المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر: قراءة للأمس واليوم وتصور للمستقبل… بقلم د. سامي بن عامر

Editorial Department27 يوليو 2020
المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر: قراءة للأمس واليوم وتصور للمستقبل… بقلم د. سامي بن عامر


بقلم د. سامي بن عامر

قرأنا أخيرا بعض الكتابات حول المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر من بينها الحوار الذي أجْرِي مع مديرته الحالية، قدَّمَت فيه بعض المعطيات حول هذا المتحف وبشّرتنا، وليس للمرّة الأولى، بموعد افتتاحه في القريب العاجل.

ونظرا لنقص المعلومات التي عَلِقَت بهذا الحوار والتي من شأنها أن تفيد القارئ لفهم ظروف تأسيس هذا المتحف وبداية تكوينه وأسباب تعثُّره، وتنويرا للرّاي العام، سأذكّر في هذا المقال – بصفتي كنت مستشارا مُكلّفا بتأسيسه من 1 اوت 2017 الى 31 جويلية 2018 – ببعض المعطيات المتعلّْقة به.

والهدف الأساسي من ذلك، ليس لتكرار ما سبق أن كتبته في الصّحف في هذا الموضوع، أو لإجابة هذا الحوار السّابق ذكره، بل لمزيد فهم ما حدث ولربط الأحداث فيما بينها لأخذ العبرة من هذه المرحلة الأولى والهامة من التأسيس التي يحاول البعض وأدها، وأيضا لتبيُّن الأسباب الحقيقية لتعثّر المتحف.

والسّؤال الذي نطرحه بالخصوص هو التالي: ان كنّا قلقين إزاء استحالة افتتاح المتحف في فترته الاولى ، فكيف يمكن ان ننزع عنّا قلقنا هذا والحال ان مرحلته الثانية طالت سنتين كاملتين دون ان يعرف هذا الافتتاح طريقه؟ علما وإن الإعلان عن موعد افتتاح المتحف خلال هذه الفترة الأخيرة قد تكرّر عديد المرات في وسائل الاعلام المسموعة والمقروءة. بل ذهب بعضهم لكتابة مقالات مُطوَّلة حول هذا الافتتاح المزعوم الذي أصبح شبيها بالحاضر الغائب.

وسأعرّج عن حاضر قطاع الفنون التشكيلية الذي أصبح متسمّما خصوصا جراء ضعف الإمكانيات وجراء التفرقة الحاصلة بين الفنانين أنفسهم، مؤكدا في الآونة نفسها على ضرورة مراجعة السياسة المتوخاة في وزارة الثقافة إزاء هذا القطاع، مع اقتناعنا بان ذلك ليس ممكنا الا في مُناخٍ سياسي مناسب قادر على التّمكين من البناء وتأسيس المشاريع الكبرى والجدّية التي من شأنها ان تدفع ببلادنا نحو ما نطمح اليه. وهو ما نتمنى حلوله قريبا.

كان شرطنا في البدء متحفا مستقلا أو لا يكون

ما وجب التذكير به أولا، هو أن حال مباشرتي لمهامي في المتحف، سرعان ما فهمت انّ نيّة الوزارة كانت موجّهة نحو تكوين متحف ذا إدارة خاضعة للإدارة العامة لمدينة الثقافة. وكذلك الشّأن بالنسبة للأوبيرا وغيرهما من الأقطاب الثقافية المتضمنة للمدينة. وهو ما لم أكن موافقا عليه البتّة. فالمتحف مؤسسة مستقِلّة أو لا تكون.

وبمناسبة التّدشين الأوّلي لمدينة الثقافة من طرف رئيس الحكومة في يوم 20 اكتوبر 2017، وحال زيارته للمتحف، خاطبته أمام العموم وبحضور وسائل الإعلام المكثفة، لإفادته بأن هذا المتحف يمكن ان يكون منارة وطنية ثقافية وتربوية وحضارية، قادرة ان تنقذ الآلاف من الأعمال الفنية من مقتنيات الدولة التي تقبع في دهاليز قصر السعيد في ظروف مأساوية ومحزنة، شريطة أن يصبح مستقلا قانونيا وأن تُرصد له الإمكانيات المادية كاملة. وكانت إجابة رئيس الحكومة فورية وبالإيجاب. وقد لم يرضي ما قلته البعض.

