حكايات التأميم… المضحك المبكي

قال الأستاذ كمال، في مطلع السهرة، إن حكايات التأميم في سورية ينطبق عليها الوصف الذي ابتكره الصحافي الفنان حبيب كحالة وأطلقه على مجلته، وهو: المضحك المبكي.. فإذا أنت نظرتَ إلى تصرفات البعثيين، وما فعلوه بالبلد وبالشعب في بداية حكمهم لا بد أن تضحك، وعندما تنتقل إلى ضفة الشعب لا بد أن تتألم..

وتابع كمال يقول: كان عندنا في المدرسة موجه بعثي.. كان الموجه بهديك الأيام بعثي بالضرورة، وفرع الحزب هوي اللي بيرسل الموجهين للمدارس، وهدول بياخدوا رواتبهم من مديرية التربية، وبياخدوا علاوة ربع الراتب من ميزانية الحرس القومي.

أبو ماهر: شو هادا الحرس القومي؟ عم إسألك لأني نحنا ما عشنا هديك المرحلة.

كمال: بهديكه الأيام اخترع حزب البعث، بعدما نجح انقلابه 1963،  شي اسمه الحرس القومي، وهوي عبارة عن جناح مسلح في الحزب. عناصر الحرس القومي البعثيين كانوا يلبسوا تياب عسكرية مموهة، وكل واحد منهم يشيل عَ كتفه رشاش (ساموبال)، ويستلم ذخيرة، وكان مسموح لعنصر الحرس القومي إنه يطلق النار إذا شعر بأنه أمن الحزب في خطر.

أم زاهر: خطر من مين؟

كمال: حزب البعث هوي الأب الروحي لنظرية المؤامرة، لذلك بيتوهم دائماً إنه في عليه خطر. كان يعتبر نفسه حزب طليعي، واشتراكي، وتقدمي، منشان هيك بتتآمر عليه الإمبريالية والرجعية والإقطاع والرأسمالية.. والحقيقة إنه أكتر هدول الأعداء بيخترعهم البعث من خياله المريض، إنما كان يخاف فعلاً من الإقطاعيين، لأنه حزب البعث اعتدى عليهم، وصادر أملاكهم، وخلاهم يصيروا مفلسين متل عزو آغا اللي حكى عنه أبو الجود في السهرة الماضية، اللي حلفت زوجته عزيزة خانم بالطلاق على أنه ما بقي في هالمنطقة حدا أفقر منه!

أبو المراديس: أنا عندي مداخلة زغيرة. البعث أمم الملكيات الزراعية بعدما اتخذ قرار بتطبيق الاشتراكية في القطاع الزراعي، وكمان في القطاع الصناعي، وحكاية الحاج سامي صايم الدهر اللي رويناها في السهرة الماضية كانت جزء من هالسالفة.. وعلى ذكر تطبيق الاشتراكية؛ بيروي الأستاذ “محمد أمير ناشر النعم” طرفة إلْها دلالات كبيرة عن أول رئيس جمهورية بعثية في الستينات، أمين الحافظ اللي كان معروف بلقب أبو عبدو.. بتقول الطرفة إنه أبو عبدو استقبل وفد من حلب فيه علماء دين ووجهاء..

خلال اللقاء قام المفتي محمد الحكيم وألقى كلمة خاطب فيها الرئيس أبو عبدو، قال فيها: لقد سَرَّنا، يا سيادة الرئيس، أنكم ستنتهجون النهج الاشتراكي في إدارة البلاد، هَلَّا حدثتمونا عن رؤيتكم حول تطبيق الاشتراكية؟ هل أنتم مع الاشتراكية العلمية؟ أم الاشتراكية الطوباوية؟ أم أنكم من أنصار اشتراكية سان سيمون؟

فاندهش الرئيس أبو عبدو من هذا الكلام المفلسف، قال له: إش علمية إش طوباوية إش سيمونة؟ أنا ما بعرف كل هـ الأكل الهوا.. أنا بدي أطَبِّقْ الاشتراكية وبس!

ضحك الساهرون، وعلق كمال: تصوروا هادا الإنسان الطَشَنة كان رئيس سورية، وكان يقضي ويمضي وبإمكانه يحرك قطعات من الجيش، يقتل ويضرب ويهدم بيوت وجوامع.. وكأني نحن عايشين في غابة مسلحة.

أبو محمد: حبيت القصص تبع الأستاذ كمال وأبو المراديس، لكن بعد إذنكم أنا شايف أبو الجود في بتمه حكي.

