الوضع الوبائي في تونس
الحالات
94٬980
الوفيات
3٬153
مريضة حاليا
22٬601
حرجة
299
الحالات التي شُفيت
69٬226
أخر تحديث بتاريخ 11/29/2020 الساعة 12:08 ص

بحث في أسباب الهجرة غير النظامية… بقلم الأستاذ عبدالرزاق بن علي

بقلم الأستاذ عبدالرزاق بن علي 

من المواضيع الي ما فتئت تشغل الرأي العام وكثيرا ما أسالت أبحرا من الحبر وأثثت من حلقات النقاش الكثير نجد موضوع الهجرة غير النظامية أو ما يصطلح عليه بالعامية “الحرقة”.

إلا أن وعلى غرار ما قد قيل لا يزال هذا المبحث يخيّم على المشهد ويفرض على المهتمين دراسة أبعاده ودوافعه بعيدا عن كل نظرة ذاتية ربما تضر بالموضوع من حيث تريد الإحسان إليه. كأن يقول بعضهم :” ماذا قدم هؤلاء للوطن وفيم تتمثل معاناتهم كي يحتجوا على الواقع المعيش؟  “

وهذا حكم يفتقر لكل عمق وينم على محدودية النظر لمن يتبنون هاته الأفكار. لذلك وجب البحث مليا في الأسباب والمسببات المباشرة والعميقة التي تدفع بالشباب لاختيار هذا النوع من الهجرة. لماذا يختار أحدهم السفر هكذا ؟ وهل حقا أن تدهور الوضع  المادي هو قوام اختيارهم الأول؟  

سبق وان تطرقت شخصيا لهذا النوع من الهجرة في مقال سابق تولت نشره صحيفة “براس نيوز” الإلكترونية. كان حينها في الحقيقة مقالا عاطفيا بعيدا كل البعد عن الطرح الموضوعي وعمق التحليل وهو ما دفعني مجددا أن أعيد النظر من جديد ومحاولة التطرق إلى كل الجوانب التي تحيط بالهجرة غير النظامية. لذلك سيكون هذا المقال أكثر جدية وموضوعية و مبوبا لعدة أبواب علما انه سيكون التركيز على الفئة العمرية الأكثر حساسية في اعتقادي، 14/25  .

1-اسباب اجتماعية وعائلية :

لم أكن لأعرف ما يدور في أذهان الناشئة ولا كيف يعيشون داخل أسرهم لولا لم تتح لي فرصة التدريس في القطاع الخاص وان اقترب من أخطر الفئات العمرية هشاشة على الإطلاق . لن أذيع لكم سرا اذا قلت لكم أن أغلب من يتوجهون إلى التعليم الخاص هم ممن يعيشون مشاكل اجتماعية لا قبل لعاقل أن يتحمل وزرها.

إلا أن ما اكتشفته كان أعظم مما يتصور البعض حيث يصل الأمر إلى عدم القدرة على تخيل ذلك حقيقة واقعة. الحقيقة ان ما سمعته منهم من مشاكل أعجز بعدها أن أقنع أحدهم أو أن اثنيه عما صمم القيام به ومغادرة البلاد عبر قوارب الموت رغم محاولاتي المضنية إزاء التخلي عن فكرة الهجرة اللانظامية.

 

أذكر يوما ان أحدهم قال لي أنه لا يعرف معنى “العائلة ” كمفهوم أو كمصطلح عام بما يمثله من معنى للاستقرار والدفئ. كيف سيكون ردك على طفل لم يبلغ الثانية عشرة من عمره وهو لا يعرف من يكون أباه أو من تكون أمه أو من هما أبواه اصلا  ؟ كيف ستقنع فتاة أو فتى يافع بعدم ركوب قوارب الموت وهو لا يطيق العودة إلى المنزل إثر دوامه الدراسي؟  سيقول لك أحدهم أن أبي يرفض التواصل معي ويهينني، حين يقول آخر أن ابي يعنف امي أمامي ويفعل بها الافاعيل ولا طاقة لأحد للوقوف أمامه أو يتكلم آخر فيقول أن ابي وأمي قد امتهنا الرذيلة وجعلا منها مورد رزقنا. 

ربما لا تكفي عشرات الصفحات كي اترجم كل الحكايات التي  سمعتها إلى مقال أو نص من جهة وربما لأن حساسية بعض المواضيع لا اجرؤ على الإفصاح بها لشدة وضاعتها من جهة اخرى. وكان ذكر بعضها فيض من غيض وعودة على أهم المشاكل الاجتماعية التي يتحجج الأطفال وراءها قصد الهروب إلى عالم غيبي يتمنون إثره تحقيق ما لم يستطيعوا تحقيقه في بيئة المنشئ.

