستبدادية وكل تشكيلاتها. في هذا المقام، تطرق البشري إلى مقولة جامعة، تؤكد على هذا المثلث الجامع، للوقوف في مواجهة الاستبداد ضمن مقولة له اتخذها عنوانا لكتابه “التفكّك أو العصيان”، مشيرا إلى فهم دقيق وعميق لفكرة العصيان السلمي وأدوارها في مواجهة كل التجليات للظواهر الاستبدادية وأجهزتها المختلفة.

الدولة ليست مجالا للتقديس، ولكنها بحق أداة تفعيل للقيام بأدوارها وخدمة الشعوب ومواطنيها

ويؤكد البشري، ضمن فحصه عالم المفاهيم، على أهمية العصيان، مطالبا بضرورة “فهم الأمور على وجهها الصحيح؛ ليكون للكلمات دلالاتها الصحيحة. ويتعين أن نعرف من هو في الحقيقة من يقف في مجال العصيان: هل هم من تحوّلت الدولة على أيديهم إلى أن تكون شأنا خاصا لهم ولذويهم؟ أم من يريدون ويسعون إلى أن يردّوا الدولة إلى صائب معناها، وإلى وظائفها الحقيقية بأن تعود الدولة ممثلة للجماعة الوطنية، ترعى الشأن العام للمواطن والشعب؟ وتحرير مفهوم العصيان وتدقيقه، بالقياس إلى مفهوم الشرعية، يعني أن لفظ العصيان يدل على أنه لم تعد ثمّة شرعية واحدة تجمع بين الوجود الأهلي، بتكويناته وبإرادته الذاتية وبفاعليته الحركية، والإطار الذي توجد فيه وتعمل الدولة المتشخصنة في أفراد جد معدودين، يقفون على قمة الدولة. وعما قليل، إن شاء الله، سيظهر أنه لم يعد ثمّة نطاق شرعي واحد يجمع بين تلك القمة العليا الممسكة بزمام الدولة والدولة ذاتها بهيئاتها وتشكيلاتها وعمالها واسعي الانتشار في أجهزتها العسكرية والمدنية والمتنوعة. ومن يتابع تحولات الشخصنة وتداعياتها يدرك أن ثمّة انفصاما يتم بين قمم بالدولة وحجمها الكلي، ويؤكد على أن المواطن إذا ما أزاح التقبل والانصياع، أو خفضهما إلى ما دون الحد الأدنى، فلا يبقى حاكم على كرسيه. والمسألة هنا ليست مسألة إزاحة مادية، إنما هي إزاحة للتقبل، وهي ليست إطاحة مادية، ولكنها إطاحة للانصياع وللخضوع”.

بيت الاستبداد وشبكته أوهن من بيت العنكبوت، والعصيان والاحتجاجات السلمية في مواجهة عنف الدولة يشكلان مأزقاً لها

ويستدعي البشري تعبيرا لغاندي، يقول فيه: الحاكم عندما يواجه الحركة الشعبية السلمية بالعنف يكون كمن يضرب الماء بسيفه ليقطعه، فالعنف لا يهزم الحركة السلمية مهما آذى رجالها”، ليبلور دعوته بشكل أكثر وضوحا، وذلك بقوله “هل لنا نحن الأهالي أن نتداعى ونتواصى ونتنادى بأن نحدد يوما نسميه “يوم القلق” أو “يوم الحذر” أو “يوم اليقظة”، عسى أن يكون في يقظتنا الجماعية ما يوقظ النيام فينا، ولا يعتبر أي من ذلك تجمهرا يعاقب عليه القانون أو يستدعي ترخيصا من أحد، أو يمكن أن يُقال إن من شأنه تهديد الأمن والسكينة أو تعريض الممتلكات للخطر”. هكذا كانت دعوته التي تحققت بعد أقل من سنوات خمس، حيث تداعت الجماهير المصرية، وعبرت، باحتجاجاتها المتراكمة، في كل ربوع مصر، داعية إلى السلمية بكل صورها.

بيت الاستبداد وشبكته أوهن من بيت العنكبوت، والعصيان والاحتجاجات السلمية في مواجهة عنف الدولة إنما يشكلان مأزقا لها، كما يشكّل كشفا لحقيقة أنها لم تعد تعبّر عن أدوارها الحقيقية من جانب، وعن شعبها ومطالبه وضروراته من جانب آخر. وهنا نثمّن رؤية طارق البشري للعصيان، والمقاومة السلمية، خصوصا أن الفعل السلمي المنتج يستوجب حركة جامعة وشاملة أوسع ما تكون. أو بعبارة أدق، فإنه بقدر سعتها وشمولها بقدر ما تكون منتجة، وبقدر ما تكون أسرع في الإنتاج بقدر ما تكون أعمق في أثرها الطيب المرجو. كما أن هذا الفعل المنتج يستوجب صبرا على الشدائد التي سيواجه بها حتما؛ لأن “الحكم المشخصن لا بد أن يستخدم العنف في البداية، وهو لا يواجه أزماته إلا بمزيد من التسلط وقلة الحيلة والقمع. كما أن هذا الفعل المنتج يقتضي طول النفس، وأن الصبر وطول النفس واستبقاء السلمية في التعبير رغم تحمل الصعاب كل ذلك يزيد من فاعلية ومن اتساع جامعيته ونمو شموله.” هكذا تنبأ البشري، بحكمته، عملا احتجاجيا قد يتطوّر إلى حالة ثورية، وقد حدث ما توقعه في ثورة يناير.