الوضع الوبائي في تونس
الحالات
89٬196
الوفيات
2٬862
مريضة حاليا
22٬488
حرجة
297
الحالات التي شُفيت
63٬846
أخر تحديث بتاريخ 11/24/2020 الساعة 2:09 ص

بشارة تقلا.. إلى بيروت ودمشق أواخر أيام مدحت باشا عام 1880

استكمالاً لمقالنا السابق عن رحلة الصحافي الفرنسي غابريال شارم إلى سورية بصحبة الصحافي بشارة تقلا؛ نقدم في ما يأتي الرحلة كما كتبها تقلا ونقل فيها انطباعاته عن أوضاع ولاية سورية في الأيام الأخيرة من ولاية مدحت باشا. وبشارة تقلا من مواليد كفرشيما في جبل لبنان في عام 1852، وهو شقيق سليم تقلا، وشريكه في تأسيس جريدة الأهرام عام 1875 في الإسكندرية. وذكر تقلا في رحلته التي نشرها في “الأهرام” على حلقات باسم “رحلة سوريا”، أنه التقى بشارم في بيروت بناءً على اتفاق مسبق بينهما.

ووصف شارم بأنه “أحد كتبة جريدة الـ”ديبا” الشهيرة إفرنسي جمهوري السياسة، وله أخوان أحدهما فرنسيس الكاتب البليغ في الجريدة عينها، ومترشح في هذه السنة لأن يكون في عضوية مجلس النواب، والثاني متوظف في نظارة المعارف”. بدأ تقلا رحلته من الإسكندرية في التاسع من نيسان (إبريل) 1880 على متن سفينة روسية كانت تعاني قلة النظافة وسوء الخدمة وعدم الانتظام، ووصل إلى بور سعيد التي يتنبأ بأنّ هذا الثغر سيبتلع أشغال الإسكندرية، لأن معدات تسهيلاته وافرة، وموقعه الجغرافي مناسب كل المناسبة، كما قال.

ثم يتحدث عن توقف السفينة في يافا لعدة ساعات، ويصف هذه المدينة الساحلية الفلسطينية بأنها “ذات مرفأ خطير، وأن نوتييها مشهورون بالمهارة في صناعتهم وبسوء معاملتهم للركاب”، ويضيف: “نزلنا إلى البر مدة وقوف الوابور ولم نتبين في داخليتها إلا أسواقاً قذرة حرجة وليس فيها جمرك لإحراز البضاعة، وترى الأهلين قد قنطوا من الحصول على الإصلاح بعد وفرة المواعيد غير المنجزة، وما يرونه من سلوك المستخدمين فإن القسم الأكبر منهم لا يسأل إلا عن مصلحته الذاتية، على أن المجلس البلدي لم ينشأ إلا ليكون اسماً بلا مسمى إذ لا يأتي بأقل فائدة، والخلاصة أن التشكي عام والحالة تقتضي الالتفات والإصلاح”.

وبعد أن يكتب سطوراً متحسرة على وضع هذا البلد الذي ينخره الفساد، يخبرنا أنه توجه إلى بيروت وكان يرى البر على يمينه مزداناً بمدن الشواطئ كحيفا وصور ورأس العين، مشيراً إلى وجود أرض مخصبة وسهولاً شاسعة جيدة التربة، ولكن فقد الأمن رفع عنها الأيدي العاملة وبدد شمل أولي الغنى.

دفاع عن التعليم بالعربية

يصل تقلا إلى بيروت، فيهبط في مينائها ويلبث هناك يومين حتى يلتحق به صديقه شارم، فيذهبان معاً إلى المدرسة الكلية، أي الجامعة الأميركية فيما بعد، حيث يقابلان رئيسها الدكتور بلس الذي أخذ يريهما أمكنة التدريس حتى وصلا إلى المرصد الفلكي حيث الدكتور فانديك، وهو رجل إفرنجي نبغ باللغة العربية، كما يقول تقلا، فأحرز فيها ما لم يحرزه غير قليل من أهلها، وقد خدم البلاد من الخدم أجلها، فألف بها الكتب العديدة في علوم متفرقة، وبالاختصار أحيا ربوع سوريا من العوم ما درسته السنون، وله فضل لا يطويه الزمن، كما يقول تقلا. ويصف لنا موقع المدرسة بأنه غاية في جوة الهواء، ومن قوانينها ونظامها أن لها حقاً شرعياً بإعطاء تلامذتها شهادة بكالوريوس عن العلوم، ودكتور عن الطب، ويستغرب ذهاب طلابها إلى عاصمة السلطنة للامتحان بعد أن ينهوا دراستهم.

