فلسطين الجديدة وقيادتها القديمة

منذ بدء الحديث عن المشروع الأميركي لحل القضية الفلسطينية، أو ما بات يعرف "صفقة القرن"، كان تهميش القيادة الفلسطينية الحالية أساس كل التحرّكات المرافقة لأقطاب الدبلوماسية الأميركية. لم يعبأ المسؤولون الأميركيون برأي السلطة، ولا قادة الفصائل الفلسطينية، بأي تفصيل يتم تسريبه من "صفقة القرن"، كان الرهان على الدول العربية الموالية لواشنطن لمحاولة تسويق البنود لدى الأقطاب الفلسطينيين، سواء بالقوة أو باللين، فالتهديد بقطع المساعدات عن السلطة كان ولا يزال أحد الأساليب التي تستخدمها الولايات المتحدة وحلفاؤها في مواجهة أي موقف فلسطيني لا يرضى عنه عرّابو "صفقة القرن". اليوم، ها هو التحضير لمؤتمر المنامة جارٍ على قدم وساق. مؤتمر من المفترض أن يكون تدشينا لخطة جاريد كوشنر، والتي تحمل بين طياتها مسمى "فلسطين الجديدة" باعتبارها الشكل الذي ستخرج عليه الدولة الفلسطينية المرتقبة، وهي ستكون مختلفة كلياً عن القديمة، سواء التاريخية أو التي تحدّدت بعد قرار مجلس الأمن 242، أو التي رسمت ملامحها بعد اتفاقيات أوسلو. شكل جديد لا يمت لكل ما سبق بصلة، فالضفة الغربية ستكون مقطّعة الأوصال بفعل ضم إسرائيل المستوطنات والأراضي المحيطة، وقطاع غزة سيكون ممتداً إلى سيناء، تحت اسم "إيجار" إلى أجل غير مسمّى، هو عملياً تنازل من السلطة المصرية عن جزءٍ من شمال شبه الجزيرة إرضاء للولايات المتحدة والدول الممولة للصفقة، على اعتبار أن جزءاً من هذا التمويل سيذهب إلى جيوب نظام السيسي.
وعلى غرار كل مرحلةٍ من مراحل الصفقة، ها هو العمل على مؤتمر المنامة يسير على قدم وساق، من دون العودة إلى القيادة الفلسطينية التي باتت تناشد دول العالم مقاطعة المؤتمر الذي يبدو أنه بات يهدف إلى مقايضة فلسطين القديمة بالأموال والاستثمارات، في استعادة لمفهوم السلام الاقتصادي الذي ساد منذ تولي رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير، مهمته مسؤولاً عن اللجنة الرباعية التي شُكلت في عام 2002. ولا يبدو أن مناشدات السلطة الفلسطينية ستأتي بنتيجة، فها هي الدول الخليجية، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، تتسابق للترحيب بعقد المؤتمر، على الرغم من أنها كانت قد أعلنت، في وقت سابق، وتحديداً السعودية، على لسان ملكها سلمان بن عبد العزيز، أنها لن ترضى بما لا يرضى به الفلسطينيون، إذ بات واضحاً أن هذا الكلام لم يكن إلا للاستهلاك الإعلامي، فيما يجري الاتفاق على الصفقات خلف الأبواب المغلقة.
ولعل واحدةً من هذه الصفقات المترافقة مع فلسطين الجديدة هي محاولة إخراج قيادة جديدة من هذا الكيان المسخ المرتقب. قيادة تتوافق تماماً مع المفهوم الأميركي السعودي الإماراتي البحريني، وحتى المصري، لتصفية القضية الفلسطينية، وإخراجها من دائرة الاهتمام العربي، والالتفات إلى ما يعتبره هؤلاء الخطر الأساس على المنطقة، أي إيران، بالتعاون والتحالف مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، والتي ستشارك في مؤتمر المنامة، وتجلس إلى طاولة واحدة مع المبعوثين العرب، تماماً كما كان عليه الحال في مؤتمر وارسو الذي خصص لمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة.
هذا التهميش الكلي للسلطة الفلسطينية ورئيسها ومنظمة التحرير ينبئ بأن القائمين على "الصفقة" الحالية لا يرون أن هناك دوراً لهذه "القيادة القديمة" في فلسطين الجديدة، ويؤشّر على أن قيادة جديدة قد تخرج من خلف الستار السعودي الإماراتي لتتصدّر المشهد الفلسطيني. ربما تتضح ملامح هذه القيادة في مؤتمر المنامة، وخصوصاً أن دعوات وجهت لاقتصاديين ورجال أعمال فلسطينيين للمشاركة في مؤتمر الورشة الاقتصادية المرتقبة نهاية الشهر المقبل. وعلى الرغم من أن رجال أعمالٍ كثيرين رفضوا الدعوات، إلا أن آخرين سيكونون حاضرين شهود زور على بيع فلسطين، وجباية ثمنها اقتصادياً وسياسياً. 600 788 - فلسطين الجديدة وقيادتها القديمة

قد يعجبك ايضا