الاستدانة في تونس… انكماش قروض الأفراد مع تراجع المداخيل

كشف التقرير السنوي للبنك المركزي التونسي مؤشرات جديدة على تغير علاقة التونسيين بالقروض، حيث سجلت عمليات الاقتراض الإجمالية للأفراد انكماشاً لأول مرة منذ سنوات بعد أن ارتفعت 117 في المائة منذ سنة 2010، وأوقعت نحو 20 في المائة من التونسيين في فخ الديون.

وبيّن تقرير البنك المركزي الأخير أن التونسيين أحجموا عن الاقتراض في 2019 حيث لم تتجاوز الزيادة في الاستدانة الإجمالية للأفراد لدى المصارف 0,4 في المائة مقارنة بعام 2018 التي زادت فيها القروض 5,5 في المائة مقارنة بالعام الذي سبقه.

وبلغت القروض الإجمالية للأفراد وفق البنك المركزي 24 مليار دينار أي نحو 8.8 مليارات دولار في سنة 2019 مقابل 23.9 مليار دينار ما يعادل 8.7 مليارات دولار في العام السابق.

وفسّر الخبير المالي صادق جبنون عدم إقبال التونسيين على القروض بوصول الأسر والأفراد إلى الحد الأقصى من الاستدانة، حيث لم يعد يسمح لهم بطلب قروض جديدة معتبرا أن هذا المؤشر دليل على فقر المواطنين وتراجع قدرتهم على الاستهلاك.

وقال جبنون لـ”العربي الجديد” إن التونسيين يقترضون لتمويل شراء المساكن والسيارات والتجهيزات الأساسية وهي مقتنيات لم تعد متاحة لجزء كبير منهم بسبب تراجع المداخيل وارتفاع الأسعار، مؤكدا أن مداخيل الأسر أصبحت تموّل الحاجيات الأساسية فقط وهي أساسا الإيجارات ونفقات الغذاء والدراسة. واعتبر الخبير المالي أن انكماش قروض الأفراد مؤشر على الصعوبات الاقتصادية التي يعاني منها التونسيون الذين جابهوا طوال السنوات التسع الماضية احتياجاتهم عبر الاستدانة.

ورجّح المتحدث أن يتواصل انكماش قروض الأفراد في السنوات المقبلة نتيجة تداعيات أزمة كورونا التي أفقدت نحو 270 ألف تونسي وظائفهم وسط تعطل محركات الاستهلاك فضلا عن الارتفاع الصاروخي في أسعار العقارات والسيارات.

إقرأ أيضا

وبحسب البيانات الرسمية للبنك المركزي، تحتل قروض الاستهلاك المرتبة الأولى في أصناف القروض التي حصل عليها التونسيون، وذلك بما قيمته 12.7 مليار دينار تليها قروض السكن بما قيمته 11,2 مليار دينار، ثم قروض تهيئة المساكن بـ 9,1 مليارات دينار وقروض تمويل شراء السيارات بـ 311 مليون دينار.

ويلزم القانون التونسي أصحاب الدخول الشهرية بعدم تجاوز القروض 40 بالمائة من مداخيلهم السنوية، غير أن جل المقترضين يلجأون إلى المراوغة لتجاوز النسب المحددة. بات الاقتراض تقليداً راسخاً لدى الأسر التونسية، حيث كشفت بيانات لمعهد الاستهلاك الحكومي أن ربع العائلات يدفعون أقساطا شهرية للمصارف، رغم توجه البنك المركزي نحو تحجيم القروض الاستهلاكية بمواصلة رفع نسب الفائدة التي عدّلت نحو 4 مرات في السنتين الأخيرتين.

ويمثل ضعف الرواتب مقابل ارتفاع كلفة المعيشة أبرز أسباب إقبال التونسيين على القروض، حيث إن 36.5 في المائة من التونسيين لديهم فرد على الأقل في العائلة بصدد سداد قرض بنكي و10.3 في المائة لديهم اثنان في حالة سداد لقروض. ولفت الخبير الاقتصادي محمد منصف الشريف إلى أن ارتفاع قروض الاستهلاك نتيجة حتمية لتدهور القدرة الشرائية، غير أن كل ارتفاع يعقبه تراجع، مشيرا إلى أن دورة قروض الأفراد في تونس دخلت مرحلة الهبوط بسبب استنفاد كل قدراتهم الإنفاقية.

وأضاف الشريف في تصريح لـ”العربي الجديد” أن الأرقام الرسمية حول القروض المصرفية للأفراد لا تعكس حقيقة تداين العائلات وحجم ديون التونسيين وخاصة أنّ الأسر تلجأ إلى الاقتراض من الشركات المالية أو الأصدقاء والأقارب وحتى من الصناديق الاجتماعية، مع الاعتماد أيضاً على الشراء بالتقسيط من المحلات، وهذه الوسائل لا يتم رصدها رسمياً، وفق قوله.

وأكد الشريف كذلك أن انكماش القروض لدى الجهاز المصرفي سيقابله في جانب آخر ارتفاع القروض في المؤسسات الموازية التي بدأت تنتشر في البلاد من دون مراقبة، مشددا على ضرورة رصد هذه الظواهر الجديدة حتى لا يتوسع التمويل الموازي على حساب أجهزة التمويل المصرفية.

وبحسب معهد الاستهلاك الحكومي، فإن نحو 540 ألف أسرة دخلت في دوامة التداين المغلقة، ما يجعلها تقترض لسداد قروض سابقة، وأن 80 في المائة من هذه القروض طويلة أو متوسطة المدى، تراوح مدة سدادها ما بين 15 و20 عاما. وفي مارس/آذار الماضي، مع بداية الجائحة، قرر البنك المركزي تأجيل سداد أقساط القروض الممنوحة للأفراد والمهنيين وإسناد تمويلات استثنائية لتغطية الحاجيات الأساسية.

قد يعجبك ايضا