أزمة حكم في تونس

كان من المفترض أن تكون الانتخابات في تونس مدخلا نحو مزيد من الاستقرار وحل الأزمات المتراكمة، إلا أنها أفضت إلى تخليق أزمات جديدة، طاولت كل مؤسسات السلطة تقريبا، ويبدو أن عمر حكومة تصريف الأعمال التي يديرها رئيس الحكومة المنصرف، يوسف الشاهد، سيطول، في ظل بطء إجراءات تشكيل حكومة الحبيب الجملي. على الرغم من حرص رئيس الحكومة المكلف بالتواصل مع جميع الأطراف، واستقبال كل القوى والمنظمات السياسية والاجتماعية، مهما تفاوتت أحجامها وأوزانها، ومهما كان مدى تأثيرها في قصر الضيافة، إلا أن المؤشرات الأولية توحي أن تشكيل حكومة قوية وقادرة على الصمود والتعامل مع الوضع العام في ملفاته المعقدة، خصوصا اقتصاديا واجتماعيا لا يزال بعيد المنال، فالوضع التونسي الحالي، خصوصا لدى الأحزاب البرلمانية، يدعو إلى الاستغراب، ويثير حيرة الشارع في ظل ميل القوى الحزبية إلى البقاء في صف المعارضة، وتجنب التورّط في معضلة الحكم، فالكتل البرلمانية المختلفة تضع شروطا تعجيزية للمشاركة في الحكومة المقبلة، ربما لإدراكها أنها غير قادرة فعليا على إدارة الدولة، وأن كلفة الصراخ في البرلمان والبطولات الخطابية أقل بكثير من كلفة تولي المسؤولية والتقدم نحو إدارة الشأن العام.
في مشهد غير مسبوق، تتنافس الأحزاب البرلمانية على البقاء في سدة المعارضة، رافضة المشاركة في الحكم، وإذا كان المعتاد أن الأحزاب السياسية تشارك في الانتخابات من أجل أن تسهم في إدارة البلاد، إلا أن الوضع التونسي يظهر حالة استثنائية تغلب عليها المكايدة السياسية والأنانية الحزبية الضيقة، حيث يخشى الجميع دفع ثمن كلفة إدارة البلاد. وعلى الرغم من القدرة على الانتقاد اللاذع، وتقديم حلول لفظية، فإن لا أحد من هذه الأحزاب يملك برامج فعلية، أو يضم في صفوفه قيادات قادرة على أن تكون من رجالات الدولة، وهو ما حوّل الوضع الديمقراطي الحالي إلى نوع من المأزق السياسي في ناحيتين: أولاهما نظام انتخابي رديء يقوم على تفتيت الأصوات، وتوزيع التمثيلية النيابية على أكبر عدد ممكن من الفرقاء السياسيين، ممن يستحيل جمعهم في حكومة واحدة، أو حتى اتفاقهم على برنامج سياسي محدد. ومن ناحية ثانية، أدى هذا القانون، والوضع الديمقراطي عموما، إلى صعود وجوه سياسية مناوئة للثورة وللديمقراطية، ولتتحول إلى أداة تعطيل فعلي للمشهد السياسي، وهو ما نستشفه مما يفعله نواب كتلة الحزب الحر الدستوري، وهم من بقايا النظام السابق، ويرفضون الاندماج في العملية السياسية، بل ويبشرون بالانقلاب على المسار الديمقراطي، ويتقاطعون مصلحيا، أو بالأحرى هم يخدمون فعليا أجندات قوى إقليمية معادية للثورة التونسية، وهو ما يفسر سلوكهم العدواني، من خلال مواقفهم المتتالية، بداية من رفضهم أداء القسم القانوني مع باقي النواب، كما ينص عليه الدستور التونسي، وصولا إلى اعتصامهم الحالي في مقر المجلس النيابي، وتعطيلهم أشغال اللجان وعمل رئيس المجلس، خصوصا وأن البرلمان منشغل في الفترة الحالية بمناقشة قانون المالية الذي تتعلق بصدوره كل دواليب الدولة تسييرا وأداء.
لقد وجدت الديمقراطية التونسية نفسها في مأزق فعلي. وعلى الرغم من كل ما يقال عن الفترتين السابقتين من الحكم، أعني الثلاث سنوات الأولى من حكم "الترويكا"، ثم زمن حكم الرئيس الراحل، الباجي قائد السبسي، فإن المرحلة الحالية تكاد تكون الأكثر سوءا في ظل صعود أحزابٍ تفتقر إلى الحكمة والدراية والمرونة السياسية في التعامل، واكتفائها بمنطق التعطيل وتسجيل المواقف. وبين رئيس حكومةٍ مكلفٍ يفتقر الى الشجاعة، أو على الأقل لا يملك المقومات اللازمة لإدارة المرحلة، وأحزاب سياسية تميل نحو المواقف الخطابية، والجلوس في مقاعد المعارضة، ولا تملك البرامج، ولا الرؤى السياسية، وتفتقر إلى قيادات تقدّر المصلحة الوطنية قبل المصلحة الحزبية. وإذا أضفنا إلى هذا المزيج صعود نوابٍ من بقايا حقبة الاستبداد، لا يخفون رغبتهم في إطاحة تجربة الانتقال الديمقراطي، يمكن القول إن المشهد السياسي التونسي مفتوحٌ على خيارات شتى، وإذا لم تحدث توافقات الحد الأدنى في اللحظة الأخيرة بين الأحزاب، فقد تجد البلاد نفسها أمام انتخاباتٍ جديدةٍ، لا ترغب قوى كثيرة في خوضها.
لقد تجاوزت التجربة السياسية التونسية مصاعب شتى، واستطاعت، في كل مرة، أن تستعيد توازنها. ومن الطبيعي أن تنطوي الديمقراطية في ذاتها على إمكانية سوء استعمالها، إلا أن هذا لا يجعلها نظاما فاشلا، بقدر ما يمنح الفرصة للشعب لمزيد من تطوير التجربة وتحصينها، حرصا على استمرارها وخدمة لاستقرار البلاد. 600 185 - أزمة حكم في تونس

قد يعجبك ايضا