Business is booming.

الوضع الوبائي في تونس
الحالات
235٬643
الوفيات
8٬106
مريضة حاليا
26٬553
حرجة
263
الحالات التي شُفيت
200٬984
أخر تحديث بتاريخ 03/05/2021 الساعة 1:11 ص

حمه الهمامي ينعى حمادي العقربي: "رحل السّاحر الموهوب إلى الأبد… الخبر هذه المرّة ليس إشاعة ولكنّه الحقيقة الصّادمة"

بقلم: حمّة الهمامي

مات الساحر الموهوب

رحل السّاحر الموهوب إلى الأبد.
الخبر هذه المرّة ليس إشاعة ولكنّه الحقيقة الصّادمة.
حمّادي العقربي رحل. انتزعه الموت الغادر انتزاعا من بين أهله وأحبّته.

منْ لم يحبّ، بل من لم يعشق العقربي حتّى من أحباء الجمعيات المنافسة للنادي الصفاقسي التي كان الراحل الموهوب يرعبها بمهاراته وفنّياته العالية وبأهدافه القاتلة التي تخرج من يمناه كما من يسراه ومن أيّ موقع يكون فيه؟
لا أعتقد أنّ لاعب رياضة جماعيّة في تاريخ تونس، غير حمّادي العقربي، تمكّن من انتزاع تلك الدرجة من محبّة الجميع وتقديرهم. بلا استثناء.
من شيم العقربي أخلاقه العالية أينما كان وأينما حلّ. بشوش. طيّب. متواضع. يكره أن يناديه الأحبّاء “المعلّم”. متسامح. متحفّظ. يكره الأضواء.
ومن خصاله في الميدان أنه لا يكثر الكلام، ولا الاحتجاج، لا يحبّ التعليمات ولا الحصْر في المربّعات الضيّقة. اللّغة الوحيدة التي كان يتقنها هي ملاعبة الكرة كما يلاعب الساحر الماهر أفعى “الكوبرا” وهو يسخر منها. كان يتكلم كرة. ويعبّر كرة. كان فنّانا.
كان العقربي يتحوّل، أحيانا وفي الرّدهات الحرجة من مقابلات “الس اس اس”، إلى فريق بأكمله في الميدان. كان يتحمّل عبء المقابلة لوحده دون ضجيج ولا تذمّر ولا تشنّج ولا حنق على زملائه.
————–
جئت إلى الجامعة التونسية في أكتوبر 1970. وشاء الحظ أن أسكن بالمبيت الجامعي بالمنزه الأول، على مقربة من ملعب كرة القدم بالمنزه.
كان الجميع يعرف أنني أعشق النادي الإفريقي، الفريق الوحيد الذي عشقت في حياتي. ولكنّ عشقي للنّادي الإفريقي لم يمنعني من التوجّه إلى ملعب المنزه كلّما كان العقربي “في اللعبة”. سواء ضمن “الس اس اس” أو ضمن الفريق الوطني.
كنت أهوى التفرّج في روائعه. وكم هي كثيرة روائع ذلك السّاحر الموهوب. حين ظهر دياغو مارادونا في عالم الكرة، تساءلت أكثر من مرة ما الذي منع العقربي حامل رقم 8 من بلوغ المجد الذي بلغه مارادونا حامل الرقم 10 وكلاهما خُلِقَ ساحرا؟ الظروف ولاشيء غير الظروف.
سجّل العقربي أهدافا كثيرة. ولكن من لا يتذكّر الهدفين اللذين سجّلهما لحارس الملعب التونسي منذر بن جاء بالله، في مقابلتين مشهودتين في أواسط ثمانينات القرن الماضي؟
كان الهدف الأول، على ما أظنّ، في الذهاب بملعب زويتن. والثاني في الإياب بملعب الطيب المهيري بصفاقس. الهدفان سُجّلا تقريبا من نفس المكان. من منتصف الملعب، من جهة حجرة الملابس. بدقّة لا يعرفها إلاّ العقربي.
ولكنّ بعض الأهداف التي لم يسجّلها العقربي أو سجّلها ولم تُحتسبْ، بقيت هي أيضا في الأذهان أكثر مما بقيت بعض الأهداف الأخرى التي سجّلها.
من لا يتذكر، ذلك “الصاروخ” الذي أطلقه العقربي، في الموسم الرياضي 1984-1985، من منتصف ميدان القيروان في اتجاه مرمى “الشبيبة”، وكان وقتها الحارس منذر طياش متقدما، غير منتبه وغير متوقّع لما يمكن أن تأتيه قدما الساحر…
دخلت الكرة الشباك الخالية. ولكنّ الحكم العربي الوسلاتي لم يحتسب الهدف لأنه على ما يبدو لم يصدّق ما رأت عيناه أو لم يتخيّل تسجيل هدف بمثل تلك “الصّنعة” والإبداع…
من لا يتذكّر بطولات العقربي في نهائيات كأس العالم بالأرجنتين في عام 1978؟ من لا يتذكّر تلك التمريرة الذكية، متناهية الدقّة، التي انطلقت من قدمي العقربي في اتجاه تميم الحزامي ليقذفها قذفا وتصطدم بالعارضة العليا من مرمى الفريق البولوني؟
آه لو ولجت تلك الكرة الملعونة مرمى الحارس البولوني “توماس زوسكي”، لفتح أمام العقربي ورفاقه باب الترشّح للدّور الثّاني ليكون فتحا كرويّا عربيّا وإفريقيّا.

