Business is booming.

أزمة شرق أوكرانيا: هل على الغرب اتباع قواعد الحرب الباردة مع بوتين؟

أثارت تحركات القوات العسكرية الروسية، أخيراً، تجاه شرق أوكرانيا، تحت مسمى “مناورات”، وفق الكرملين، قلق الغرب، الأمر الذي دفع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلى إطلاق تحذيرات من الإجراءات “المزعزعة للاستقرار”. بينما دخلت ألمانيا على خط الأزمة، داعية الأطراف المتصارعة إلى ممارسة ضبط النفس، وتنفيذ خطة السلام المتفق عليها عام 2015. 
ومع تأزم الوضع في شرق أوكرانيا، برزت تساؤلات في الصحافة الألمانية، عن الأسباب التي دفعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى هذه التحركات، وعمّا إذا كان رئيس الكرملين يريد الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي باستعراض القوة من أجل إطاعته؟
وفي هذا الصدد، أشارت صحيفة “شبيغل أون لاين”، أخيراً، إلى أنه تثار تكهنات عمّا إذا كان الكرملين يستعد لمرحلة جديدة في الحرب ضد أوكرانيا، واحتلال المزيد من الأراضي الأوكرانية في الجنوب الشرقي.

واستند إلى “رأي مراقبي منظمة الأمن والتعاون في أوروبا عن تصاعد التوتر وفشل وقف إطلاق النار، والذي تم تجديده في يوليو/تموز 2020، مرة أخرى”.
وكان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قد قال، في وقت سابق، إن روسيا ستعدل إجراءاتها في حال فشلت ألمانيا وفرنسا في جعل “رعاياتهما” في كييف منطقية.
 ويتعزز الانطباع في موسكو بأن سياسة أوكرانيا يتم ترتيبها في واشنطن، وأن لدى كييف ثقة مفرطة مستوحاة من إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن الجديدة.
وفي السياق نفسه، أشارت صحيفة “دي فيلت”، اليوم الخميس، إلى أنه وفي حال حصل الغزو، فإن مثل هذه الحرب ستزيد من عزلة روسيا دولياً، رغم أنه سيكون من السهل على موسكو نشر جنود في المنطقة وتعزيز وجودها.
ونقلت الصحيفة عن خبراء عسكريين غربيين، أن موسكو تتكل على آلاف المرتزقة الموالين لها ويقاتلون بقيادة مستشارين عسكريين روس. 
واستدركت أنه “نظرياً، لا يزال وقف إطلاق النار الموقّع في فبراير/شباط 2015 بموجب اتفاقية مينسك سارياً، لكنه في الواقع لم يكن قادراً على وقف القتال تماماً في شرق أوكرانيا، حتى بعد توقيع “مينسك 2″ أو ما يسمى بمجموعة الإجراءات لتنفيذ اتفاقيات مينسك”.
وأوضحت أنّ “الاتفاقية تعاملت مع روسيا، ليس كطرف في النزاع، ولكن كوسيط شبه محايد من جانب ألمانيا وفرنسا، وليس من قتل عددا أكبر من الجنود الأوكرانيين في دونباس”. 
من جهة ثانية، فإن أسباب استعراض موسكو المتجدّد، وفق “دي فيلت”، هي استهداف الرئيس زيلينسكي قبل كل شيء، إذ أنه قد جمد، أخيراً، حسابات الصديق الشخصي لبوتين، الأوليغارشي فيكتور ميدفيدتشوك، أحد ممولي الانفصاليين، فضلاً عن سحبه تراخيص البث الخاصة بثلاث محطات تلفزيونية يسيطر عليها رجل الأعمال الروسي وتنشر الدعاية الروسية. 
وعليه، ومن المحتمل، بحسب الصحيفة، أن يكون هذا النوع من القرارات لم يعجب رئيس الكرملين.
وأضافت “كما أن روسيا تطالب الرئيس الأوكراني بتنازلات، ولا سيما بالوضع الخاص بمنطقتي دونتيسك ولوهانسك، وهذا الأمر غير مستعد الرئيس زيلينسكي لضمانه”.

