Business is booming.

حالة ميؤوس منها

يزعم الخمسيني الغيور أنّه انتهى من عبء الحبّ ومتاعبه وبلاويه الكثيرة، وأنّه سعيدٌ بأنّه حرّ طليق، غير مضطر للمداراة والمسايرة والتنازل والحرص الدائم عل نيل رضا الحبيبة. يقول ذلك بلهجةٍ لا تخلو من استسلام. يثرثر بجملٍ بلهاء عن رغبته في قضاء شيخوخةٍ هادئةٍ خاليةٍ من المشكلات ووجع الراس، بين شدّ وجذب وإقبال وخصام وهجر وصدّ، على الرغم من أنّ المحيطين يه يعرفون جيداً أنّه يكذب على نفسه بالدرجة الأولى، ذلك أنّ تاريخه العاطفي حافلٌ بقصص الحب المتلاحقة ذات النهايات الدرامية. أتاحت له عزوبيته الاختيارية الطويلة ووسامته اللافتة، وضعف النساء تجاه سحر جاذبيته، أن يخوض التجارب العديدة، ويلتقي بنماذج مختلفة من اللواتي يصفهن بالجميلات المتميزات. يعتبره الأصدقاء حالةً ميؤوساً منها، ويصفونه بالمتهوّر المندفع الذي يفتقد إلى النضج غير المحصن من ارتكاب الأخطاء ذاتها، لأنّه سريع الوقوع في الحبّ.
في كلّ مرةٍ، كان يتورّط في الحكاية بكلّ حواسّه، يبتعد عن الجميع، ويستغني، من دون أدنى حرج، عن صحبة أقرب الأصدقاء الذين يقضي معهم في العادة أوقاتاً ممتعة، ولا يحفل بعتابهم وافتقادهم له، كي يكرّس أقصى طاقته في إسعاد المعشوقة التي تظنّ نفسها أكثر النساء حظاً، فتغدو، خلال برهة وجيزة، مركز الكون بالنسبة له، والمبرّر الوحيد لوجوده. ينخرط بكلّيّته في المشاعر المصاحبة للحبّ من تعلّقٍ وغيرة، وتملّك واهتمامٍ مفرط. يتحوّل إلى شخصٍ مختلف، يبث السعادة حوله سعادة حقيقية، تغمر روحه، وتفجر حماسته ورغبته بالحياة، وهي النابعة وقتها من يقينه بالحبّ، دافعاً ومحرّكاً لحياته. تشعر المرأة معه بأنّها أهم كائن في الوجود، يمنحها الحبّ والاهتمام والحنان، يعتني بتفاصيلها الصغيرة، ويعطيها إحساساً بالأمان والطمأنينة والفرح والبهجة، يصطحبها إلى أماكن جديدة. يشاركها أدقّ تفاصيل حياته، يقدّم لها الهدايا الجميلة، ويفكّر، عندئذٍ، جدّياً بكسر عهدٍ قطعه على نفسه، بعدم الوقوع بفخّ الزواج، لقناعته بأنّ ارتباطاً كهذا من شأنه أن يقتل الحبّ بالتدريج المملّ.
لكنّ مقاومته تنهار أمام سطوة الحبّ، وقدرته على تغيير المصير، غير أنّ أمراً ما يحدث، في كلّ مرة، يحول دون تنفيذ رغبته في الارتباط الرسمي بالمرأة التي تفانى في عشقها. وشاية من أحد ما عن حكاية قديمة، رسالة نصّية من شخصٍ غريب، وصلت في الوقت غير المناسب. التفاتة لا تعني شيئاً إلى رجل آخر في مناسبة ما. وسرعان ما ينهار كلّ شيء، ويفقد صاحبنا شهيته للمضيّ في قصة الحبّ الكبيرة التي راهن عليها. ينكفئ حزيناً، مهزوماً، مكسوراً، متشكّكاً في كلّ شيء. يلقي حكمه ومواعظه البائسة عن جماليات التحرّر من قبضة الحبّ الخانقة، ويتغزّل بالوحدة، كونها خياراً ذكياً، تماماً مثل الذي يعجز عن الوصول إلى العنب، فيرميه بتهمة الحموضة، ولا يعترف لنفسه على الأقل بأنّه فاشلٌ عاطفياً، وبأنّه من يتحمّل مسؤولية هذا الفشل، بسبب غيرته البلهاء التي تحرمه من متعة الحبّ، وفرصة الرفقة الجميلة، الكفيله بإعانته على تحمل قسوة الأيام. يكذب صاحبنا حين يقول إنّ الحبّ ليس مهماً حين نبلغ خريف العمر، وإنّ زمننا مضى إلى غير رجعة، ذلك أنّ حاجتنا إلى الحبّ لا تختلف كثيراً عن حاجتنا إلى الأكسجين، كي نتمكّن من التقاط أنفاسنا في هذا الدرب الشائك الطويل، الخانق. ولعلّه ذريعتنا الوحيدة في مواجهة حتمية الموت المتربص بنا، المتأهب للانقضاض على فرحنا، لحظة رفع شارة الاستسلام وحشية البياض.