Business is booming.

النظام السوري يستهدف الأتارب… وتصعيد بمحيط عين عيسى

اشتعلت الأوضاع الميدانية مجدداً على أكثر من جبهة، إذ جددت قوات النظام قصفها أهدافاً مدنية في “منطقة خفض التصعيد الرابعة” (إدلب ومحيطها)، شمال غربي سورية، ما أوقع قتلى وجرحى، في حين تجددت الاشتباكات على نحو أعنف في محيط بلدة عين عيسى، بين “الجيش الوطني” والجيش التركي من جهة، و”قوات سورية الديمقراطية” (قسد) من جهة أخرى. كل ذلك ربما يشير إلى تراجع التفاهمات بين الروس والأتراك، إذ يدعم كل منهما أطرافاً ضمن دائرة الصراع في الشمال، وتتشابك بينهما خيوط المصالح الجغرافية على الأرض، والسياسية على طاولة التفاوض، سواء حول إدلب، أو مناطق الشمال الشرقي من البلاد. 
وفي حين تصر أنقرة على السيطرة على عين عيسى وإبعاد “قسد”، المدعومة أميركياً، عنها، تهدف موسكو لتحقيق مزيد من التوسع على الأرض في إدلب ومحيطها على حساب المعارضة، من خلال دعم قوات النظام والمليشيات الحليفة لها، المدعومة من روسيا وإيران، على الرغم من سريان وقف إطلاق النار، المبرم بين روسيا وتركيا حول إدلب، في مارس/آذار العام الماضي.

دارت الاشتباكات عند محاور قريتي صيدا والمعلق قرب عين عيسى

وقتل 7 مدنيين، بينهم طفل وامرأة، وأصيب 15 آخرون، بقصف من قبل مدفعية النظام استهدف مستشفى المغارة في بلدة الأتارب غربي حلب، والتابعة لـ “خفض التصعيد” (إدلب ومحيطها). وأدى القصف إلى مقتل مُراجعين ومرضى، في حين شملت الإصابات أفراداً من الكوادر الطبية والإدارية للمستشفى، نقل بعضهم إلى المستشفيات التركية نظراً لحالتهم الحرجة والخطرة. كما أدى القصف إلى خروج المستشفى عن الخدمة، والذي يخدم آلاف المدنيين في الأتارب ومحيطها.
وأوضحت مصادر أن قوات النظام، المتمركزة في “الفوج 46” قرب بلدة أورم الكبرى، على بعد نحو 4 كيلومترات عن الأتارب غربي حلب، استهدفت بأربع قذائف هاون قسم المراجعين في المستشفى. كذلك فإن قصف قوات النظام والمليشيات استمر باتجاه القرى والبلدات المحاذية لخطوط التماس في جبل الزاوية، جنوبي إدلب. يأتي ذلك ضمن الخروقات المستمرة، من قبل قوات النظام وحلفائها، لإنهاء وقف إطلاق النار المبرم في إدلب ومحيطها، قبل أكثر من عام.