*********

كنت في ذلك الوقت أقبع مع العشرات من رفاقي في سجن برج الرّومي (النّاظور حاليا) بعد أن أصدرت محكمة أمن الدولة أحكامها بشأننا. كنّا ننتظر كلّ مقابلة بشغف لا يوصف. وكان همّنا أن يمضي الفريق إلى الأمام لتمتدّ رقعة الفرح.
وللتّاريخ فإنّ العقربي ورفاقه أفرحوا في ذلك الزمن شعبا مكلوما خرج للتوّ من المجزرة التي ارتكبها على حسابه نظام الحكم في الشهر الأول من عام 1978 وسقط فيها العشرات من الشهداء، عدا اعتقال الآلاف من النقابيين وفي مقدمتهم أعضاء المكتب التنفيذي للاتحاد العام بزعامة الراحل الحبيب عاشور.
كما أنهم نفخوا في ذلك الشعب المكلوم جرعة جديدة من عزّة أراد الحاكم الظالم وقتها قتلها فيه بالحديد والنار.

************
يا لك من مبدع رائع يا عقربي.
لا أخفي أنني كنت في ذلك الزمن الجميل، كرويّا، أنتظر مقابلات الإفريقي والصفاقسي لأتمتع بروائع ساحري الفريقين في وسط الميدان، العقربي من جهة والبياري من جهة ثانية.
كانت لوحات فنية بحقّ. كانت الرياضة وقتها هواية. واللعب “على المريول” ولا شيء غير “المريول”. زمن “تسليع” أو “تبضيع” الرياضة لم يحلّ ركبه بعْدُ في بلادنا…
قابلت العقربي آخر مرة في شهر جويلية 2017. كان ذلك إثر خروجه من المستشفى. تغيّرت ملامح الجسد بفعل المرض. لكنّ الرّوح ظلّت هي، هي. الابتسامة الدائمة. النّظرة البريئة. الطيّبة الرائعة. التّواضع العظيم.
كان معي يومها صديقي الفنان خالد بوزيد. تحدّثنا معه في كل شيء. وعن كل شيء. وبعدها بقيت أتابع أخباره… أحيانا عبر الصديق العزيز ناصر البدوي، الحارس الأسبق للنادي الرياضي الصفاقسي والفريق الوطني، وأحيانا أخرى عن طريق بعض الرفاق والأصدقاء في صفاقس.
كم أسعد العقربي في حياته من قلب. وكم ألهم من شاب.
ها هو اليوم يغادرنا تاركا في الذاكرة أشياء كثيرة، أشياء كالماس، لا يصيبها الصدأ.
الوداع، الوداع أيها الساحر الموهوب.

محبّك حمّه الهمّامي
تونس في 21 أوت 2020

قد يعجبك ايضا