ولفتت إلى أن “القيادة في كييف تواصل رفض قبول محادثات مباشرة مع القادة الانفصاليين الموالين لموسكو، لأن مثل هذه الخطوة ستكون بمثابة اعتراف بها. كما أن كييف تطالب بالانضمام إلى حلف الناتو، الخطوة غير المقبولة من موسكو وتعتبرها بمثابة خط أحمر”.
ومن المعلوم أنه، وفي السنوات الأخيرة، أقدمت موسكو على تجنيس أكثر من 400 ألف من سكان المناطق الانفصالية. 
من جهة ثانية، تطرح الصحيفة فرضية أن يكون بوتين قد عمد إلى اختبار الرئيس بايدن، وإلى أي نقطة يمكن لروسيا أن تجنح بتحركاتها، فضلاً عن مدى استعداد الرئيس الأميركي للمشاركة في مباحثات مع موسكو بشأن الصراع في أوكرانيا.
وفي هذا الإطار، اعتبر الباحث السياسي في معهد السياسة الخارجية الاستوني جيمس شير، أن باستطاعة روسيا خرق الوضع الراهن لاتفاقيات مينسك، لأنه أصبح محبطاً بشكل تدريجي لموسكو، ذلك لأن كييف وشركاءها الغربيين لا يرغبون في قبول موقف موسكو المتمثل في التأثير على السياسة الأوكرانية من خلال الحكومات في دونباس.
 ورأى الباحث السياسي أن “بهذه السياسة المحلية غذت أوكرانيا إحباط موسكو، على وجه الخصوص”.
واستطرد قائلاً “وبعدما لم يثبت الرئيس سيلينسكي، أنه رئيس دولة ضعيف، على عكس توقعات روسيا، إذ عمد، أخيراً، إلى اتخاذ إجراءات صريحة بشكل مفاجئ ضد وسطاء بوتين وجماعات الضغط في البلاد. وهو الذي نصب نفسه عند تولي السلطة مصلحاً وأراد الجمع بين شرق أوكرانيا المتأثرة بالروسية والغرب الناطق بالأوكرانية”.

وخلص شير إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو التصعيد المحدود بهدف نشر قوات حفظ سلام روسية في دونباس، ما يمكّن موسكو من أن تعطي الصراع شكلاً جديداً، وكما كان من قبل، تظل عاملاً معطلاً للسياسة الأوكرانية.
وإزاء ذلك أيضًا، أبرزت “دي فيلت” أنه على الغرب، خاصة أوروبا، الإدراك بأن روسيا ستستمر في محاولة إثارة الاضطرابات في أوكرانيا ودول الناتو الشرقية ودول البلطيق، وربما في بولندا أيضاً.
واقترحت أن “يكون الرد على ذلك، كما حصل في الحرب الباردة، باعتماد سياسة الردع، والانتظار في الوقت نفسه إشارات الانفراج وخفض مستوى التصعيد والاستفزاز واستعداد الأطراف لتقديم التنازلات، أي يجب أن تتبع لعبة العضلات في محاولة لإحياء “نموذج نورماندي” القديم”.
وحذرت من أن في حال لم يوضح الغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص للروس، أنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام أي تقدم آخر، فإن السادة في الكرملين سيفهمون أن الجهد والتكاليف لا تتناسب تماماً مع الاستيلاء على أوكرانيا مرة أخرى. 
وذكرت أنه “صحيح ما قاله رئيس وزراء بريطانيا الأسبق نستون تشرشل إن روسيا لغز يكتنفه السر وسط الغموض”.
ومع علامات الاستفهام هذه، فإن الحرب ليست في مصلحة موسكو، على الأقل في الوقت الراهن.