الوضع الوبائي في تونس
الحالات
90٬213
الوفيات
2٬935
مريضة حاليا
21٬975
حرجة
287
الحالات التي شُفيت
65٬303
أخر تحديث بتاريخ 11/24/2020 الساعة 9:04 م

معركة الفلسطينيات مستمرة رغم منجزاتهن

نبدأ القول بأن عملية تجفيف المؤسسات والمجتمع المديني والمشهد الثقافي في فلسطين وطرد الطبقات العليا والمتوسطة والبرجوازية الناشئة، ضرب عناصر النهضة في المجتمع الفلسطيني، وهي العناصر التي بكونها مرتبطة عضويا وفكريا وأخلاقيا بتقدم المرأة، فإنها التي تحتاج لحيز من مؤسسات المدينة ومن نخبتها ومن حراكها الثقافي، لكي تخرج من طوق الأدوار. إذا على خلاف النساء في العالم العربيّ، حرمت المرأة الفلسطينية من حاضنتها النهضوية “المدينة”. وقد تم ذلك بالتوازي مع هدم القرية الفلسطينية ومصادرة الأرض وحرمان المرأة في القرية الفلسطينية من دورها الإنتاجيّ وبالتالي من مكانتها الاجتماعية والاقتصادية.

إضافة لما قامت به المؤسسة الصهيونية من هدمٍ للبنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فإنها أخذت كذلك على عاتقها إنتاج خطاب استشراقي يرى المرأة الفلسطينية سجينة تنتظر تحرير المستعمِر لها، الادعاء الذي قامت بتعريته باحثات نسويات فلسطينيات، استأنفت بعضهن كذلك على الخطاب الوطني الفلسطيني الذي تركز بالقرية الفلسطينية، متجاهلا دورها الإنتاجيّ ومغيّبا عن الذاكرة المدينة ونساءها وحياتهنّ الاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة وكذلك علاقات النوع الاجتماعيّ داخلها.

الحق في التعليم – تقاطع مصالح بين المرأة والمجتمع

إلى جانب هدم عوامل النهضة والمدنية في المجتمع الفلسطيني، والتي هي عملية مستمرة وتقع في عمق وظيفة الدولة ومبرر وجودها (لا تعبير عن الكيانية الصهيونية دون هدم الكيانية الفلسطينية)، وتعبر النكبة عن أولى حلقاتها المنهجية فقط، بقي جانب واحد من الحراك الطبيعي والممكن للمرأة الفلسطينية ألا وهو التعليم والانخراط في سوق العمل. لكن التوجه إلى وقع التعليم على تطور المرأة الفلسطينية عليه ألا يكون توجها إحصائيا، فحتى مسألة الحراك التعليمي مثلا، والذي يعتبر عاملا إيجابيا في تطور المرأة، ارتبط بهدف تقليل نسبة الولادة والسيطرة الديمغرافية على المجتمع الفلسطيني، إلى جانب ذلك لم يحقق هذا الرأسمال الأكاديمي مردوده الاجتماعي في عملية البناء المجتمعي أو الحراك الاجتماعي، لأنه لم يرتبط ولم يعبر عن نهضة وعن تقدم طبيعيين للمجتمع الذي بقيت آفاق تطوره العامة فيما يتعلق بسوق العمل وبناء المؤسسات والتقدم التكنولوجي أو العملي بكافة تشعباته تحت سيطرة سياسات الدولة المعيقة.

تعلّم المرأة، إذا قد يشير إلى عملية السيطرة على التقدم الأكاديمي واستخدامه أداتيا من أجل إعاقة التقدم الطبيعي، الذي لا يحدث ودون سياسات دولة تضمن أفق التحقيق الذاتي لهذا الرأسمال العلميّ، ودون مواكبة المجالات الأكاديمية للتقدم العلميّ والتكنولوجيّ المعاصر ولسوق العمل. لذلك نرى أن نسبة تعليم المرأة لم تعبر عن رأسمال أكاديمي أكثر مما عبرت عن نسب عالية من البطالة ومن التمركز في حقلين تقليديين من العمل: التربية والصحة، حيث هناك تقبع 80% من النساء المتعلمات، رغم تشعب تخصصاتهن. بالإضافة إلى انخفاض نسب النساء الحاصلات على اللقب الثالث، مما يعني أن العبء الأسري يبقى واقعا بالأساس على المرأة، وبالإضافة إلى الحقول العلمية التي لا تفكر بها المرأة نظرا لانعدام فرص العمل بها ولانغلاق سوق العمل الإسرائيلي العنصري عليها.

