فيلم "فتح اللّـه تي-في" لوداد الزغلامي في قاعات السينما انطلاقا من يوم 9 سبتمبر: على خطى 3 أيقونات موسيقية من جبل الجلود

في فيلمها الوثائقي الجديد “فتح اللّـه تي-في” الذي سينطلق عرضه في قاعات السينما بداية من يوم الاربعاء 9 سبتمبر 2020، طرقت المخرجة وداد الزغلامي أبواب جبل الجلود، هذه الضاحية المهمشة للعاصمة، طرقتها اجتماعيّا وفنيّا في محاولة لتسليط الضوء على واقع 3 موسيقيين هم على التوالي “تيڤا بلاك’نا” و”بازامان” وحليم اليوسفي (ڤولترا) بكل ما في الكلمة من مقاومة وتمرّد وتعلّق لا متناهي بالموسيقى.

يكتسي الزمن أهميّة قصوى في هذا الفيلم الوثائقي الذي انطلق تصويره سنة 2007 بحمام الاغزاز وتطلب إنجازه قرابة 12 سنة اذ يكشف الفيلم مقترنا بعامل الزمن صعوبة نضج المسارات الفردية والفنية في حي شعبي مهمّش. نرى الثالوث الموسيقي في بداياته مستنبطا كلماته الثائرة وأنغامه المتمردة ثم انعطافات الطريق وارتداداته بما فيها من وصم اجتماعي وسجن وإيقاف وتهميش وصمود متزامن دائما بالفعل الفني البديل. من هذا الزمن المتعاقب وأطواره المختلفة، صنعت المخرجة معنًا لشخصياتها ووهبت فيلمها روح أيقونات تمسكت بالفن الذي يسكنها رغم كل الاستحالات. 

fathalah trio - فيلم "فتح اللّـه تي-في" لوداد الزغلامي في قاعات السينما انطلاقا من يوم 9 سبتمبر: على خطى 3 أيقونات موسيقية من جبل الجلود

وبالتوازي مع الشخصيات الرئيسية للفيلم وعوالمهم المقربّة من عائلة وأصدقاء الذين عبروا هم أيضا عما يخالجهم من خيبات وعما يعانوه من تهميش اجتماعي في منطقة لا تبعد عن العاصمة “سوى محطتين”، مدّت المخرجة كاميراها الى جغرافيا المكان، الى الزقاق المؤدي الى منزل “تيڤا بلاك’نا” والمعبّر عن عبثية الأشياء، الى بطحاء “زاقون” التي باحت بحجم التهميش الاجتماعي، ثم الى ساحة العاطلين عن العمل التي اكدت مدى التهميش الاقتصادي، أما حي الـ”7 زناقي” ففضح التهميش المعماري.. وقد بادرت مديرة دار الثقافة بدعوة عدد من الفنانين لرسم جداريات ملونة في الحي في محاولة لزرع الانشراح في النفوس غير انّ الشوارع ظلّت على حالها مُرقمّة بلا أسماء وشاهدة على تهميش الهويّة، وظلّت المشاهد البانورامية عاكسة أكوام جبال العجلات المطاطية و”الخرب” المختلفة التي تزاحم أعالي البناءات الفوضوية والافق المعلّق. كلها شواهد أعطت للفيلم عمقه الاجتماعي، ليبان الفنانون الثلاثة كمثل تلك الاساطير التي نحتت وجودها في العدم. 

fathalah paza2 - فيلم "فتح اللّـه تي-في" لوداد الزغلامي في قاعات السينما انطلاقا من يوم 9 سبتمبر: على خطى 3 أيقونات موسيقية من جبل الجلود

إقرأ أيضا

║ليس من السهل أن تضفر خصلة الموسيقى بخصلة التهميش مع خصلة السيرة الذاتية

حتى تنساب جديلة السينما بطلاقة على كتفي الواقع…

ذلك ما توفقت فيه المخرجة وداد الزغلامي في فيلمها الوثائقي “فتح اللّـه تي-في”║

ومع المشاهد السينمائية المنتصرة لهذه الحيوات المتفردة والتي نقلتها “تلفزة فتح اللّـه” بكثير من الحب، تضمن الفيلم مشاهد صوتية تعالت فيها نبرات “بيبان حديد” لـ“تيڤا بلاك’نا” و “بلاد اخر الزمان” لحليم و “بلاد عزيزة حكموها الفساد” لبازامان.. موسيقى متغلّبة على العثرات والموانع، هذه التي تصنع الربيع والفرح في عقر الألم. غير انّ الكثير ممن لم تسعفهم الحياة وممن ظلّوا على الهامش، سيلازمون الظلام والسجون، إدارة السجون التونسية مثلا لم تتفاعل مع المخرجة وداد الزغلامي لتسمح لها بلقاء أحد الشبان المحبوسين الذين ظهروا في بداية الفيلم، بينما تعطي سجون من الضفة الشمالية الحق لنزلائها بالتحدث للكاميرا وبممارسة الموسيقى كحق أدنى من الحقوق.

fathalah wided tiga - فيلم "فتح اللّـه تي-في" لوداد الزغلامي في قاعات السينما انطلاقا من يوم 9 سبتمبر: على خطى 3 أيقونات موسيقية من جبل الجلود

هذه المفارقات والعبثيات أبرزها الفيلم معيدا في كل مرّة الكلمة لـ“تيڤا بلاك’نا” و لبازامان و لحليم اليوسفي ليتحدثوا بخفة نفسهم المعهودة عن متنفسهم، عن موسيقاهم. كل على طريقته يروي شيئا من تونس الاستحالة، من تونس الوعرة وابنائها الصامدين. كل يصنع لنفسه ركحا خاصا بعيدا عن ركح المدينة العقيم، فضاء للتعبير عن الذات وويلات الطريق بكثير من الصدق. فالفن اذا ما نبض من الدواخل سيتوفق في الخروج من نفق المستحيل.

شيراز بن مراد

قد يعجبك ايضا