ويلفت بشارة تقلا إلى أنه سمع من إدارة هذه الجامعة أن في نيتهم أن يبطلوا التعليم باللغة العربية ويستبدلونها بالإنكليزية ليتمكن التلامذة من إتقان اللغة الغربية فتجتمع فائدة الطرفين عدا ما يتناولونه من لغة القوم من الفوائد. ويعلق على ذلك بقول: “إنا نرى أن ذلك ضربة قوية على لغتنا إذا أصر الأساتذة على هذا، ولا سبيل لنا أن نعوض ما نخسره حينئذ بغير انعكاف أولئك المترشحين إلى ترجمة الكتب رويداً رويداً، غير أنه لما كانت حكومتنا لا تعضد مثل هذه المشاريع مادياً أو أدبياً فلا ننتظر إذاً غير مطلق التأخير ما تندفع الأساتذة أو التلامذة إلى طبع ما يترجم بالقسط من فضلات القوم”.

بعد ذلك يزوران المدرسة اليسوعية ومطبعتها ثم مدرسة الحكمة المارونية، ثم المدرسة اللعازرية ويختمان هذه الجولة بزيارة المدرسة البطريركية للروم الكاثوليك، حيث يلفت نظر القائمين على هذه المدرسة إلى ضرورة قصر تعليمهم على اللغة العربية، وأن يبتعدوا في تدريسهم عن الخوض في الخلافات بين الكوفيين والبصريين، ويلتفتوا إلى تدريس التلامذة في الكتب التاريخية المفيدة كابن خلدون، ويدربوهم على الخطب الارتجالية كما هو جارٍ في المدرسة الكلية (الجامعة الأميركية). ويلفت تقلا النظر إلى وجود شركتين في بيروت إحداهما فرنسية للعربات على الطريق الموصل بين بيروت ودمشق الشام، والثانية إنكليزية لتوزيع ماء نهر الكلب على المدينة، ويقول إن هاتين الشركتين حافظتا على مبادئهما المعروفة، فإن الأولى فيها كثير من المستخدمين الوطنيين، والثانية لا ترى بها غير إنكليزي واسع القباء.

 الطائفية مشكلة بيروت

ويقول: “صادف وجودنا في بيروت حادثة انتخاب المجلس البلدي واستعفاء حضرة رئيسه الهمام فخري بك الذي لم يشتغل لغير المصلحة العامة، ولم يكن فاعلاً بذلك التغيير غير روح التعصب الشرقي الذي إلى الآن لم نتمكن من أن نستعاضه بالوطنية. وقد أخبرنا مكاتبنا بأن قد رجع الرئيس إلى الرئاسة بعد الرجاء له فأملنا أن نرى بالأعضاء ما نرى بغيرهم من الالتفات إلى الوطنية والعمران لتكون نتائج الانتخابات حسنة وأن تقتدي أغنياء البلدة بالرئيس، أي أن يلتفتوا إلى ما لهم إذا لزم الأمر لتصليح حال البلدة بالرئيس، أي أن ينفقوا من مالهم إذا لزم الأمر لتصليح حال البلدة ومناخها بتزيين ساحاتها وتنظيفها ورش الطرق وأن يترك القوم حبل الترفض المذهبي الذي هو سبب اضطراب حكومات الشرق أجمع وقد زرعه رؤساء المذاهب المختلفة تأييداً للسلطة الدينية وبذره الحكام تأييداً لأغراضه في زمن لم يكن للمبادئ الحقة من نصيب، فاتصلت فروعه إلى أن صار الخلف بين الطوائف التي هي من مذهب واحد وبين الحكام الذين هم على شاكلة واحدة، فبعدت الوطنية، وانحلت العصبية في بقعة هي مملكة واحدة لم أرَ ما يجمعها إلى الوحدة غير التمسك بتلك السياسة التقليدية المذهبية السياسية”.