إلى جانب هذا التقدم “الجامعي” ضيق الأفق وضعيف العلاقة مع بناء مجتمع عصري نهضوي، أي ضعيف المردود الاجتماعي الجماعي والفردي، لا تعني الإحصائيات التي تشير إلى نسب عالية من الحاصلات على الشهادة الثانوية وعلى الشهادات العليا، بالضرورة، تحرر المرأة أو رفع مكانتها الفردية. وقد أكدت الباحثة هنيدة غانم على هذه النقطة في دراستها حول مواقف المجتمع الفلسطيني من حقوق المرأة. فقد ادّعت بأن المجتمع الفلسطيني يعترف للمرأة بالحقوق العينية المتعلقة برفاهية المجتمع والعائلة استجابة لمتطلبات العصر كالحق في العمل والتعليم، بينما يمنع عنها الحقوق الجوهرية المتعلقة بحرياتها ورفاهيتها من خلال سيطرته على القيم وعلى الشيفرات الثقافية كالعرض والسمعة.

في سؤال الحريات الفرديّة
تعتبر كاتبة هذا المقال، أن المدارات الثلاثة لحراك المرأة وحرياتها وتحقيقها الذاتي: الشخصي والمجتمعي والسياسي، هي مدارات مختلفة من الحريات وإن ارتبطت. كونها مدارات تتعلق بعوامل وبمصالح وبـ”حساسيات” وببنى مجتمعية مختلفة. فالتقدم السياسيّ للمرأة لا يعكس تقدما في مجال الحريات الشخصية، وتقدمها في مجال الحراك المجتمعي، بالذات ما يتعلق بالعمل، والأخير لا يتعلق لا بتقدمها في مجال حرياتها الخاصة ولا بتقدمها السياسي. ونرى الاختلافات التاريخية الكبيرة بين الثقافات المختلفة في هذا المضمار، لقد كانت الحريات الشخصية أول ما نالته المرأة الغربية، فيما تأخر دخولها للمجال السياسي مائة-مائتي سنة عن ذلك.

نعتقد أن النساء الفلسطينيات كغيرهن من النساء العربيات يتسع مجال حراكهن المجتمعيّ، ويتسع باطراد مجال حراكهن السياسيّ، فيما يبقى مجال الحريات الشخصية أكثر المجالات صعوبة وتعلقا بسيطرة ذكورية لا تخفت. وفي الوقت الذي يكون فيه دخول المرأة للتعليم وللعمل، نتاج تقاطع “مصالح” بين السيطرة الذكورية من جهة وبين محاربة الفقر من جهة ثالثة، ويكون دخولها للسياسة نتاج تقاطع مصالح بين جاذبية الأحزاب وبين مطلب وتوقع بعض القطاعات الاجتماعية لتلك الأحزاب بتجديد الدم فيها وبدمقرطتها، لم تتطور أي شبكة مصالح تقوم بتطوير الحريات الفردية للمرأة، وربما تبقى القيم الثقافية الأعمق للمجتمع هي الأبعد عن تأثير المصالح والتقلبات عليها، وربما هي تلك التي تحتاج أكثر من غيرها لقناعات خالصة ولصراعات ذاتية ليس أقل –وربما أكثر- مما تحتاج لديناميكيات نضال جماعي.

ما يهمني قوله هنا، نظرا لأن هذا المقال لا يتركز في هذا الموضوع فقط، بالإضافة لما سبق وقلته، هو أن مجال الحريات الشخصية هو المؤشر الحقيقي والعميق لحرية المرأة، كونها آخر معقل لهذا التحرر، على خلاف مسيرة تطور حريات المرأة في الغرب مثلا. ربما يعود ذلك إلى كون تحرر المرأة العميق هو تحررها من السيطرة الذكورية المباشرة والمتعلقة بتفاصيل حياتها النفسية والعاطفية، ربما لأن الحريات الشخصية هي حريات تتعلق بالوجدانيات وبالسلوك العاطفيّ والعائليّ أي في أدق تفاصيل الحياة وحرماتها، فيما تتوقف حرياتها المجتمعية والسياسية على عوامل تقدم المجتمع وتطوره الاجتماعي والعلمي والتقني والديمقراطي، وتلك عوامل لها جانبها “الموضوعي”. بغض النظر عن هذا التحليل، تبقى القيم المتعلقة بالحريات الشخصية للمرأة هي المؤشر الأعمق، برأيي، للحريات على اختلاف “أنواعها” وتجلياتها، ليس فقط على المرأة بل على الفرد ككيانية، وعلى تطور مفهوم الفرد في مجتمعنا، تطوره من حيث استقلاليته المادية والرمزية عن مجتمعه، وكيانيته القائمة بذاتها. بكلمات أخرى، فيما تتعلق حريات المرأة المجتمعية والسياسية بتطور المجتمع بشكل عام، تتعلق حرياتها الشخصية

