Business is booming.

اتصالات غربية جديدة بمصر بشأن "التمويل الأجنبي"

قالت مصادر دبلوماسية مصرية وأوروبية إن اتصالات جديدة جرت بين سفارات غربية بالقاهرة ووزارة الخارجية، خلال اليومين الماضيين، لحث السلطات المصرية على اتخاذ خطوات أكبر وأكثر فاعلية على صعيد تحسين أوضاع حقوق الإنسان، وإلغاء قرارات المنع من السفر، والتحفظ على الأموال، الصادر ضد عدد من النشطاء الحقوقيين منذ ما يقرب من خمس سنوات، على خلفية التحقيقات في القضية المعروفة إعلامياً بـ”التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني”. 
وأضافت المصادر أن السفارات التي باشرت تلك الاتصالات، ومن بينها الألمانية والفرنسية، أكدت للسلطات المصرية أن “الفترة الماضية تكفي لانتهاج طرق جديدة للتعامل مع هذا الملف تحديداً”. وأشارت إلى أنها أبلغت السلطات بوضوح بأن القرارين الأخيرين الصادرين بشأن القضية، إلى جانب الطريقة التي صدرت بها اللائحة التنفيذية لقانون العمل الأهلي “تعبر عن محاولة مصرية للالتفاف على المطالبات الغربية وإسكاتها، وتصورات محلية غير صائبة، بأن مثل هذه القرارات ستكون كافية لإعادة ضخ المساعدات الأوروبية إلى مجالات العمل الأهلي، كما كان الوضع قبل عام 2011، عندما فُتحت هذه القضية من المخابرات العامة بمساعدة الأمن الوطني بهدف السيطرة على المنظمات الحقوقية في الفترة التالية لأحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير/ كانون الثاني”.

بعض المنظمات، التي ثبتت براءتها، أنهت نشاطها في مصر خلال السنوات العشر الماضية

والقراران الأخيران المقصودان هما الصادران عن قاضي التحقيق في القضية في مارس/ آذار وديسمبر/ كانون الأول الماضيين، ببراءة 40 منظمة من تهمة تلقي التمويلات الأجنبية غير المشروعة، على دفعتين، خلتا تقريباً من المنظمات الحقوقية المهمة، كمركز القاهرة لحقوق الإنسان والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ومركز نظرة لدراسات المرأة ومركز المساعدة القانونية للمرأة المصرية والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية ومركز هشام مبارك. كما لم يتم رفع حظر السفر والتحفظ المفروض على أموال عدد من الحقوقيين منذ عام 2016، ومنهم ناصر أمين وخالد علي وحسام بهجت وجمال عيد ومالك عدلي وعزة سليمان (الحائزة منذ أيام على الجائزة الألمانية الفرنسية لحقوق الإنسان) وهدى عبد التواب ومحمد زارع ومزن حسن وغيرهم.
وربطت المصادر بين صدور القرار الثاني والهجوم الذي شنته 31 دولة على السياسات المصرية في حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الشهر الماضي، والذي ركّز بشكل تفصيلي على أوضاع المعتقلين، وتدوير المحبوسين، وتجاوز فترات الحبس الاحتياطي، والإفراط في استخدام قانون الكيانات الإرهابية للإدراج على قوائم الإرهاب، والمنع من السفر والتصرف في الأموال، والانتقادات الموجهة لقانون العمل الأهلي الجديد. وأوضحت المصادر أن من بين الملاحظات التي سجلتها السفارات على قائمة المنظمات، التي ثبتت براءتها، بحسب بيان قاضي التحقيق، أن عدداً كبيراً منها لم يعد له وجود فعلي في مصر، وأن بعضها قد أنهى نشاطه خلال السنوات العشر الماضية. كما أن بعضها لم يسبق أن مارس نشاطاً حقوقياً في مصر، إلى جانب تضمن القرارين جمعيات لها نشاط إنساني صرف، مثل هيئة الإغاثة الكاثوليكية وكاريتاس، وجمعيات أخرى مرتبطة بقوى اجتماعية وسياسية تنسق مع النظام الحالي، كأنصار السنة المحمدية وجمعيات سلفية أخرى، وجمعية تابعة لعضو مجلس الشيوخ محمد أنور السادات، المعروف بلعبه حالياً دور الوسيط بين الدولة والمعارضة الحقوقية.