وصدر الأمر التشريعي في هذا الغرض بعد بضعة أشهر قليلة ليصبح المتحف قانونيا مؤسسة مستقلة

مبادرات رأت النور وسرعان ما أحبطت

لقد صدر الامر فعلا ليشرِّع استقلالية المتحف، إلاّ إنه سرعان ما تبيَّن ان هذا الأمر لم يكن كافيا لتمكيننا من افتتاحه الفعلي مادامت الإرادة السياسية غير متوفِّرة بالإضافة لتداخل بعض الحسابات الشخصية والمصالح الخاصة التي أعاقت المشروع.

فبقطع النظر عن الدورتين التكوينيتين اللتين أنجزناهما بنجاح في شهر أكتوبر ونوفمبر 2018  دون أي عقبات تذكر وعن إعداد الرفوف الملائمة لخزن الاعمال و الألواح  لعرض الاعمال الفنية (Paravent)  والتي تمكنا من إعدادها، فإن كل المبادرات التي نظمناها داخل المتحف تم تعطيلها أو إفشالها بالكامل.

ويجب القول إن الوعي العام بدور المتحف وبأهميته لم يكن مُتوفِّرا عند الكثير من المسؤولين منذ انطلاقته: فمعرض حداثة تونسية الذي احتجز القاعة الكبرى للمتحف مثلا، والذي انطلق بانطلاق مدينة الثقافة في 21 مارس 2018 واستمر مفتوحا الى شهر جويلية من نفس السّنة، كان مصدر كثير من اللبس حول طبيعة هذا المتحف ومضمونه وسببا في إرباك برمجته. وبالإضافة لهذا، كثرت الطلبيات من الخارج منذ فتح المتحف لاستعمال قاعاته لأغراض أخرى لا علاقة لها بالقطاع أو لتنظيم معارض جماعية.

وطلب مني مسؤول في إدارة عامة بالمدينة الثقافية إمكانية ضمّ المخزن الارضي التابع للمتحف لإدارته ليستخدمه لأنشطة مؤسسته. كما طُلب مني يوما ان أخلى الطابق الثاني للمتحف لفائدة مصلحة الفنون التشكيلية…  ولا اريد ان أدخل في عرض تفاصيل هذه المواضيع، فلقد شرحت بعضها سابقا، وأكتفي بالقول، إن حدوث هذا التشويش على سير المتحف كان ناجما بالخصوص عن غياب الإرادة لتأسيسه. والأدلة متعدّدة:

 فالنّدوة التي شرعنا في تنظيمها منذ انطلاقة مهامنا بالوزارة بعنوان “الفنون التشكيلية في تونس مسيرة أجيال والتي كانت تهدف الى إصدار كتاب مساهم في إبراز تاريخ الحركة التشكيلية في تونس كنا نعتزم توزيعه يوم افتتاح المتحف، تم إلغاؤها من طرف وزير الثقافة بجرّة قلم، اسبوع قبل موعد انعقادها في شهر جانفي 2018.

اما المعرض ما قبل الافتتاحي الذي انتظم في 21 مارس 2018 بعنوان نحتي ومنحوت والذي لقي نجاحا كبيرا من حيث استقباله لجمهور غفير، فقد لقي مقاطعة إعلامية لا مثيل لها لا سيما من طرف التلفزة الوطنية التي كانت لها شراكة تعاون مع المدينة الثقافية في تلك الفترة.  (انظر الصورة رقم 01)

 sculpture ma 5f1e9f0b99ab5 - المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر: قراءة للأمس واليوم وتصور للمستقبل... بقلم د. سامي بن عامر

وفيما يتعلق بلقاء الأجيال الذي جمّعنا فيه عددا كبير من الفنانين وكرّمنا فيه عميد النحاتين الهادي السلمي، فلم يحضره الوزير ولا ممثله كما كان مقرّرا، مما أثار غضب أفراد عائلة المحتفى به. 