بتطور مفهوم الفرد في المجتمعات العربية، وتدهور هذا المؤشر يتعلق بتدهور كيانية الفرد في الذهنية العربية، وهو مجال بحث لا تتسع هذه المقالة له. وفي هذا السياق لا يمكن إلا أن نشير إلى أنه من بعض آثار النكبة والواقع الإسرائيلي كان إعادة تشديد المجتمع الفلسطيني على الدور الانجابيّ للمرأة وللعائلة الفلسطينية على حساب دورهما الإنتاجي وإعادة التشديد على ربط مفهوم الشرف بسلوك المرأة. يهم هذا المقال كذلك التحالف اللاحق، او التواطؤ المبطّن الذي عقد بين الدولة الصهيونية وبين مركبات المجتمع التقليدي والمحافظ والمانع للنهضة وللنضال، وهذا شأن الاستعمار في كل مكان، يعادي الوجود الرمزي والثقافي والنهضوي للمجتمع المستعمَر، ويستغل موارد وطنه، لكنه يبني له أذرعا تنفيذية داخل المجتمع، ويبني تحالفاته مع أكثر العناصر معاداة للنهضة والنضال فيه (ليس هذا المكان لنعرج على أحدث التحالفات التي بنتها إسرائيل، وهي تلك بين أجهزة الأمن الإسرائيلية وبين العالم السفلي وعصابات الإجرام داخل المجتمع العربي وتغذيتها بالسلاح وبالمعلومات وبالحماية القانونية) وهنا مرة أخرى، تدخل المرأة الفلسطينية لتكون الضحية الأولى. في مجال الحريات الشخصية التنسيق والتفاهم يبدوان تامين بين المستعمِر وبين السلطة الذكورية لدى المستعمَر.

فمثلا في حين سيطرت الدولة على مفاصل الحياة للفلسطينيين في إسرائيل، وفي حين انخفضت مكانة المسلمين في البلاد بعد عام 1948 ولغاية 1967، وعلى الرغم من إعلان إسرائيل عن نفسها دولة ديمقراطية بالمفهوم الغربي، إلا أنها أبقت على قوانين الأحوال الشخصية العثمانية بصيغتها الانتدابية. أي أبقت على الفرد كشخصية دينية امام القانون وليس كمواطن متساو، ورغم ادعائها احترام الإدارة الذاتية الدينية للطوائف فقد هدفت بذلك منع أي اختلاط بين اليهود وغير اليهود. عسّر هذا الامر مسيرة تعديل قوانين الأحوال الشخصية وأبقى النساء الفلسطينيات داخل الخط الأخضر اسيرات للهجوم وللتهم بالخيانة الوطنية والدينية في كل محاولة لهن لتعديل قوانين الأحوال الشخصية، سواء قمن بذلك من منظور ليبراليّ يتبنى المعايير العالمية لحقوق الإنسان، او من منظور نسوي إسلامي نقديّ لم يرتفع سقفه فوق سقف المبادرات التي قامت بها النساء في العالم العربيّ.

الحراك السياسي
يتعلق مجال حراك المرأة الفلسطينية السياسي بالحراك السياسي للمجتمع الفلسطيني ككل. فقد قلصت الدولة العبرية العمل السياسي ومنعت الأحزاب وحراكها الطبيعي. فلم تكتفِ إسرائيل بممارساتها خلال النكبة وانما فرضت على الفلسطينيين في الداخل حكما عسكريا استمر رسميا لغاية عام 1966 منعت وراقبت وعاقبت خلاله أي حراك سياسي فلسطيني مستقل. وما زالت تلاحق العمل السياسي الفلسطينيّ الى اليوم، الأمر الذي انعكس بوضوح في حظر الجناح الشمالي للحركة الإسلامية وفي الملاحقات المستمرة لقيادات ذلك الجناح ولقيادات التجمع الوطني الديمقراطيّ.

