Business is booming.

راؤول زوريتا.. نهرٌ تشيليّ من الشعر

“بلا خوفٍ أو ألم”. مع هذه الجملة التي تركها راؤول زوريتا مكتوبةً في صحراء أتاكاما عام 1993، على طول قطعة أرض مساحتها ما يقارب أربعة كيلومترات، نستطيع أن نقول إنّه، أخيراً، استطاع أن يحوّل الشّعر إلى جسد. هذه الكلمات، النّابعة من جسد عانى الألم والتعذيب خلال الديكتاتورية التشيلية، لا يمكن أن ترمز إلّا إلى شيء واحد: القسوة الشديدة لذلك الزّمن الديكتاتوري، ولهذا الزّمن الوبائي أيضاً. غير أنّ هذا الزمن شهد، رغم ذلك، حدثَ فوز الشاعر التشيلي الكبير، مطلع الخريف الماضي، بجائزة الملكة صوفيا للشعر الإيبروأميركي، بوصفه أهم شاعر حيّ في أميركا اللاتينية، وباعتبار الجائزة الأبرز من نوعها، لا سيّما في مجال شعر دول تلك القارة.

وقد جاء في بيان الإعلان عن الفائز أنّ الجائزة هي “تكريمٌ لعمله الشعري، ولكونه مثالاً شعريّاً حيّاً تغلّب على الألم بكلماتٍ ملتزمة بالحياة والحريّة والطبيعيّة”. أمّا زوريتا، فقد اعتبر، في كلمةٍ ألقاها إلى جانب زوجته، عبر يوتيوب، أن الجائزة “اعترافٌ بالثروة الهائلة للشعر في تشيلي”، معتبراً نفسه “قطرةً في نهر الشعر التشيلي الذي يتدفّق بلا توقّف”.

وُلد زوريتا في العاصمة سانتياغو (10 كانون الثاني/ يناير 1950)، ونشأ على أبيات “الكوميديا الإلهيّة” لدانتي، التي كانت جدّته تقرؤها له في لغته الأم، الإيطالية. هكذا، كان دانتي أوّل إلهام أدبيّ للشاعر، ولذلك لن نستغرب أن يكون عنوان ديوانه الشعري الأول “المَطهَر” (1979)، الذي رأى فيه النقّاد ولادة شاعر جديد شاءت له ظروف الحياة الغريبة أن يدرس الهندسة. ثم بعد ذلك كان ديوانه الثاني، “عتبة الجنّة” (1982)، وتالياً “نشيد حبّه الغامض” (1985)، ثم “الحياة الجديدة” (1994) وغيره من الأعمال التي وضعته على لائحة أفضل شعراء تشيلي الذين كتبوا الحياة شعراً، وعاشوها مقاومةً.

يعتبره النقّاد أحد أكثر الشعراء إبهاراً في الإسبانية

ضمن هذا السياق، سنجد الشاعر يدافع عن الراديكالية والوجدانية في الشعر، كعنصرين رئيسيّين للكتابة. وهذا طبيعي بالنسبة لشاعر مثل زوريتا عاش دكتاتورية تشيلية من أبشع ما تكون؛ دكتاتورية تركته في حالةٍ من المرارة العميقة، فقرّر أن تتمثّل مقاومته بكتابة أبياتٍ ثمينة قادرة على تحريك الأحجار، تماماً كتلك الموجودة في صحراء أتاكاما حيث كتب جملته الشهيرة. لقد شرع زوريتا في مشروع شعريّ وأدبيّ ممتدّ وطموح، مزج فيه بين الأدب والحياة، أي بينه وبين تشيلي، على أمل أن تتحرّك كتاباته بقوة الطبيعة نفسها. 

لذلك فإن القارئ لشعره سيلاحظ أنّ لغته تمتلك قوّة شبيهة بقِوى الطبيعة: البرودة والحرارة، الرطوبة والقسوة. وكل هذا لغرض واحد هو الحرية، التي تعني، هنا، تحرير الإنسان من القيود السياسية والإيديولوجية، عملياً وحياتياً، لا سيّما في ضوء دكتاتورية لا تعرف إلا القمع والاضطهاد. كما أن الحرية، شعرياً، تعني تحرير اللغة ومفرداتها، وجعلها أكثر خفّةً ورشاقة، أكثر دقّة ورصانة. من هنا كان وصف النقّاد له بأنه أحد أكثر الشعراء إبهاراً في اللغة الإسبانية.

