Take a fresh look at your lifestyle.

كميل سلامة لـ"العربي الجديد": "أرفض إذلال ذكائي وذاكرتي"

“أكثر ما يجعل الإنسان يثور وينتفض على واقعه ليس الجوع، وإنّما الذُلّ”، هذا ما يقوله الممثل والكاتب والمخرج المسرحي كميل سلامة في حوار خاص أجرته معه “العربي الجديد”، يتناول مواقفه الأخيرة في الفن والوطن، كما يضيء على محطّات شائقة من مسيرة فنّية تخطّت الـ 45 عاماً، ولمع فيها سلامة بأدائه التمثيلي المعزّز بالواقعية والاحترافية. بينما انغمس الكاتب والمخرج فيه بغَزْل عوالم مسرحية موازية، سكب فيها رؤيته الخاصة إزاء موضوعات وجودية ووطنية وفكرية واجتماعية كثيرة. 

الممثل المخضرم الذي عرف نجاحات محليّة وعالمية، كان من بينها مشاركته في الفيلم اللبناني الذي رُشِّح لجوائز “أوسكار”، “قضية رقم 23” للمخرج زياد دويري، أطلّ أخيراً في مجموعة أعمال تمثيلية لافتة، من بينها فيلم “الفلوس” إلى جانب النجم المصري تامر حسني، ومسلسل “وعيت” للمخرج اللبناني مازن فيّاض، بالإضافة الى مسلسل “العميد” الذي جمعه بممثلين لبنانيين وعرب، أبرزهم تيم حسن وكاريس بشّار وبديع أبو شقرا. 

وعن انطباعاته الخاصة عن الموسم الرمضاني الحالي، يرى أن “هناك أشخاصاً يقدّمون أداءً ممتازاً، وأنا سعيد جداً بشباب وصبايا كثر يبرعون في تقديم شخصيّاتهم. ومأخذي الوحيد في ضوء الموسم الدرامي الحالي أن الممثل نفسه يكون أحياناً قد صوّر عملاً منذ عام أو عامين، ثم شارك في عمل آخر أكثر حداثة، إذ نرى كل ما صوّره، يعرض حالياً في نفس الوقت رغم الاختلافات في نضوج الأداء. وأحياناً أنا كمشاهد أخلط أحداث مسلسلين، بسبب تكرار الوجوه في العملين”.

ويعتبر أن “المسؤولية لا تقع على الممثل، بل على النص والإخراج، وغياب إدارة الممثل التي يجب أن تعطيه بعض الملاحظات الصغيرة. وأنا من هؤلاء الممثلين، فكلنا بحاجة لعين ثالثة، وأحياناً أشاهد نفسي، وأتمنى لو أنني قدّمت أمراً معيناً بطريقة مختلفة”.

أما عن تجربته في المسلسل اللبناني التشويقي “وعيت”، فيقول: “هذا العمل صُوّر منذ ثلاث سنوات، وشاركت فيه مع طاقم عمل رائع، سواء مع مازن فياض كمخرج أو مع (الكاست) الذي ضم ممثلين مذهلين. والحمد لله، كل الأعمال التي شاركت فيها، سواء كان ذلك عبر دور صغير أو لا، كانت طريقة العمل فيها احترافية جداً، منذ لحظة عرض العمل علي، مروراً بالتحضير والتصوير، ووصولاً إلى العرض على الشاشة”.

أما آخر أعماله المسرحية، فكانت مسرحية “64” التي عُرضت العام الماضي على خشبة مسرح “دوّار الشمس”، وأخضع فيها كميل سلامة مفاهيم اجتماعية نافرة في الواقع اللبناني مثل التبعية والمظلومية والاستسلام، لمحاكمة مسرحية علنية. وكميل سلامة، الثائر في مسرحه وفكره، لا يتوانى عن التعبير عن آرائه المُنكَّهة بالتهكّم الذكي الساخر، عبر تدويناته الخاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ورغم ابتعاده عن المباشرة والتجريح، إلا أنَّ مواقفه في كثير من الموضوعات الصعبة تتسم ببعد استشرافي لافت، مقرون بقراءة تاريخية واعية للحدث وأبعاده. 