وقال النقيب ناجي المصطفى، المتحدث باسم “الجبهة الوطنية للتحرير”، كبرى تشكيلات المعارضة السورية العسكرية المقاتلة في إدلب ومحيطها، والمدعومة من تركيا، إن “القصف لم يتوقف منذ وقف إطلاق النار”. وأشار في حديث، مع “العربي الجديد”، إلى أن “أمس الأول شهد محاولة تسلل لقوات النظام باتجاه نقاط المعارضة في سهل الغاب، بالإضافة إلى تواصل القصف على بلدات وقرى جبل الزاوية وغيرها من المناطق المحاذية لخطوط الاشتباك في محيط خفض التصعيد”. ودان المصطفى القصف الذي استهدف مستشفى الأتارب، مؤكداً أن فصائل المعارضة ردت على مصادر النيران، والمرابض التي أطلقت القذائف ضمن تجمعات ونقاط قوات النظام، مشيراً إلى تحقيق إصابات مباشرة.
من جهته، أعرب فريق “منسقو استجابة سورية”، الفاعل في القطاع الإنساني شمال غرب البلاد، عن “استنكاره حيال تواصل استهدف قوات النظام وروسيا للمنشآت الحيوية والطبية في شمال غربي سورية، والتي كان آخرها استهداف مستشفى المغارة في الأتارب، ما أدى إلى خروجه عن الخدمة، بالإضافة إلى سقوط ضحايا وإصابات في صفوف الكادر الطبي ومراجعي المستشفى”.
بدوره، قال “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية”، في بيان، إن “قصف مستشفى المغارة في الأتارب بريف حلب جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية”. وأضاف أن “هذه الجريمة تعيد كثيراً من المسائل إلى نقطة الصفر، وتتطلب تحركاً فورياً من قبل المجتمع الدولي والدول المهتمة بإنهاء الحرب الإرهابية التي يشنها النظام وحلفاؤه على الشعب السوري”.

وجرح طفل، أمس الأحد، جراء سقوط صاروخ قرب مخيمات بلدة قاح قرب الحدود السورية – التركية شمالي إدلب. وقالت مصادر محلية، لـ”العربي الجديد”، إن البوارج الروسية استهدفت بصاروخ أطراف بلدة قاح شمال إدلب، موضحة أنه سقط على بعد نحو كيلومتر من مخيم يضم مئات النازحين. وأشارت إلى أن الطائرات الروسية استهدفت سوقاً لبيع المشتقات النفطية ومعملاً للغاز قرب سرمدا. كما طاول القصف الجبال الواقعة بين سرمدا وبابسقا.

من جهة ثانية، وفي شمال الرقة، عادت الاشتباكات العنيفة لتندلع بين “الجيش الوطني”، الحليف لتركيا من جهة، و”قوات سورية الديمقراطية” (قسد) من جهة أخرى، عند محاور بلدة عين عيسى، بعد هدوء نسبي استمر لفترة قصيرة. وبحسب مصادر “العربي الجديد” على الأرض، فإن الاشتباكات التي تدور، منذ الجمعة الماضي، تعتبر الأعنف في محيط البلدة التي تسيطر “قسد” عليها، مع تواجد لقوات النظام والروس عند مداخلها، إذ تدخل الطيران المسيّر التركي لمساندة فصائل المعارضة في الاشتباكات، مستهدفاً مواقع متقدمة لـ”قوات سورية الديمقراطية” في محيط البلدة. وفي حين أعلنت وزارة الدفاع التركية “تحييدها” 8 مسلحين، فقد نفت مصادر أمنية تركية، لوكالة “فرانس برس”، شن الطيران التركي غارات في المنطقة.