هذا كما تلاحظون لم يتطرق أحد منهم إلى الجانب المادي على قساوته أحيانا، بل بالعكس جل من تحدثت إليهم ممن يعيشون صعوبات اجتماعية أكدوا لي عدم أهمية الوضع المادي أمام ما سيحققه الاستقرار العائلي من توازن نفسي ودفئ عائلي مفقود. إلا أن ذلك لا ينفي أهمية الوضع الاقتصادي الصعب وتأثيره المباشر في دفع الشباب الي التفكير في مجاوزة الحدود خلسة

-الجانب الاقتصادي:

لا أحد له أن ينفي التأثير السلبي للبيئة الاقتصادية الصعبة تمر بها العائلات التونسية قبل الثورة وإثرها ودورها في حث الشباب على مغادرة الوطن فاختلفت السبل والطرائق من أجل ذلك. منهم من ركب قوارب الموت ومنهم من هاجر بصفة قانونية في ظاهرها بالبحث عن امرأة من الضفة الأخرى للمتوسط عادة ما تكون ممن تجاوز مرحلة الكهولة كي لا نقول عجائز شارفت على النهاية. 

لذلك يجدر بنا العودة إلى بعض الأسباب الحقيقية والتي عادة ما يعجز الأولياء والمربون بعدها من إقناع المراهقين والتخلي عن فكرة الهجرة ألا وهي حسب رأيهم غياب الامكانيات المادية وضيق الموارد وقلة ذات يد العائلة. حين يصل الشاب إلى سن البلوغ أو يوشك ان يصلها يرتفع منسوب الإدراك عنده ويصبح أكثر إلماما بالظروف الاقتصادية للعائلة، فعادة وكردة فعل فطرية لا يطيق أحدهم أن يرى أثر الخصاصة وضنك العيش في أعين والديهم. فيرون أنفسهم عبئا ثقيلا لا طائل لاب يعمل في الحضيرة أو عامل بناء أن يتحمله، فيكلفون أنفسهم ما لا تطيق ويصب تركيزهم في تحسين الوضع المادي المتردي للعائلة حينئذ تأخذهم العزة بالإثم و أول حل يرونه أمامهم هو عبور البحر والبحث عن واقع مادي أفضل علهم يغيرون في اعتقادهم ما عجزت الدولة أن تغيره لهم.

الدولة التي ما فتئ عرابوها من توجيه لوائح  اللوم والعتاب للأبوين، من قبيل هم من يوفرون لهم المال ويدفعون بأبنائهم للهجرة . والحقيقة أن ذلك على صحته وتحققه على أرض الواقع ما هو إلا حالة الضعف والهوان التي تصيب العائلة وعجزها أمام إصرار أبنائهم فيضطرون إلى هذا الحل اضطرارا لا اختيارا كما تريد الدولة أن تفسر الأمر. فيرى الأب أن ابنه قد خيره بين القبول بالحرقة أو القبول بخبر انتحاره يوما ودون سابق إنذار. (وهو للأسف  ما حدث صدفة هذه اللحظة وانا اكتب هذا المقال لمراهق عمره 21 سنة عجزت العائلة عن توفير ثمن السفرة، رحمه الله وألهم ذويه جميل الصبر والسلوان).

أضيف أيضا، وبعيدا عن آراء الساسة والمختصين الذين كثيرا ما يتحدثون عن فقر الدولة وندرة إمكانياتها وشبه افتقارها للثروات، لا يرى السواد الأعظم من فئة الشباب ذلك ولن تقنعهم النظريات والتحاليل .فتترسخ عندهم القناعة التامة أن دولتهم ترزح تحت استعمار ونهب للثروات وان بلدهم على عكس ما يقال أنها مفقرة لا فقيرة. فتسمعهم يقولون ذلك صراحة “لقد سئمنا المشهد، لقد كرها الساسة والمنظرين لفرط كذبهم وبلادة تفكيرهم. كيف لنا أن نعيش في دولة ينهب فيها ما فوق الأرض وما تحتها أمام أعين شعبها بل الأمر من ذلك أنه لا يحق لك ان تحتج أو تتكلم فتتهم بالجهل .

وإن تكلمت لن تجد آذانا صاغية ” وكل ما ستسمعه في الأخبار المسائية، سنشرع قريبا على تعزيز……سنقوم في الأيام القليلة  القادمة ب…..لقد ناقش مجلسنا الموقر كافة مشاكل الشباب و تم أثرها إيجاد الحلول الكفيلة بالنهوض بهذه الفئة النشيطة بما هي قوام الدولة وعصب ديمومتها وخصصت الإعتمادات اللازمة والضرورية…. للأسف لازال هذا هو الخطاب الذي نسمعه منذ عشرات السنين دون أن نرى له أثرا ملموسا.