أبو الجود: أنا بعرف أبو محمد أيش بده. هوي بيحب الحكايات اللي ما فيها كلام بالسياسة، وأنا متله، هلق أكيد القصة تبع أمين الحافظ كويسة، لكن مرقت فيها كلمات ما فهمناها، منشان هيك ما تفاعلنا معها كتير.

إقرأ أيضا

حنان: أنا بأيّد كلام أبو الجود. ويا ريت هوي يتحفنا بشي قصة.

أبو الجود: حاضر. أنا حكيت لكم البارحة عن عزو آغا اللي كان غني كتير، عنده أراضي ودور وكروم وعمال ومرابعين، وبعدما طلع قرار التأميم صار فقير كتير، وصار سقف البيت يشرشر عليه ويوكف. المهم إنه عزو كان مفكر إنه القصة انتهت على هالصورة، لكن هوي كان غلطان. لأنه في مرة من المرات طلب من زوجته الست عزيزة خانم تروح ع السوق وتشتري شوي خضراوات وبرغل وخبز للبيت، فردت عليه بأنه هيي تعبانة اليوم، ومانها قادرة تروح ع السوق. وقالت له كمان: إنته من يوم التأميم لهلق مسكر ع حالك الباب وما بتطلع من البيت. ما مليت؟ ما طقت روحك؟ قوم إنته اشتري الغراض، وبنفس الوقت بتغير جو.

إذا أنت نظرتَ إلى تصرفات البعثيين، وما فعلوه بالبلد وبالشعب في بداية حكمهم لا بد أن تضحك، وعندما تنتقل إلى ضفة الشعب لا بد أن تتألم

قام عزو آغا، لبس الطقم المصنوع من قماش إنكليزي فخم كان مفصله لما كان آغا، وشال العصاية (البسطون) وطلع. ومشي في الأزقة تبع البلدة، باتجاه السوق. وقبلما يوصل لدكان القصاب “أبو نظمي” حس بحركة غريبة عم تصير حواليه. في رجل لابس تياب عسكرية وشايل على كتفه رشاش، أجا من وراه بسرعة، وتجاوزه، وراح في الزاروب اللي ع اليمين، وواحد لابس نفس اللباس أجا من قدام وهوي عم يركض، وتجاوزه واختفى، ولما وصل لآخر الزاروب وانعطف ع اليمين لقى قدامه شي تلات أربع مسلحين شايلين رشاشات وأداروها عليه وقال له واحد منهم: ارفاع إيديك لفوق.

عزو آغا ما نفذ القرار، وقال لهادا الشب: وإذا ما رفعت إيدي لفوق أشو بيصير؟
العنصر: بقوصك.

عزو آغا: أشو مستني؟ قوص.

ولما شاف إنه العناصر مندهشين قال لهم: أنا ماني فاضي للعلاك تبعكم. إنتوا مين؟ وأشو بدكم مني؟ إذا مفكرين إني لسه آغا ومعي مصاري وبدكم تشلحوني بتكونوا غلطانين كتير، لأنه من مدة البعثيين شلحونا كل شي وقعدونا ع الأرض.

قال عنصر آخر: عم تحكي عن البعثيين تاج راسك يا سافل؟ تعال معنا لنفرجيك قيمتك.

وبلشوا يجرجروه ويسحبوه لحتى وصلوا على مقر الفرقة الحزبية، قَعّدوه على كرسي، وقال له واحد منهم: أوعى تتحرك. إنته معتقل من هلق لوقت ما يصدر قرار بشأنك.

عزو آغا (متهكماً): بده يصدر قرار بشأني؟ من مين راح يصدر القرار بلا زغرة؟ كمان إنتوا بتصدروا قرارات؟

لم يردوا عليه. أدار أحدهم ذراع الهاتف اليدوي وبعد قليل قال: عطيني الرفيق أمين الفرع. تحياتي رفيق. هون الحرس القومي. سيدي قبضنا على واحد من بقايا الإقطاع، لابس تياب جديدة، ومبين عليه آثار النعمة، وعم يمشي في الأزقة بشكل مشبوه. أي نعم رفيق، قبضنا عليه وجبناه ع الفرقة. نعم رفيق. نعم. طيب رفيق، علم.

وأغلق السماعة وقال لعزو: طلع القرار بإخلاء سبيلك. بس دير بالك تلعب بدنبك!
هون عزو آغا تصرف بشكل غريب. وقف، وبلش يفك كمر البنطلون، ودار مؤخرته ع العنصر.

العنصر (يصرخ): أشو عم تساوي ولاك؟

عزو آغا: ولا شي. بس إنته عم تطلب مني ما إلعب بدنبي، وحابب أفرجيك إني ما إلي دنب!

قد يعجبك ايضا