Rassd Tunisia - 1er site d'information en Tunisie

من ملامح الوجه الآخر لكبار كتّاب مصر(1 من 4)

مع الأسف، الحياة ليست كافتيريا، لكي تختار فيها البشر الذين تحبهم فقط دون أن تجد فيهم عيوباً أو نواقص. لا تنس أن الإنسان مخلوق من طين لازب، ولذلك لا جدوى من السعي لجعل سيرة من تحبهم من الكتاب والفنانين مشرقة وجميلة على الدوام، فكونهم بشراً يعني أن كل مستحضرات التجميل لن تفلح في إخفاء عيوبهم إلى الأبد، وهو ما لا يدركه الكثير من أبناء الشعوب التي تفضل استخدام مساحيق التجميل لصناعة شخصيات ملائكية تساعدها على التغني بها في الأعياد والمناسبات الوطنية، والتغلب على الإحساس بالهزيمة.

حين قرأت كتاب (المثقفون) للكاتب بول جونسون، والذي تعرض للهجوم من بعض الأقلام في صحافتنا الثقافية حين أصدر المترجم القدير طلعت الشايب ترجمته العربية في أواخر التسعينات، حيث تم اتهام الكتاب بتشويه "رموز رفيعة" مثل هيمنجواي وسارتر وتولستوي وماركس وغيرهم، وهو ما أثار تساؤلي يومها عما كان سيحدث لو صدر كتاب يكشف بصراحة الوجه الآخر لمثقفي ومبدعي مصر، وكيف سيتعرض كاتبه للتنكيل ولعن السنسفيل، وهو ما خطر بالتأكيد على بال الكاتب الكبير سليمان فياض حين أصدر عمله الفذ (كتاب النميمة) ـ أعادت دار ميريت طباعته مؤخراً ـ ولذلك ربما قرر أن يستخدم الأسماء المجهلة حين تحدث عن الوجه الخفي لعدد من كتاب مصر البارزين، ومع ذلك لم يسلم من حملات الهجوم التي كان من أسخفها تلك الآراء التي قللت من القيمة الفنية للكتاب، واعتبرته مجرد ثرثرة لا تستحق الالتفات إليها.