في هذا الواقع نرى المرأة الفلسطينية داخل الخط الأخضر، وخلافا لأختها في الدول العربية التي بدأت حراكها أمام دولتها الوطنية منذ الخمسينيات، لم تعد إلى بناء مؤسساتها الا في بداية التسعينيات، فقد كانت إقامة الجمعيات النسوية المختلفة في الناصرة وحيفا ولاحقا في مدن وقرى عربية مختلفة، مرحلة تمهيدية أو وسيطة بين خروج المرأة من حيزها الخاص ومن الانخراط السياسيّ غير المؤثر على صنع القرار وبين دخولها المعترك السياسيّ الحزبيّ من باب

صنع القرار، حيث وجدت أنه من الأسهل ان تدفع بأجنداتها السياسية النسوية داخل أطرها المستقلة بدلا من القيام بذلك داخل الأحزاب السياسية، رغم ان مشاركتها بالأحزاب السياسية قد بدأت من قبل ذلك بسنين طويلة.

ولم يكن صدفة أن تدخل اول امرأة فلسطينية للبرلمان الإسرائيليّ كممثلة عن حزب وطني عام 2009 على الرغم من أن التمثيل الفلسطيني داخل الكنيست بدأ منذ عام 1948. وقد فرض وجود البرلمانية حنين زعبي كممثلة عن التجمع الوطني الديمقراطي تحديا أمام الأحزاب الأخرى، ولاسيما أن حضورها أدخل زخما كبيرا ليس فقط للعمل النسوي وإنما للعمل السياسي عامة من خلال سياساتها المواجهة بجرأة للمشروع الصهيوني وللمنظومة الذكورية الفلسطينية على حد سواء، مما عزز من تمثيل النساء داخل البرلمان في الأحزاب الأخرى الأمر الذي وصلت ذروته في الانتخابات الأخيرة من خلال تمثيل القائمة المشتركة بـ 4 عضوات من أصل 15.

لا يمكن الاحتفاء بتمثيل النساء الفلسطينيات داخل البرلمان دون التأكيد أولا على فضل الأطر النسوية خارج الأحزاب والناشطات النسويات الحزبيات، فضلا عن بعض القيادات التقدمية في دفع التجمع الوطني الديمقراطي، إلى تخصيص مقعد واحد على الأقل بين كل ثلاثة مقاعد في قائمة المرشحين للبرلمان للنساء، كما ولا يمكننا تجاهل حقيقة أن نسبة التمثيل النسائي في الكنيست الإسرائيلي ما زالت ضئيلة وأن أحزابنا بعضويتها وبقيادييها وبمؤسساتها ما زالت ذكورية بشكل كاسح، ودون الإشارة إلى أن نسبة تمثيل النساء في العمل المحلي، والذي من المفروض ان يكون الحلقة الأولى والأسهل منالا من حيث التمثيل، ما زالت أكثر بكثير من هامشية، ولا أقصد عدم تمثيل النساء في رئاسة السلطات المحلية حيث النسبة تكاد تكون صفرا، وإنما في عضوية المجالس المحلية. إذ وعلى رغم التطور الذي شهدناه في السنوات الأخيرة والناتج عن عمل الأطر النسوية، ما زال عدد النساء في هذه المجالس لا يتعدى العشرين امرأة أي لا تتعدى نسبتهن الـ 3%.

لا يمكن أن نرى مسألة اقصاء النساء عن التمثيل السياسي كشأن اجتماعي ذكوري بحت، إذ لا يمكن أن نفهم هامشية تمثيل النساء بمعزل عن قراءة الدور الهامشي للرجل الفلسطيني في السياسة وأمام السلطة الإسرائيلية. ولذا فليس صدفة ان نجد تمثيل النساء في البرلمان أعلى بكثير من السياسة المحلية، حيث دور النائب الفلسطيني في البرلمان هو تمثيل الفلسطينيين أمام مؤسسة معادية من خلال عمله في المعارضة، وأما السلطة المحلية فهي في حالتنا، الفلسطينيون الذين يعيشون في وطنهم ولكن دون دولتهم، الموقع الوحيد الذي يجدون به أنفسهم مسيطرين على موارد ماديّة ورمزيّة، وان كانت هامشية من حيث ميزانياتها ومكانتها مقابل الميزانيات الأخرى في إسرائيل.

لا تتسع هذه المقالة للخوض بالعمل السياسي النسائي في تيارات فكرية وسياسية مختلفة، إلا أنه من المهم الإشارة ان الفاعلية النسائية تقطع الأحزاب وتقطع التيارات الفكرية وإن اختلفت توجهاتها. فبينما تشدد الأطر النسوية على المساواة الجندرية وعلى التمثيل النسائي فان النساء في الأطر الإسلامية تشدد على العدل وليس على المساواة ولا تسعى في سياساتها بشكل جماعي وواضح إلى التمثيل كما في الحراك النسويّ، دون أن يعني ذلك أن حراكها ليس سياسيا، حيث تنشط النساء وتؤثر في الأطر الإسلامية المختلفة الدعوية والاجتماعية بشكل خاص. وفي حين تقوم الأطر النسوية على دفع التمثيل النسائي وعلى تعزيز وجود النساء في مواقع صنع القرار، فإن المؤسسة الإسرائيلية بملاحقتها للأحزاب وبحظرها العمل السياسي الذي يتخطى حدود “المسموح” لديها فانها تعيق هذا التطور.