التصعيد ربما يشير إلى تراجع التفاهمات بين الروس والأتراك

وذكرت مصادر محلية، لـ”العربي الجديد”، أن الاشتباكات دارت عند محاور قريتي صيدا والمعلق قرب عين عيسى، والتي ترافقت مع قصف مدفعي لـ”الجيش الوطني” على مواقع “قسد” في قرى الهوشان، والخالدية، والمشيرفة في محيط عين عيسى أسفرت عن مقتل عنصرين من “قسد” وإصابة 6 آخرين، فيما قصفت “قوات سورية الديمقراطية” بقذائف المدفعية الثقيلة، من مواقعها في قريتي الهيشة والفاطسة، مراكز لـ”الجيش الوطني” في محيط البلدة، وسط تحليق مكثف لطائرات روسيّة مسيرة في سماء المنطقة، فيما انسحب رتل من قوات النظام السوري من “اللواء 93” من مواقعه قرب البلدة.
وتعد الغارات التركية، بحسب المصادر، على مواقع “قسد” في المنطقة، الأولى منذ أكثر من عام، حيث كان قصف تلك المواقع مِن قبل الجيش التركي يقتصر على المدفعية فقط. كما ينظر لهجوم “الجيش الوطني” في محيط عين عيسى على أنه يستهدف قطع الطريق الذي يصل البلدة بمدينة عين العرب (كوباني) شمالي حلب.
يشار إلى أن عين عيسى شمالي الرقة تعتبر بمثابة “العاصمة” الإدارية لـ”الإدارة الذاتية” الكردية، وتشهد باستمرار مواجهات بين “الجيش الوطني” و”قسد”، وسط محاولات من النظام السوري للعب دور بحجة حماية المنطقة من الجيش التركي، الذي أنشأ أربع نقاط عسكرية في محيط البلدة تطل على الطريق الدولي الحسكة- حلب. وتعد الاشتباكات الحالية بين “قسد” و”الجيش الوطني” الأعنف منذ انتهاء العملية التي أطلقها الجيش التركي و”الجيش الوطني” في 2019 ضد “قسد”.
وقال المتحدث الرسمي باسم “الجيش الوطني” الرائد يوسف حمود، لـ”العربي الجديد”، إن “الهجوم يستهدف المواقع التي تعتبر نقاط تموضع سلاح معاد يستهدف مناطقنا باستمرار، بالإضافة إلى أنها مواقع يتم منها الانطلاق بعمليات تسلل من قبل المليشيات الإرهابية”، في إشارة إلى “قسد”.
من جهته، قال المتحدث باسم “قوات سورية الديمقراطية” كينو كبرئيل، لوكالة “فرانس برس”: “تتعرض منطقة عين عيسى لحملة شديدة من قبل الاحتلال التركي والمرتزقة العاملين معه” عبر محاولة التقدم باتجاه قرى غرب عين عيسى. وأشار إلى أن العمليات تترافق مع “قصف عنيف بقذائف الهاون والمدفعية التركية والطيران الحربي”. وأكد أن “قوات سورية الديمقراطية ردت على الانتهاكات وأفشلت محاولات التسلل”، إلا أن الوضع “لا يزال متوتراً” في محيط عين عيسى.
إلى ذلك رأى القيادي في المعارضة والمحلل العسكري، العميد فاتح حسون، أنه “لا يخفى على أحد عزم تركيا والجيش الوطني السوري على استعادة المناطق التي تحاول قوات سورية الديمقراطية وباقي القوى الانفصالية سلخها عن سورية، في محاولة مكررة لتكريس تطلعاتها. كما لا يخفى على الجميع الإرهاب القادم إلى المناطق التي يسيطر عليه الجيش الوطني على شكل سيارات ودراجات مفخخة يتم تجهيزها غالباً، أو إرسال موادها، من خلال قسد وأخواتها ليتم تفجيرها ضمن المناطق السكنية والأسواق المدنية”، على حد وصفه. واعتبر أن “التصعيد التركي الأخير يأتي كرد واضح ورسالة لن تكون الأخيرة، بل ستتبعها خطوات أكبر تتناسب وحجم التغيير المطلوب على الواقع الأمني في تلك المناطق”.
وأضاف حسون، في تصريح لـ”لعربي الجديد”، أنه “من ناحية ثانية، لا يمكن وضع ما يحدث في خانة عدم التفاهم الروسي التركي أو الاختلاف، خصوصاً أن روسيا تمتلك العديد من المناطق التماسية، ويمكن إيصال رسائل من مناطق مختلفة وبشكل واضح ومحدد. لكن يمكن القول إن روسيا تحاول تصدير نفسها كشريك للمليشيات الانفصالية شرق الفرات، في ظل تراخ وفتور في العلاقة ما بين الإدارة الأميركية الحالية وتلك المليشيات. بمعنى آخر روسيا تحاول توسيع دورها في هذه الجغرافيا الهامة، في الوقت الذي يحاول فيه الأكراد إنعاش وإثارة اهتمام الإدارة الأميركية الحالية”.