وبالتالي فإن القائمة تعكس – بحسب رؤية المصادر الأوروبية – حجم التحكم الأمني في مصير باقي المنظمات الفاعلة على الأرض، وإصرار الدولة على قمعها، وهو ما لا يسمح للدول الأوروبية بالتوسع في توجيه مساعداتها في مجالات الأنشطة الإنسانية والحقوقية والتثقيفية إلى مصر، من خلال جمعيات بديلة موالية للسلطة تحاول الدولة فرضها حالياً، خاصة في ظل اللائحة التنفيذية لقانون العمل الأهلي، والمشوبة بعيوب عديدة وعقبات تعرقل تسهيل التمويل وتلغي بعض الأنشطة.
وذكرت المصادر أنه قبل صدور اللائحة كانت الجهات المانحة والسفارات تفضل ألا تخاطر بالدخول في تمويل مشاريع كبرى للحكومة أو للمجتمع المدني، قبل اختبار جدية النظام في عدم الاستخدام السلبي لعدد كبير من الألفاظ والأحكام المطاطة التي يزخر بها قانون العمل الأهلي، من خلال اللائحة التنفيذية وما سيتبعها من تصرفات، إلى جانب مطالبتها بأن تتضمن اللائحة تعريفاً وتحديداً دقيقاً لمعاني تلك الألفاظ، بما لا يفتح باباً للتأويل المقيد للنشاط. كذلك كانت الجهات المانحة والسفارات ترغب في تجربة عمل الوحدة الجديدة داخل وزارة التضامن، والتي تحمل اسم “الوحدة المركزية للجمعيات والعمل الأهلي”، التي ستخضع لإشرافها المنظمات الأجنبية، وستقوم أيضاً بنفس أدوار الإدارة المركزية للجمعيات والاتحادات التي كانت قائمة في وزارة التضامن الاجتماعي، وستختص بالإشراف والرقابة على الجمعيات والاتحادات والمؤسسات الأهلية والمنظمات الأجنبية غير الحكومية، ومتابعة إجراءات تطبيق القانون ولائحته التنفيذية، وإعداد ونشر الدراسات والمعلومات والإحصاءات الخاصة بالجمعيات والاتحادات والمؤسسات الأهلية والمنظمات الأجنبية غير الحكومية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

وتيرة التعاون بين المؤسسات الأوروبية الحكومية مع القاهرة لا تقترب من نصف ما كانت عليه قبل 2011

وتابعت المصادر أن صدور اللائحة لم ينجح في تبديد هذه المخاوف. وعلى الرغم من تعاون المؤسسات الأوروبية الحكومية مع الحكومة المصرية في بعض الملفات التنموية، ودعم إنشاء مرافق ومدارس ومستشفيات في المناطق الأكثر فقراً، إلا أن وتيرة التعاون الحالية لا تقترب من نصف ما كانت عليه قبل عام 2011، عندما كانت المنظمات الحكومية وغير الحكومية الغربية تدعم الحكومة المصرية وكذلك المجتمع المدني في العديد من المشاريع في مجالات الحوكمة السياسية والتثقيف ورفع الكفاءة. وتحاول السلطات المصرية حالياً استغلال الأكاديمية الوطنية للتدريب لتكون القناة الرسمية الحصرية لتلقي تلك المساهمات الغربية، ومنحها لفئة محدودة من الشباب والعاملين بالدولة، الموالين للنظام والمختارين بواسطة الأجهزة الاستخباراتية والأمنية.