هل تدخل المرأة إلى حيز سياسي أم إنها تغيره؟

يكمن التحدي في دخول النساء حين يرتبط دخول النساء بمناهضة قيم محافظة حول دور النساء وكذلك بمناهضة قيم محافظة في السياسة، بمعنى أن هنالك تعاملين لدخول النساء في الحيز السياسي، أو لأي حيز كان، دخول مناهض لمباني القوة الجندرية وآخر مناهض للأداء السياسي التقليدي، حيث يتعامل الأول مع دخولهن بحمولتهن الفكرية الخاصة، بتجربة النساء وبفلسفتها في الحياة، كنوع اجتماعي يبني علاقته مع الحياة وإدراكه لها ولصراعات القوة من باب النضالات التي تخوضها يوميا ومن باب تجربتها هي مع علاقات القوة وفهمها هي لديناميكيات التغيير وللعلاقة بن السياسي والاجتماعي. ونرى أن المرأة لا تتبنى ذلك الفرز المصطنع بين الحيز العام والحيز الخاص، فصراعاتها الشخصية والفردية تراها جزءا من مهمة التغيير التي تحملها معها في الحيز العام، مما يهدد “الأمن المجتمعي والحزبيّ” في نظر القيادات التقليدية.

بالتالي يتوقف “نجاح” دخول النسائي – المختلف في حمولته- لقيادة المعترك السياسي –حالما تخطين حاجز الدخول-ليس فقط على الحواجز التقليدية لتهميش المرأة، وليس فقط على صراع امرأة-رجل، بقدر ما هو صراع بين أنواع مختلفة من الأداء السياسي ومن التعامل مع الحيز السياسي نفسه، لكن تستخدم فيه نفس أدوات الاستخفاف بقيادة المرأة، وذلك للتغطية على النقاش السياسي الذي تحمله، كأن توصف مثلا بـ”العاطفية” أو “باللاواقعية” أو “المتهورة”، أي باستخدام نفس الخطاب التقليدي الهازئ بقدراتها. تجلّى ذلك بصورته المثلى في التعامل مع القائدة حنين زعبي.

سرعان ما سيتضح أن أولئك اللواتي دخلن من باب مقاربات أخرى للسياسة، أي من باب تطوير العلاقة بين السياسي والاجتماعي داخل الحزب، أو حاولن الشد نحو أداء مغاير أكثر تحديًا للسلطة الإسرائيلية أو للسلطة الاجتماعية للحزب حوربن وحوصرن داخل أحزابهن. مما يعني، أن دخول المرأة للسياسة مشروط ليس فقط قبل دخولها، لكنه يبقى مشروطا بألا تعطي أداء سياسيا أو اجتماعيا مختلفا نوعيا عن الأداء السائد، أي عكس المردود المأمول من دخول المرأة للحيز السياسي، ألا وهو ارتقاء وتطور الحيز السياسي نفسه وليس فقط ارتقاء للمرأة.

بالتالي يتحول التعامل مع القيادة النسائية الحزبية غير التقليدية لا سياسيا ولا اجتماعيا من ورقة قوة توسع جماهيرية الحزب وترتقي بسمعته كـ”تقدمي” إلى عبء على القيادات التقليدية للحزب. ذلك جانب من جوانب الديناميكيات المعقدة لدخول المرأة للحيز السياسي، حيث يطلب منها أن تدخل دون حمولتها الفكرية والاجتماعية الخاصة بها، مما يعني خسارة فادحة للطرفين.

ذلك يعني أن ديناميكيات دخول المرأة للسياسة معقدة أكثر من مجرد ظهورها العددي، وقد يوصلنا هذا المشهد لسؤال متشابك: هل يدفع دخول النساء للمعترك السياسي بظاهرة دخول النساء بكل حمولتهن النوعية المختلفة، أم يكون دخولهن رادعا للأخريات بسبب الحروب التي يضطررن لخوضها؟

يبدو جليا أن معركة النساء هي معركة تتوسع وتتعمق مع كل ما تحرزه من منجزات، وذلك لأن قوى الهيمنة والسطوة تعيد إنتاج أدواتها وحنكتها وعمق سطوتها مع كل تهديد لها.