ومن يزور مدينة الثّقافة اليوم، سيكتشف في الزاوية الخلفية من حديقتها مجموعة من المنحوتات الرخامية العملاقة. وهي منحوتات أنجزت في إطار سانبوزيوم نظمتاه وزارة الثقافة واتحاد الفنانين التشكيليين حوالي سنة 2014.  وقد كُلِّفْت كمسؤول عن المتحف بالإشراف على نقلها من مدينة صفاقس وتوزيعها في الفضاءات الخارجية لمدينة الثقافة. وقد قدّمنا في هذا الشأن تصوُّرا متكاملا ساهم فيه الفنان رشيد الفخفاخ (انظر الصورتين 3 و4)، إلا ان النتيجة باءت بالفشل. اذ تبين أن هذه المنحوتات ليس مرغوب فيها. اذ ما أن شرعت يوما في وضعها في ساحة مدينة الثقافة، الا ووصلتني مكالمة هاتفية تطلبني ان أقلع عن ذلك. منحوتة واحدة تمكّنت من تثبيتها وهي الى الآن متواجدة بجانب الباب الخلفي للمدينة. امّا البقية فهي لا تزال متراكمة في أحد اركان ساحة المدينة الثقافية.

sculpture ma2 - المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر: قراءة للأمس واليوم وتصور للمستقبل... بقلم د. سامي بن عامرsculpture ma22 - المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر: قراءة للأمس واليوم وتصور للمستقبل... بقلم د. سامي بن عامر

والأدهى والأمر، ما أفظت اليه أشغال اللجنة المختصة التي كونّاها لانتقاء الاعمال الفنية المزمع نقلها من مخازن قصر السعيد في اتجاه المتحف استعدادا لمعرضه الافتتاحي. فلقد اشتغلنا في إطار هذه اللجنة على مدار الأربعة أشهر. واستطعنا ان نقدِّم قائمات مُرقَّمة وواضحة بعناوين هذه الأعمال وصورها لقسم الفنون التشكيلية قصد التّكفل بإرسالها للمتحف. الا ان هذا لم يحصل. فقد امتنعت مديرة هذا القسم عن إرسال الاعمال بتأييد من الوزير نفسه.

في خضم هذه الأحداث المرهقة والمُتعبة بسبب التّعطيلات التي عاشها فريق المتحف، طلب مني الوزير مغادرة هذه المؤسسة مقابل أن أتكفّل بإعداد مشروع المركز الوطني للفنون التشكيلية وبالبيانيلي الوطني وبمتحف قصر السعيد. وكنت مُتيقِّنا بالطبع من ان هذه المشاريع وهمية والدليل انها لم تُنفّذ الى اليوم. فرفضت عرضه وطلبت استقالتي وكنت أتساءل بيني وبين نفسي عن أسباب دعوتي لتأسيس متحف ليس مرغوب فيه. ولقد َعيَّن الوزير في المقابل على رأس المتحف وكما كان منتظرا إدارية هي نفسها مديرة قسم الفنون التشكيلية وهي ذاتها التي رفضت إرسال الاعمال التي طلبتْها اللجنة السالفة الذكر.

 وكنت قد أبلغت وزير الثّقافة قبل مغادرتي الوزارة وجوب أن يكون مدير المتحف من الشخصيات الاعتبارية المختصة في المجال. ولم يحدث ذلك. النتيجة لم يحدث شيئا منذ ذلك الحين، ما عدا إصدار شعار للمتحف هو استعارة صارخة للشعار الذي اقترحته في المشروع النهائي للمتحف الذي قدمته في اجتماع بالوزارة في شهر ماي 2018 حضره الوزير والمديرون العامون للوزارة وتضمّن علاوة عن هذا الشعار، تصوُّرا متكاملا للمتحف وبرنامجا لمعارضه لسنة 2018 – 2019 وتحويرا لبنايته تناغما مع وظيفته. وقد نال هذا المشروع انتباه جميع الحاضرين واهتمامهم.

وبالطبع لم يتم افتتاح المتحف في شهر سبتمبر 2018 كما كان مُقرّرا قبل ان أستقيل، بل تم افتتاح أيام قرطاج للفن المعاصر في فضاءات هذا المتحف. ولقد تم الشروع في تنظيم هذه التظاهرة قبل بضعة أشهر لكن دون أي تنسيق مع إدارة المتحف والسّبب كان واضحا ولا غبار عليه.

رغم الواقع الصّعب فان المشروع باقٍ والامل ممكنا.

لا أحد قادر أن يلغي هذه المرحلة التاريخية من تأسيس المتحف وان يتجاهلها. فهي مُوَثَّقة بالكامل وبكل تفاصيلها وجزئياتها. وهي جزء هام من تاريخه.