إلى جوار تجربة سليمان فياض، وقبلها تجربة الكاتب الكبير فتحي رضوان في كتابه الممتع مهما اختلفت معه (عصر ورجال)، هناك تجربة مهمة وممتعة في مجال كتابة سير مشاهير الكتاب في مصر بشكل مختلف عما تعودنا عليه من مديح وطنطنة، هي تجربة الكاتبة الراحلة عايدة الشريف التي أصدرت في عام 1997 كتاباً جميلاً بعنوان (شاهدة ربع قرن) أصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب، تحدثت فيه عن كثير من مثقفي مصر الذين عرفتهم واقتربت منهم، منذ أن بدأت دراستها في معهد الفنون المسرحية قسم النقد، حيث تتلمذت على يدي الناقد الكبير الدكتور محمد مندور وأصبحت صديقة له، وهو الذي أطلق عليها لقب "شيخة حارة الدنيا" بسبب علاقاتها الواسعة وصداقاتها في الوسط الثقافي، والتي اكتسبتها من خلال عملها مراسلة لمجلة (الآداب) اللبنانية التي كانت قد بدأت الكتابة النقدية فيها عام 1957، ثم عملها في مؤسستي السينما والمسرح مع الروائيين الكبار نجيب محفوظ وسعد مكاوي وعبد الرحمن الشرقاوي، وعملها كمديرة للشئون القانونية بالوكالة العربية للسينما، فضلاً عن صداقتها العائلية هي وشقيقها الكاتب الكبير يوسف الشريف بعدد من الشخصيات المهمة التي سكنت بجوار منزل العائلة في منطقة جزيرة الروضة، أحد الأحياء القاهرية العريقة، وكلها تجارب منحت كتابها خصوصية وتنوعاً، يجعلك تتغاضى أحياناً عن أسلوب كتابته الذي افتقد إلى الإحكام في بعض مناطقه، واعتمد على التداعي الحر والاستطراد، فوقع في التكرار في أكثر من موضع، خاصة أن كل فصول الكتاب كانت قد نُشرت في صحف ومجلات عربية، لكنها لم تخضع للتحرير قبل نشرها في كتاب.
أصبحت عايدة الشريف مراسلة لمجلة (الآداب) سنة 1966 بعد أن اعترضت الأجهزة الأمنية التي كانت تمارس رقابة صارمة على الكتاب والمثقفين على عمل مراسل الآداب في القاهرة الكاتب والناقد سامي خشبة، ووصل ارتيابهم فيما يرسله من كتابات إلى سهيل إدريس ناشر الآداب ورئيس تحريرها، لدرجة أنهم أنزلوا ذات مرة الطائرة المتوجهة إلى بيروت والتي كانت تحمل مواد رسالة سامي خشبة إلى (الآداب)، وقاموا بفحص محتويات الرسالة بدقة، وحين حكى سهيل إدريس القصة لعايدة خلال زيارة إلى نجيب محفوظ الذي كانت تعمل معه وقتها، تعجبت وقالت له إن سامي خشبة أكفأ من راسل (الآداب) من القاهرة، فوافقها وقال لها إنه حائر بين إعجابه بسامي ورغبته في إرضاء الأجهزة لكي لا تمنع المجلة من الدخول إلى القاهرة، وحين سألها عمن تقترحه لكي يكون مراسل المجلة في القاهرة، اقترحت عليه اسم الشاعر حساني حسن عبد الله، فاستحسن الاقتراح، وحين رأت حماسه للاقتراح تسرعت بإبلاغ حساني عبد الله بالخبر، وكان وقتها اسماً نشيطاً في الحياة الثقافية ويعمل معها في مؤسسة السينما تحت رئاسة نجيب محفوظ، كما عمل أيضاً مع الكاتب يحيى حقي في مجلة (المجلة).
قبل مغادرة سهيل إدريس للقاهرة ذهبت عايدة الشريف معه لتلبية دعوة للعشاء لدى الشاعر صلاح عبد الصبور، سأله سهيل عن رأيه في الاختيار الذي اقترحته عايدة، فقال له إنه معجب بقدرات حساني الذي كان يكتب بالفعل وقتها في مجلة (الآداب)، لكنه يرى ذلك الاختيار "جنوحاً إلى اليمين بعد جنوح إلى اليسار، لأن منبر رسالة القاهرة خطير جدا وقد يتخذ أداة تصفية حساب لكل جانب منهم، ولا بد أن يكتب هذه الرسالة شخص محايد، ولو كان لدي متسع لكتبتها"، وانتهى العشاء باقتراح من صلاح بتكليف عايدة بتلك المهمة، وقال لها صلاح إن تلك ستكون فرصة لتجميع قدراتها المشتتة واستثمار تحركاتها وعلاقاتها بالكتاب لمصلحة المجلة، وهو ما أغضب الشاعر حساني صديق عايدة، فثار في وجهها قائلاً: "كيف تكتبين مثل هذه الرسالة وأنت لم تدرسي النحو ولا العروض"، وهو ما تقول إنه شجعها فيما بعد على خوض التحدي وتطوير مهاراتها في الكتابة، لكن غضبها مما قاله لها حساني جعلها تتجاهل تعريف قارئ كتابها به، ليفهم لماذا اعتبره صلاح عبد الصبور منتمياً لأقصى اليمين.
لم أكن للأسف قد سمعت عن حساني عبد الله قبل قراءة الكتاب عام 1998، وحين سألت عنه لم أجد الكثير، سوى أنه كان من أبناء مدينة الأقصر، وأنه عم الأديب الراحل يحيى الطاهر عبد الله، وأنه أصدر ديواناً شعرياً عام 1972، وسبق له أن قام بتحقيق بعض الكتب التراثية من بينها كتاب لابن القيم الجوزية، وأنه كان تلميذاً وصديقاً للكاتب الكبير عباس محمود العقاد في السنوات الست الأخيرة من حياته، وأظن أن ذلك كان سبب تصنيف صلاح عبد الصبور له بوصفه منتمياً لأقصى اليمين، وأن ذلك الحكم التصنيفي الذي تستغربه على مثقف بحجم صلاح عبد الصبور، كان من تداعيات المعركة حامية الوطيس التي دارت بين جيل صلاح عبد الصبور وبين العقاد الذي هاجم الشعر الحديث بقسوة.
سمعت بعدها أن سر غياب حساني عبد الله عن الحياة الثقافية، هو دخوله السجن لمدة عشرين عاماً في قضية مخدرات، وقد خرج من تلك التجربة القاسية في عام 2010 تقريباً، وحين سأله أكثر من صحفي في حوارات قرأتها على الإنترنت عن تجربة السجن المريرة، رفض الحديث عنها وأكد أن قضية المخدرات تم تلفيقها له عقاباً على مواقفه السياسية، وعلى كتابته لقصائد شعرية تهجو الرؤساء العرب، لكني في الوقت نفسه وجدت إشارة في فصل من كتاب أصدرته الصحفية ولاء أبو ستيت، معتمدة على حوار أجرته معه، إلى أن رغبة حساني في تخطي الفقر بشكل سريع هي التي أودت به إلى السجن، على أية حال أسعدني أن يتجاوز الأستاذ حساني تلك التجربة الأليمة بعد أن أدى الدين الذي عليه للمجتمع، وأنه عاود كتابة الشعر والاشتراك في المحافل الثقافية وأتمنى أن تتاح لنا قريباً قراءة مذكراته التي يروي فيها تجربته مع الحياة، فنعرف منها إلى أي مدى تأثرت حياته بتجربة استبعاده من العمل كمراسل لمجلة (الآداب) التي كانت وقتها ملء السمع والبصر.