وبعد ذلك يتحدث تقلا عن حالة الأمن الجيدة التي هي من تنظيمات مدحت باشا، حيث إن رئيس الضابطة يدعى فوزي أفندي، أحد الشبان المتنورين، وقد أرضى الأهلين بحسن تصرفاته. ويضيف قائلاً إن في مدينة بيروت جرائد عديدة، وأهلها منصبّون على معرفة الأخبار السياسية واستطلاع مكنوناتها، ولهم إقدام على الاتجار، بحيث لم يتركوا مكاناً من العالم المتنور دون أن يكون لهم به قدم، وذلك مما يستدل به القارئ على استعداد هذا العنصر إلى التقدم والظهور مهما عاكسته النوائب ودافعته الموانع.

 في جبل لبنان

بعد الطواف على بيروت يصعد بشارة تقلا وغابريال شارم إلى جبل لبنان، وهناك، وعلى مأدبة دعا لها رستم باشا متصرف جبل لبنان، التقيا “المدعوين: قنصل جنرال فرنسا وغيره من فرنساويي بيروت، والمسيو تورشي مأمور سفارة فرنسا الحربي الذي أتى من الأستانة للتجول في أنحاء سوريا، مقابلة لمجيء المسيو لايارد، كإنذار لحكومات الشرق بأن لا تتهور بالميل إلى جهة دون أخرى، كي لا تزلّ القدم ويكون للسياسة مضمار تلعب فيه الخيول الأدبية طلائع لغيرها”.

ووصف تقلا المسيو تورشي بأن “له مزية في تفقد الأحوال واستطلاع خفايا الأميال، قوي الجأش مسموع الكلمة ومن المقربين إلى عظمة السلطان”. ويذهب رحالتنا إلى منطقة الحدث، وهي مركز المتصرفية، حيث التقيا موريل بك قائد الجيش، ويشير إلى أن “عساكر الجبل أشداء البنية حسنو الصورة تلوح على وجوههم لوائح الفراسة والشجاعة، وكان عليهم صاحب العزة سليمان بك شقير، وهو من الأذكياء النبهاء. أما الجندي فراتبه 26 فرنكاً شهرياً وهناك ضبطية منظمة كالعسكر، وراتب الواحد 20 فرنكاً شهرياً”.

ويشير إلى أن مركز المتصرفية هو بيت الدين صيفاً وساحل بيروت شتاءً، وقد أقام رستم باشا على حدود المتصرفية جنينة تقصدها عائلات بيروت تصدح فيها الموسيقى يومين في الأسبوع. ويحصي تقلا عدد المدارس في الجبل فيقول: “كانت 263 مدرسة بين تجهيزية وابتدائية تحتوي 7762 تلميذاً و598 تلميذة يدرسون مع العربية، الفرنسوية والإنكليزية عدا ما هو محدث من المدارس”. وذلك ما يدل على انتباه اللبنانيين للتخلص من الحالة السابقة والتقدم إلى معارج المعارف وليت المسألة تختتم بتعميم تعليم القراءة. وكان من نية الحاكم أن يجعل في كل قائمقامية سوقاً ترويجاً لحركة الأشغال وإيجاداً لأسباب المكسب، وهو عمل مفيد إذا قرن بإيجاد مجالس بلدية ذات قوانين محكمة لا كمجلس زحلة، فهو مغلول اليدين لا يمكنه الإتيان بعمل..”. ويلفت النظر إلى أن تجارة الجبل معظمها الحرير والزيت، فإن عليها رواج الحركة، وقد كان هذان الموسمان في هذا العام جيدين واستبشر الأهلون بإقبال موسم الحبوب أيضاً. وفيه معامل عديدة للحرير والصابون وعصر الزيتون وللأهلين نشاط في العمل، ولهم ميل غريزي إلى الأسفار والاتجار، فلا ترى منهم مكاناً خالياً، كما يقول.

في رحاب دمشق

ويصل بشارة تقلا وغابريال شارم إلى دمشق، فيكتب تقلا متغنياً بجمالها ومحاسنها: “هي دمشق جنة سوريا وعدنها، وقد ذهبنا إليها ووجدنا على مقربة من مدخلها بعض الأصحاب لنا بالانتظار، معدين لنا الركاب فنزلنا وأخذنا نخترق بطن وادٍ لا يسمع فيه غير خرير ماء وصدح بلابل، إلى أن أشرفنا على المرجة الفيحاء وهي مسرح فسيح أحاطت بجوانبه الأشجار وانسلّ فيه نهر بردى بمائه الفضي انسلال الأفعوان. ومن هنالك إلى لوكندة ديمتري، ومع أنها هي الوحيدة في دمشق، فقد أحكم صاحبها نظامها وخدمتها وترتيبها”.