هذا مايقودنا إلى سبب من أهم أسباب الهجرة اللانظامية عند الشباب هو انحدار منسوب الثقة بين الطبقة السياسية على اختلاف أطيافها واختلاف حقباتها التاريخية وبين مكونات المجتمع على اختلاف وضعياتهم الاجتماعية والاقتصادية. وهو ما يدفعنا الي البحث أكثر في الدور السياسي وتأثيره في المشهد الاجتماعي والاقتصادي للأفراد داخل كل دولة.

3-أسباب سياسية :

كثيرا ما غصت الاستيدوهات الإذاعية والتلفزيونية بالخطب الرنانة للساسة والمسؤولين، خطابات هلامية من قبيل السفسطة لا تربطها بالواقع الملموس صلة وكأن من يقولها يأتي من كوكب آخر وزمن آخر، الكل يرمي بدلوه ويخوض في المشاكل الاجتماعية والاهتمامات الحارقة للشعب الكريم. وكثيرا ما خصصت هذه الحصص لتناول موضوع “الحرقة ” وهنا تعددت الآراء ونصبت المحاكم لشباب هم في الأصل ضحية برامجهم وتحليلهم السطحي للأمور.

إذا كان الكبار، المثقفون منهم ومن هم دون ذلك، لا يثقون في جل الطبقة السياسية وخطاباتها الجوفاء فكيف لمن لم يبلغ الحلم بعد أن يفقه ذلك. كنت كثيرا ما أفتح دائرة النقاش مع من ألتقيهم من الشباب من خلال طبيعة عملي مع أخطر الفئات العمرية هشاشة على الإطلاق. لطالما سمعت منهم عمقا في تحليل الواقع على  بساطة تفكيرهم، لم يمتلكه من يدعون القيام على شؤون الفرد والجماعة.

هنا نلاحظ بكل موضوعية عمق الهوة بين الخطاب الرسمي والهواجس اليومية للمواطن التونسي على وجه الخصوص. وهو ما يؤسس أن تكون  الهجرة غير الشرعية حلا تصعيديا يلجأ له الناشئة للهروب من زيف وبهتان الساسة.

إن الخيارات السياسية لدولة ما هي تعبير عن المنهج المعتمد لتلك الدولة في تسيير شؤون المواطنين وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي بها يكون الفرد مواطنا. فكيف إذا لم يثق الفرد في هذه الخيارات ولا يصدقها؟  بل أكثر من كونه لا يستسيغها عادة ما يكون الطرح الرسمي لبعض المسائل موضوعا يؤثث حلقات التندر والسخرية عند الشباب. فيحوّلون المشهد إلى مشهد كاريكاتوري يعصف بكل نفس جدي جاء به المسؤولون.

للأسف، هذا ما لم تفهمه النخب والقائمون على الدولة وهو ما زاد من حدة أزمة الثقة. ولكن عمليين أكثر، من باستطاعة مثلا إقناع الناشئة أن الدولة في حاجة ماسة لكل ذلك الكم الهائل من السيارات الإدارية باهظة الثمن لبلد يعاني فيه مثلا قطاع الصحة والتعليم والثقافة والرياضة (هي المجالات التي تكون الوعي المجتمعي للأفراد وتصنع رأى عام مواطني ) ما يفوق الخيال.

بالنظر إلى الترسانة القانونية للدولة نلاحظ أنها من أحسن القوانين الوضعية التي تقوم عليها الدول غير أن ذلك لا يجعل المواطن بصفة عامة يشعر بأن القانون جعل لتنظيم الحياة العامة وتحقيق مبدأ الإنصاف والعدالة بين المواطنين. بل إن الاعتقاد السائد أن القانون يسري تطبيقه بمبدأ اللامساواة وجعل لتقنين التجاوز والظلم. إن خرجت للشارع سائلا عن نسبة تطبيق القانون أو هل يطبق القانون على قدم المساواة بين جميع الأفراد ستجد الإجابة بالإجماع أنه زاد من اغتراب المواطن في وطنه وكرس الظلم وشرع له.

4-أسباب ثقافية وتعليمية :

إن المناهج التعليمية التي انتهجتها الدولة لعقود من الزمن، ولا زالت تصر إصرارا على المضي قدما في هذا المنوال التربوي الذي أظهر فشلا ذريعا في الارتقاء بالمستوى الفكري والوعي الفردي والجماعي. كثيرة هي الدراسات التي ما انفكت تمدح جودة التعليم وأهمية الشهادات العلمية المسندة في تونس منذ مرحلة ما بعد الاستقلال التي رفعت إثره الدولة التعليم العمومي المجاني والجيد للجميع على قدم المساواة.