سيلاحظ قارئ أعمال زوريتا الشعريّة وجودَ اهتمام كبير لدى الشاعر ببُنية كتبِه الداخلية، وكأنَّ كل كتاب شعرٍ هو الحياة نفسها؛ له تفاصيله الدّاخلية وبُنيته المستقّلة، بحيث يشكّل كل جزء منه ديواناً بحاله، أو حياةً بحالها. ولعلّ ديوانه “عتبة الجنة”، المقسّم داخلياً إلى أربعة فصول مستقلّة، نموذجٌ للتجديد الذي يتبنّاه. غير أنّ هذا التجديد لا يقتصر على الشكل فحسب، بل “يجب أن يكون المعنى واضحاً قدر الإمكان”، على حدِّ تعبير الشاعر نفسه. وبالفعل، لقد تمكّن زوريتا من تلخيص النزعات الشعرية في الغنائية التشيلية، ومن تكوين صوته الخاص في الوقت نفسه، مطوِّراً عناصرَ وجوانبَ ارتبطت بتيّار الشعر المضادّ (نهاية العالم، والغنائية الدينية، والالتزام الاجتماعي والسياسي) وشعرائه الكبار، مثل مسترال ونيرودا، ولا سيّما دانتي.

فهمَ الشعر بوصفه إعادة ابتكار للتجارب الفردية والجماعية

لقد اجتهد زوريتا كثيراً لإعادة وضع مسار الأدب التشيلي في علاقةٍ سلِسةٍ مع التاريخ المدني للبلد، بدءاً من لغة شعريّة هي أقرب إلى التركيبات النثريّة التي كان قد طوّرها عرّاب الشعر المضاد، الشاعر التشيلي نيكانور بارا، مروراً بعملية إبداع مفردات وتركيبات لغويّة جديدة وترتيبها منطقيّاً بحيث تبدو قصائده ذات أبعاد عميقة عبّرت عنها سلسلة الصّور والاستعارات، وصولاً إلى ترقيم خاص وتمسّك مقصود بالأشكال المعاصرة. هكذا، يحرّر الشاعر الكلمات والمفردات عبر حذف علامات الترقيم أو استعمالها بشكل مختلط، مستخدماً سلسلة من الأبيات المتكرّرة التي يوزّعها في أعلى أو أسفل الصفحة، ومعتبراً كل ورقةٍ قصيدةً لها جغرافيتها الخاصة. ولا شك إن طريقة الكتابه هذه تعود إلى الحركات الطليعية الجديدة، التي تدمج الحياة والفن، حيث ترسخّت هذه الفكرة أكثر بعد انقلاب عام 1973.

وحول هذه النقطة تحديداً، تحدّث زوريتا مراراً، مشيراً إلى أنّ مشروعه الشعري استمد جذوره من انقلاب عام 1973، حينما استنتج أنَّ الطريقة الوحيدة لمواجهة الحياة هي إعادة قراءة التجربة الفرديّة الخاصة. وهكذا تكون التجارب الماضية بمنزلة الصرح أو الأساس الجديد لكل فكرة أو مشروع لإعادة بناء الحياة، وبالتالي لفهم الشعر على أنه تصويب وإعادة ابتكار للتجارب لا الفردية فحسب، وإنما الجماعيّة أيضاً.
في ضوء هذا كلّه، نستطيع أن نقول إن ما يشغل هذا الشاعر التشيلي الخاص، على وجه التحديد، هو إلغاء المسافة الاجتماعية، المنتَجة تاريخيّاً، بين الفن والحياة. إنه يقترح، بدلاً من ذلك، جعلَ الحياة نفسها أفضلَ تعبير عن الفن، وهذه لحظة طوباوية شُجاعة تصعب في عالم اليوم الذي تحكمه أشكالٌ جديدة من التفاعل الاجتماعي.

في ذروة هذه التجربة التخريبية والصادقة، الشُجاعة والمقاوِمة، التاريخية والخالدة، يقدّم زوريتا منعطفاً سحرياً لا يمكن تفسيره؛ تقاطعاً بين الأشياء والكائنات في شعر يستوعب الحياة ويأخذ شكلها.

* كاتب ومترجم سوري مقيم في إسبانيا