من أمتع فصول كتاب عايدة الشريف فصل بعنوان (هؤلاء الكتّاب الكبار وأجورهم المتواضعة)، كتبت فيه تفاصيل شيقة عن علاقة أهم كتاب ومفكري مصر بالفلوس، مشيرة إلى التصور السائد لدى الكثيرين الذي يتعامل مع الكاتب بوصفه راهباً في محراب الفكر، ليس من حقه أن يطلب أجراً لما يكتبه، وحين يطلب ذلك الأجر أو يلح عليه أو يهتم بتفاصيله، تتعرض صورته الرومانسية النقية للخدش، وكأن هناك تنافراً بين الفكر والأجر، يحول الكاتب الذي يطلب أجراً عن كتابته إلى "كاتب مأجور" بكل ما لهذا التعبير من دلالات سلبية، مع أن من يطلق هذا التعبير يمكن أن يصاب بنوبة قلبية لو تم إيقاف مرتبه أو إهدار حقوقه المادية.
تحكي عايدة الشريف مثلاً عن رفض عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين لإجراء أي أحاديث إذاعية أو تلفزيونية إلا بعد تقاضي مبالغ مادية وصفتها بأنها "مجزية"، وحين طلبت الإذاعية الشهيرة آمال فهمي منه أن يتحدث في برنامج (لغتنا العربية يسر لا عسر) التي كانت تبثه إذاعة الشرق الأوسط وقت رئاستها لها، فوافق الدكتور طه على ذلك، ولكن بشرط تسلم أجره كاملاً قبل إجراء التسجيل، وحين حاولت إقناعه بأن لوائح الإذاعة توجب صرف المكافآت المالية بعد الانتهاء من التسجيل، أصرعلى موقفه، مما جعلها تجمع المبلغ المرتفع الذي طلبه الدكتور من أصدقائها لكي لا تضيع فرصة تحقيق تلك الخبطة الإذاعية التي بقي منها في وجداننا حتى الآن صوت طه حسين المهيب وهو يدوي عبر الأثير: "لغتنا العربية يسر لا عسر ونحن نملكها كما كان القدماء يملكونها، طه حسين"، في السياق نفسه تروي عايدة ما حدث حين حرص طه حسين قبل موافقته على التسجيل للتلفزيون أن يسأل أولاً عن قيمة الأجر الذي حصل عليه عباس محمود العقاد، الذي كان التلفزيون قد سبق وأن اتفق معه على التسجيل، وكيف أصر على ألا يقل الرقم الذي يحصل عليه مليماً واحداً عما حصل عليه العقاد.
عن ماديات طه حسين أيضاً، تحكي عايدة الشريف أن الناشر اللبناني سهيل إدريس صاحب دار الآداب، أعجبته مذكرات طه حسين التي كان ينشرها في مجلة (آخر ساعة)، وفكر في نشرها لكنه كان يعلم أن دار المعارف وقعت عقد احتكار مع الدكتور طه قبل سنوات، لكنه فكر في التحايل على ذلك العقد، فذهب لزيارة طه حسين في منزله، وبعد التحيات والسلامات، قال للعميد إنه جاء إلى القاهرة لكي يدفع لنجيب محفوظ أجره عن نشر رواية (أولاد حارتنا) في دار الآداب، وأن نجيب محفوظ حصل منه على مبلغ ألفين وخمسمائة جنيه، فاستعظم طه حسين المبلغ وقال: "الدنيا حظوظ"، فقال له سهيل إدريس إنه يمكن أن يكون محظوظاً ويحصل على نفس المبلغ، فقال له طه حسين بأسلوبه المميز: "واحسرتاه، على أي شيء تعطيني مثل هذا المبلغ؟"، فقال له سهيل إدريس إنه يرغب في نشر المذكرات في بيروت، وحين ذكّره طه حسين بعقد دار المعارف، قال له سهيل إدريس إن هناك ثغرة قانونية يمكن أن تمنح دار الآداب حق نشر المذكرات، لأن عقد دار المعارف يتحدث عن المؤلفات فقط، وهو ما لا ينطبق على المذكرات التي لا يمكن تصنيفها ضمن المؤلفات الفكرية والأدبية، وأنه قام بتحضير عقد وقام بتجهيز المبلغ المطلوب، فنادى طه حسين على مساعده فريد شحاتة ليحضر ختمه وقام بتوقيع العقد، تاركاً مواجهة تداعيات ذلك التوقيع لمن يهمه الأمر فيما بعد.