ويضيف قائلاً: “بالعموم فدمشق غوطة وجنات تجري من تحتها الأنهار تنقل إليها من فاكهتها سائر الأقطار وتربتها غاية في الخصب غير أن أسواقها ضيقة، وأرضها على غير انتظام وقد كان من نية مدحت باشا فتح شارع متسع يخترق البلدة على طولها فرأى من الأهلين عدم الموافقة لما تضطر أن تخسره من أملاكها فكثرت الحرائق في داخلية البلدة وقيل إن ذلك بإيعاز”. ويشير تقلا في حديثه هذا إلى الشارع المستقيم الذي كانت تشغله الأبنية المخالفة وتغلقه بطريقة عشوائية أدت في ما أدته إلى استيطان بعض الأمراض فيه، إلى أن أُحرِق في مطلع عام 1879، ما سمح للوالي بفتح الطريق بين حيَّي باب الجابية وحيَّي باب شرقي وباب توما، وهو الشارع الذي يسمى اليوم سوق مدحت باشا.

وعرَّج تقلا في معرض وصفه لمدخل المدينة، على “جنينة الملة” التي “بدأ بإنشائها دولتلو صبحي باشا، ورممها دولتلو جودت باشا، وأحسن قيامها أبهتلو مدحت باشا، وهي جنينة متسعة تهندست على الذوق الإنكليزي، وقد حضر إلى هنالك جوق مشخصي الروايات العربية وعسى أن يتقدم هذا الفن”. وذكر أن أهالي دمشق “أميل إلى اللهو من المطالعة، وأميل إلى الانشراح من الوقوف على حقائق الأخبار، فخصصوا مثلاً يوم كذا لمكان كذا، وآخر للمنتزه الفلاني، حيث يجتمعون من الجنسين لقتل الوقت، وأما أدبياتهم فعلى جانب مهم من الظرف ورقة الطبع وطيب المعاشرة ولنسائهم من شهرة الجمال وحسن الخلق ما يقصر عنه الوصف”.

وبعد أن ذهب تقلا وشارم لزيارة الأمير عبد القادر الجزائري، وشاهدا منه فوق ما سمعاه من الدعة وقوة الجأش وسرعة الخاطر، كما يقول زارا مدرسة الصنائع التي أنشأتها اللجنة الخيرية التي أمر بتشكيلها مدحت باشا وكان بها نحو مائة تلميذ يكتسون ويأكلون وأكثرهم من الأيتام.

البيوت الدمشقية المذهلة

ثم يحدثنا تقلا عن زيارته ورفيقه لبعض البيوت المتقنة كبيت الشامي وبيت شلهوب ولزبونا وشمعايا والإسطنبولي، وهي كما يقول من أحسن بيوت الشام قد أفرغت الخزائن على نقشها بالذهب ويقول إنه شاهد من رقة أصحابها ما أكد لطف الدمشقيين. وبيت شلهوب المذكور هنا هو بيت جد الممثل عمر الشريف، أما بيت الإسطنبولي فهو بيت والد أول طبيبة سورية درست في الولايات المتحدة، وهي الدكتورة ثبات الإسطنبولي الشهيرة عن التعريف.

ويسترسل تقلا في وصف جمال النساء اللواتي صادفهن في طرقات الحيّ اليهودي، قائلاً: “أما المنظر في حارة اليهود ذلك اليوم فكانت جامعة من الحسن شقتيه، وقد برز الجنس اللطيف منتشراً بين تلك الأماكن من أفراد وعشرات يتهن بطراطق من الجمال خلنا أننا منهن في تيه، وقد عقدن على مياسمهن ألوية الدلال وتختمن بخواتم الملك على القلوب بأعين ريشها الهدب، تشق الكبود قبل الجلود، وعقارب أصداغ ليس يشفى من لسعها وأجياد لم نتبين منها عاطلاً من مطوّق. وزارهما بعد ظهيرة ذلك اليوم “عزتلو واصف أفندي مأمور بوليتيقة سوريا من قبل أبهتلو مدحت باشا”، واصطحبهما لمقابلة “صاحب الأبهة” الوالي.