وهو يعترف في هذا الإطار بأنه يدرك أن كثيراً من الأمور التي يتناولها في منشوراته تتضمّن اعترافاً ضمنياً غير مباشر بعدم قدرته على تغييرها، رغم كونها ظواهر نافرة ومُستفِزّة أحياناً، إلا أنه يؤمن في المقابل بالاختصاص. ويعتبر أن “المشكلة الكبرى منذ زمن هي، أن الآراء تكثر بمواضيع هي أحياناً أكبر ممن يبدون هذه الآراء. فمع مواقع التواصل الاجتماعي اختلط الحابل بالنابل، وأنا لست ممن يحبّذون أن يكونوا في قلب هذه الفوضى”.

وعن مواكبته لحركة الاحتجاجات التي شهدها لبنان منذ انتفاضة 17 أكتوبر/تشرين الأول، ورغبة الشباب اللبناني بالتغيير، يقول: “أنا في عمر معين وتجربة معينة، أتحاشى أحياناً أن أنقل تجربتي إن كان فيها بعض المرارة للآخرين، لأنني أضع نفسي مكان الشباب وأتخيَّل كيف كنت أنا في سنهم، وكيف كنت أشتهي أن أحدث تغييراً في كل الدنيا، ونجحت أحياناً وفشلت أحياناً أخرى. وإن وصلت إلى مرحلة جلوس ونظر من بعيد، أحب ألا يتأثر من هم في سن الحيوية والتغيير بخبرة جيلنا. فلكل شخص خبرته في الزمن الذي يعيش فيه. ففي النهاية، في لبنان وخارجه، عمر الشباب هو عمر التغيير وعمر الرفض. هذه طبيعة الحياة. الكل يظن أنه قادر على التغيير، وهكذا مفروض أن تكون الأمور”.

وعن البعد الرؤيوي الذي تتسم فيه أعماله المسرحية مثل مسرحية “كلكن سوا” التي أصبحت لاحقاً شعاراً للثورة من خلال عبارة “كلّن يعني كلّن” أو مسرحية “64” التي تناولت مفهوم التبعية واستسلام المواطن للظلم والقهر والفساد، يقول: “(كلكن سوا) تدور في زمن معيّن. ليس هذا الزمن، لكن يمكن إسقاط هذه العبارة على ما يجري اليوم، لناحية الخوف على مستقبل البلد وشبابه والقلق الأمني والصحي والاجتماعي والاقتصادي الذي نعيشه. و(كلكن سوا) عُرضَت عام 2016، وكُتبت عام 1994، أي قبل عرضها بـ 22 سنة، ولم يتغيَّر شيء من حينها. وأنا أؤمن أنه لا يمكننا أن نتناول أي موضوع إلا بعد تحقيق بُعد زمني عنه لا يقل عن 15 أو 20 عاماً، مما يجعله يختمر في الرأس بعيداً من المواقف الانفعالية التي تكون وليدة لحظتها”.

وإن أعدنا قراءة هذه المسرحيَّة، نرى أنه بعد عام ونصف العام أصبحت على لسان الناس في الشارع. وليست المسرحية التي صنعت هذا التأثير، فقد حضرها 3 آلاف شخص، ولكنها كانت تصوّر حياة شخص عاش فترة طويلة مسحوقاً نفسياً وعاطفياً ومسلوباً حقوقه الأساسية. وأكثر ما يجعل الإنسان يثور ليس الجوع بل الذلّ. “أنا شخصياً، الإذلال الذي أرفضه هو إذلال ذكائي وذاكرتي. لا أقبل أن يضحك عليّ أحد بأشياء عشتها وأعرفها. وإن كنت لا أستطيع ربما مقاومتها الآن أو تغييرها”.

قد يعجبك ايضا
error: جميع الحقوق محفوظة © رصد التونسية