إذ لا ننفي النقلة النوعية لنسبة التمدرس وانخفاض نسب الأمية منذ الاستقلال الي اليوم، إلا أن الأشكال لم يعد في تلك النسب أو كم من مواطن أصبح يتقن الكتابة والقراءة بل الأشكال في القدرة على التحليل وتدني مستوى الإدراك والفهم. وهو لعمري عملية ممنهجة تأتي في إطار إنتاج جيل جديد من الروبوتات منعدمة الإحساس والإدراك، إذ لا يعدو تعليمهم “فك الخط ” ولا يتجاوز فهمهم ما يقدم لهم في حصة الدرس العام .

وكمثال على المناهج التعليمية التي ساهمت في تدمير جيل واجيال قادمة لا يرجى منها إصلاح ما، هو نظام الكفايات للتعليم الأساسي في مرحلته الابتدائية و الذي يحمل فشله في إسمه، أو منظومة “امد” التي اغرقت سوق الشغل بآلاف المجازين دون أفق تشغيلهم أو حتى التفكير الجدي في إيجاد الحلول المناسبة لاحتواء الكم الهائل منهم.

وهنا لابد أن نجد العلاقة بين المنوال التربوي المنتهج وعلاقته بموضوع بحثنا “الهجرة غير الشرعية ” إذ كثيرا ما نجد الآن أن نسبة كبيرة وليست بالهينة ممن اختاروا المغادرة هم من أصحاب الشهادات العليا المعطلين عن العمل والذين ضاقت بهم السبل و سئموا الوعود الزائفة. (ولا اخفي سرا اذا كنت  انا كاتب المقال قد تجاوزت عشر سنوات من البطالة دون أن تكون لي الجرأة على الهجرة غير الشرعية).

وهنا لابد أن نتطرق لموضوع ليس المجال للخوض فيه تفصيلا بل سيقتصر ذكره في علاقة مباشرة بمبحثنا هذا، وهو هجرة الأدمغة والكفاءات التونسية في شتى المجالات والتخصصات،  فكيف لمن يرى أقرب الناس إليه والذي تدرج في سلم العلم عاليا، لا يجد مكانا ولا احتراما وتقديرا في بلده فيلجأ الي الهجرة والبحث عن آفاق كانت قد سدت أمامه في وطنه ، كيف له أن يقتنع بالأمل في المستقبل والنظر في نقطة ضوء ولو في آخر الزقاق.

 وأخيرا كي لا أسقط الحق عن الكثير ممن اختاروا “الحرقة ” لأسباب شخصية لا صلة لها بكل ما قد قيل من الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتعليمية بل كانت في إطار المغامرة وتحقيق انتصارات وهمية والسعي وراء الثراء وزينة الحياة الزائفة، كتجارة يصيبونها أو فتاة ينكحونها . فتكون بذلك هذه الطريقة للسفر نوعا من البحث عن تحقيق الذات وإثبات القدرة على النجاح، فكثير منهم ممن يصفه المجتمع بالفاشل الذي لا يرجى صلاح أمره فيعمد لبلوغ ضفة المتوسط الأخرى لإثبات ذاته لمجتمع حكم على فشله مرة بالفشل الدائم.

5-الحلول:

في اعتقادي لابد من طرح آخر ونظر وتمحيص جديد يقطع مع كل المعالجات السابقة التي لا تمت للواقع بصلة. فلقد أثبتت هذه الأطروحات فشلها بل وزادت في حدة الأزمة من خلال ارتفاع عدد المهاجرين من يوم للآخر وبلغ مستويات قياسية أصبحت تهدد النسيج الاجتماعي واستقرار العائلات التونسية.

هذه العائلات التي أضحت عاجزة كعجز الدولة تماما عل إيقاف نزيف الهجرة بل هي الخاسر الأكبر من ذلك إذ كثيرة هي الأسر التي فقدت أبناءها للأبد، سواء بالغرق في مياه المتوسط أو ببقائهم في دول المهجر لسنوات وعقود دون أوراق رسمية بها يستطيعون العودة مجددا. فيكون العقاب مضاعفا للمغتربين وأسرهم.

والمؤسف أن الدولة لازالت تعالج الأمور بالطرق الأمنية البدائية التي زادت من تكريس الحقد والكراهية على الدولة لا على الجهاز الأمني في حد ذاته. لذلك إذا ما أردنا المعالجة الحقيقة لهذه الظاهرة لابد من منوال تربوي، اجتماعي اقتصادي وسياسي يكرس مبدأ المواطنة الصرفة. منوال يعيد النظر في تثمين الثروات والموارد الطبيعية والبشرية للبلاد. غير ذلك لن تفلح اي حكومة وأي حزب وأي نظام سياسي في كبح جماح الشباب الذي ضاقت به السبل في بلاده واصبح يعيش في غربة داخل حدود وطنه، بل هو اغتراب.