وقبل أن يصلا إلى الوالي زارا الجامع الأموي بصحبة عدد من رجال البوليس فدخلاه متعجبين من إحكامه، وصعدا المئذنة فبان لهما منظر بضيق عن البيان كما يقول، شاهدا منه دمشق وضواحيها لأن الجامع في منتصف البلدة كما يقول. ويشدد على أن لدمشق مزية في صنع المنسوجات الحريرية والقطنية، وهي، كما بقول، صنعة شريفة تصحبها السعة في الرزق والبسطة في العيش لو نزع الأهلون إلى استخدامها كما تقتضي المبادئ الوطنية، ولو التفتت الحكومة إلى توسيع نطاقها وتشجيع محترفيها، إذ يستحيل نجاح أي عمل وطني ما لم تعضده الحكومة، لا سيما في بلاد ليس لها جمعيات تحث على وجوب الائتلاف واجتماع الكلمة، بل هناك مناظرات نفسانية منشؤها التشيع المذهبي الذي يفضي بصاحبه إلى التأخر التام والانحطاط الدائم. كما يقول.

انتقاد للفساد

وحول حال النظام في المدينة يقول تقلا: “أما حال الحكومة فحدث ولا حرج فالنظام فقيد، والإدارة سيئة، والرشوة سائدة يتقاضاها الموظفون تقاضي الحرفة. وللمجلس البلدي حال لا تشابهها حال، وليته يستفيد من مجلس بيروت البلدي وحضرة رئيسه مبدأة وغيرة”. ويقول: “مما شاهدناه من آثار دمشق قاعة فسيحة في منزل المرحوم عبدالله بك العظم، وإنها لقاعة أخذت الهندسة والإتقان وإحكام التفنن فيها المأخذ الأتم، وجميعه على الذوق والعربي البحت، وتاريخ ذلك نحو 130 سنة، على أن صاحب المنزل أقام بيتاً بذل آلاف الليرات في بنائه وأتى على ذوق مختلط بين تركي وإفرنجي وترك العربي، وقد كان يحسن به أن يرمم القديم، فإنه أجل وأفضل”. بعد ذلك يشير إلى أسقف الطائفة السريانية الكاثوليكية حيث يصفه بأنه “من أصدق مؤرخي الشرق، وله في فن التاريخ والعلوم الرياضية واللغات الباع الطولى، فجالسناه أكثر من مرة وعرفنا ما انطوى عليه من حسن الصفات سعة المعرفة، ولعلنا لا نخطئ إذا قلنا إنه أعلم أسقف شرقي”.

مدحت باشا اليائس

وقبل أن يبارح تقلا ورفيقه دمشق قابلا مدحت باشا مرة ثانية، ودار بينهم حديث خاص، امتنع تقلا عن نشره، ولكنه علّق بالقول: “إني مضرب صفحاً عن نشر خلاصته، ولكني لا أنكر ما لأبهته من نبالة المقاصد، وسمو المدارك، وليته سار الهوينا في خطته، فإن العجلة أوقفت الحركة”. ومن المؤكد أن بشارة تقلا لم يكتب عن كل ما يخص زيارة سورية، نظراً لحساسيات القضية، إذ إنه أجَّل نشر هذه المقالة إلى ما بعد رحيل مدحت باشا بأسبوع.

ومن المرجَّح أنه تعرف في هذه الرحلة إلى أبي خليل القباني حين زار مسرحه الصيفي في “جنينة الملة”، ولكنه لم يعلّق على هذه الزيارة إلا بكلمات تشجيعية مقتضبة. وفي اليوم التالي ودع تقلا وشارم دمشق وغوطتها النضرة، وسارت بهما المركبة تخترق السهل والحزن حتى وصلا إلى شتورة ومنها حوّلا السير صوب مدينة بعلبك، فاجتازا سهلاً مخصباً كان يسمى في أزمان الرومانيين كبد سوريا، كما يقول، وهو سهل تشقه مياه الأنهر وتخصب فيه المزدرعات، ولكن الإهمال أفقده نظامه، فالزراعة فيه ما زالت على ما كانت عليه من القدم تجري مجرى التقليد دون رعاية الإصلاحات الجديدة والمخترعات الزراعية المفيدة، وقد أنشأوا في السهل المذكور سكة للعربات تؤدي إلى بعلبك من زحلة وأنفقوا المال الوافر في إنشائها، وحمّلوا الأهلين ما لا يطيقون، وليتهم أنفقوا منها أو أتموها، كما قال. بعد ذلك يصف لنا مدينة بعلبك ثم زحلة قبل أن يعود ورفيقه إلى بيروت حيث يتوجه شارم إلى باريس وهو يعود إلى الإسكندرية.