على عكس المبلغ المجزي الذي دفعه سهيل إدريس لعميد الأدب العربي، تكشف لنا عايدة الشريف التي عملت مراسلة لمجلة (الآداب) في القاهرة أن سهيل دفع 27 جنيهاً فقط للشاعر أحمد عبد المعطي حجازي كثمن لنشر ديوانه الأول ـ والأهم ـ (مدينة بلا قلب)، وكانت حجة سهيل إدريس في ذلك أن الديوان تمت مصادرته في مصر لأن حجازي كتب فيه "يا قاهرة يا ذات المآذن الملحدة"، وحين غضب حجازي وعده سهيل بتعويضه، وبالفعل أعطاه 45 جنيهاً حين نشر قصيدته (أوراس) في مجلة الآداب. كان صلاح عبد الصبور أوفر حظاً مع سهيل إدريس من حجازي، برغم أنه حصل في البداية على 50 جنيهاً فقط مقابل نشر ديوانيه (الناس في بلادي) و(أقول لكم)، لكن الديوانين نجحا بشدة، فقرر سهيل إدريس أن يعطيه مائة جنيه عن حقوق نشر ديوان (أحلام الفارس القديم)، وطار صلاح عبد الصبور فرحاً بهذا المبلغ لأنه تصور أنه سيتمكن بفضله من شراء سيارة فولكس فاجن مستعملة، لكنه اكتشف أن المبلغ يكفي يا دوب لشراء الدركسيون حسب تعبير عايدة. لكن سهيل إدريس كان برغم هذا البخل أكثر كرماً مع الكتاب والأدباء من أدونيس الذي كان يرفض دفع مكافآت للكتاب الذين ينشرون في مجلته (مواقف) بحجة تعرضها للمصادرة في أغلب الدول العربية، ومع ذلك رفع أدونيس قضية على نزار قباني وسهيل إدريس الذي نشر في دار الآداب كتاباً يضم محاورات أجريت مع نزار في مجلة (مواقف)، لكن أدونيس خسر القضية، لأنه لم يدفع أي مقابل مادي لنزار عما ينشره في مجلته.
تروي عايدة الشريف أن سهيل إدريس قال لها حين بدأت عملها كمراسلة لمجلته الشهيرة أن عليها أن ترفع شعار الرمزية في وجه كُتّاب مصر وتملأ جعبتها بكلام من نوعية "هذا أجر رمزي لا يليق بمقامك"، وهي العبارة الأكثر استخداماً في صحفنا ومجلاتنا حتى الآن بل وحتى قيام الساعة، وهو ما جعل الناقد الكبير الدكتور محمد مندور يقول مداعباً لسهيل إدريس: "يا أخي أنت للأسف لم تعد عصرياً ولم تعد تقرأ"، فرد سهيل متعجباً: "كيف لا أقرأ وأنا أنشر لكبار مثقفي العالم"، فرد عليه الدكتور مندور: "لأن المذهب الرمزي تطور وظهر بدلاً منه المذهب التعبيري ثم المذهب الواقعي وأنت لا زلت تحاسبنا بالرمزي"، لكن سهيل إدريس قرر اتباع سياسة الطناش مع اعتراض مندور الفني، فقرر محمد مندور من ناحيته أن يتبع مع (الآداب) سياسة "على قد فلوسهم". تروي عايدة الشريف أن الدكتور مندور كان يملي مرة مقالاً عليها، وفجأة توقف وسألها: "اللي كتبته ده يغطي كام صفحة في المجلة؟"، فأجابته: يغطي صفحتين لو اتنشر جنبهم إعلان صغير"، فرد عليها: "طيب اكتبي الجملتين دول كمان وبعدين وقّعي، وهذا يكفي مقابل الخمسة جنيهات، هذه ثقافة أضعنا في سبيلها المال والجهد والزمن فلماذا نبيعها بأثمان رمزية؟". وحين عرض الإذاعي البارز طاهر أبو زيد على الدكتور محمد مندور أن يستضيفه في برنامج (مع الشعب) سأله مندور: "كم تدفع الإذاعة؟"، فأجابه طاهر بالإيطالية "جراتسيا" أي شكراً، فرد عليه مندور: "يفتح الله وهل أشتري بجراتسيا سندوتش لأولادي الخمسة"، ولذلك كانت وسائل الإعلام تتجاهل مندور الحريص على حقوقه المادية، في حين تروي عايدة نافية عنه اتهامه بالبخل، أنه لم يكن يترك أحداً من تلاميذه إلا ومنحه هدية حين يراه.

نكمل غداً بإذن الله.

قد يعجبك ايضا