لكن علينا ان نتّعظ بما حدث. فرغم ما بُذل خلال هذه المرحلة الأولى للمتحف، فقد باءت كل محاولات تنظيم افتتاحه الرسمي بالفشل لسبب التعطيلات التي لقيها. ومن الثابت انه لا شيء يضمن ان لا يعاد نفس السيناريو في مرحلته الثانية بعد ان مر عليها سنتين كاملتين.

صحيح انه في ظلّ ما نعيشه خلال هذه العشرية من عثرات سياسية وتحولات عاقرة يصبح افتتاح المتحف مسألة لا نستغرب استحالتها. فما عشناه خلال العشرية الأخيرة هو الفراغ المدقع والرداءة وغياب للرؤيا.

ولا غرابة أن يكون المتحف غائبا في أجندة هذه السّياسات عندما نعلم ان وزارة الثّقافة  قد فوّتت في الفترة التي كنت فيها في الوزارة قطعة الارض التي كانت مخصّصة للقسط الثاني من المدينة الثقافية الخاصة بمتحف الحضارات. معلومة تم السّكوت عنها.

يبدو أن موضوع المتحف يقلق أصحاب من لا يريدون للبلاد حفظ ذاكرةٍ وهويةٍ نابعة من إبداعات أفرادها وخيالاتهم عبر الأجيال. هويةٌ تؤكد مفهوم الوطن وأحَقِّيته.

وبقدر ما نحن واعون بأن المناخ السياسي الذي مررنا به ولا نزال خلال هذه العشرية المنقضية لم يكن مناسبا لفتح هذا الصرح الثقافي الذي ما أن تظهر بشائره الا وتختفي كلمح البصر، بقدر ما نحن متألمون للوضعية المُهمّشة التي عليها قطاع الفنون التشكيلية بالخصوص منذ فترة طويلة رغم رهاناته الكبرى. وهو ما يفسر التّمزق الذي يعيشه اليوم والتّطاحن الذي نشهده بين أفراده وبين الجمعيات التي تنشط في إطاره. وما حدث أخيرا من سباب وعراك بسبب تداعيات اقتناءات لجنة شراءات الدولة، خير مثال على ذلك.

 تتطلب منا هذه الوضعية المزرية التي لن ينتصر فيها أي فرد، تأملا عميقا وامانة في الرؤيا وتشاورا معمقا بعيدا عن المزايدات الشخصية والمصلحية والجهوية والفيئية والمحسوبية والزبونية وبعيدا عن الاقصاء. إن ما وجب التفكير فيه ليس اقتسام الكعكة، بل إنقاذ القطاع من هذا التّردي الذي انتهى اليه وقد يتطلب ذلك منا المساهمة الجماعية الفعلية والايجابية.

نقول ذلك ونحن واعون بان لا إصلاح ممكن في غياب مناخ سياسي قادر على هذا الإصلاح ووزارة قادرة على المراهنة على المشاريع الكبرى الوطنية وعلى الكفاءات بعيدا عن الديماغوجية والسّياسة السّياسوية.

طلبت مقابلة مع وزيرة الثقافة الحالية لأقدم لها ملف المتحف الذي في حوزتي وملف المنحوتات العملاقة التي لا تزال تقبع في ركن من حديقة مدينة الثقافة فلم تصلني أية إجابة.

ان معاناة قطاع الفنون التشكيلية لا تزال تتواصل. فلقد سبق ان نظم اتحاد الفنانين التشكيليين سنة 2002 حين كنت أمينا عاما على رأسه، ملتقى ضخما في سوسة في إطار الاستشارة الوطنية للثقافة، حضره أكثر من ثلاث مائة مشارك من فنانين وأصحاب أروقة ونقاد ورجال قانون ومحبين للفنون التشكيلية. وقد افضت اشغاله الى إصدار وثيقة تاريخية لا تزال بنودها تتطلب التطبيق.

فهل بعد هذه الفترة المطولة وبعد ما عشناه من هزات منذ 14 جانفي 2011، سنعيش تحولات سياسية من شأنها ان تحقق طموح التونسيين عموما والفنانين بالخصوص؟ لعل الأشهر القادمة تفاجئنا بما هو إيجابي وقادر ان يفتح لنا باب الممكن. في انتظار ذلك لا بُدّ من الشروع في بلورة افكارنا.

نأمل أن يكون المستقبل أفضل.

تونس في 22 جويلية 2020