نحو مقاربة واقعية لذكرى النكبة

مع حلول شهر مايو/أيار من كل سنة، يستشعر ويستحضر المسلمون ذكرى السقوط الفعلي لفلسطين سنة 1948 في براثن المخطط الصهيوني بمعية المكر الاستعماري الغربي، حيث تظل الواقعة مرسخة في الذاكرة العربية باسم "النكبة" التي تتموقع كالنواة الصلبة لخلية من النكبات المستمرة والمتعاقبة إلى يومنا هذا.
كلنا نعرف وقائع المصاب الجلل وتاريخيته وأسبابه ونتائجه الحسية والنفسية، لأنه مرسخ في الوعي العربي، ويتسم بحركية الطابع، على الرغم من محاولات الطمس التي تستهدفه. لهذا نحتاج اليوم إلى رؤية نقدية عقلانية بعيدة عن المنطق اللاهوتي وسلطة العواطف والوجدان، رؤية تنطلق من إكراهات الواقع وتعي جيدا حفريات الحدث قبل انبعاثه. لا جرم أنّ القضية ثابتة بمشروعيتها وحق أصحابها، لكن هل ندرك حقا كيف تتأثر بما يقع في المنطقة من أحداث ودسائس وخطط استراتيجية وتغيّر القوى المؤثرة؟
على الرغم من النكبات والهزائم العربية أمام العدو الصهيوني خلال القرن الماضي، إلا أن الأنظمة العربية استطاعت، إلى حد ما، حصر توسّعه جغرافيا، والحيلولة دون بلورة مطامع الكيان في زرع إسرائيل الكبرى من النهر إلى النهر، وعزله نفسيا وثقافيا، ربما لنجاعة الفكر القومي العربي، وعروبة القضية، والإيمان الراسخ بضرورة الدفاع المشترك، في إطار وحدة المصير وعدم جواز تفكيك القضية، غير أن الأسوأ والبعيد عن الحسبان هو ما وقع مع توالي الهزائم وبزوغ مظاهر الارتداد وفقدان رؤية واقعية لانتصار القضية وتحقيق العدالة. تمسّكنا بالخطابات والشعارات ولم نتبع الأسباب العقلانية النابعة عن التبصر والقراءة العميقة للواقع. إذ ظلّ مجال المفكر فيه عندنا نفسه وارتقى إلى مستوى اليقينيات، بينما ظلّ مجال اللامفكر فيه لدينا جامدا، لكن متحركا لدى العدو، إذ عمل على ضرب القضية في العمق من خلال:
عزل القضية وجعلها خاصة بالشعب الفلسطيني في حدوده الجغرافية المتناقصة بفعل سياسة الاستيطان، من خلال تشتيت الالتحام العربي والإسلامي حول القضية ورفع صفة المفصلية عنها. بلقنة الدول العربية، وإغراق كل دولة على حدة في الأزمات المفتعلة والمتناسلة. من المستفيد الأكبر من عملية الفوضى الخلّاقة التي تبنّى تنفيذها الحزب الجمهوري الأميركي؟
ضرب القوى العربية الكلاسيكية والسعي إلى استدامة إضعافها (العراق وسورية مثلا) وبقاء الكيان المغتصب القوة العسكرية الوحيدة في المنطقة. تهييج نزعات الأنانية والفردانية والمصلحة الخاصة لوأد كل المبادرات العربية في المهد. زرع الشقاق والفتن بين الدول العربية، وحجب تركيزها عن العدو الحقيقي للأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء. شن حرب نفسية شرسة على قيم العمل العربي المشترك، بضرب منابع الحس القومي والانتماء الوطني والثقة بالنفس. إدارة حرب سيميائية تأتي على عملية الإدراك لدى المواطن العربي، من خلال استهداف عملية بناء المفاهيم، وزرع ترسانة من الألفاظ والمصطلحات تخدم أجندة الصهاينة، والدفع بنا إلى استعارتها واستعمالها بإدراك أو غير إدراك، بمعية عصابة من المثقفين المرتزقة لنشر التضليل والتعتيم. فرض خيار التطبيع وجعله من المسلّمات، خصوصا مع متاجرة مجموعة من الأنظمة العربية بالقضية الفلسطينية، والهرولة إلى كسب دعم إسرائيل والقوى الغربية للحفاظ على كراسي الحكم.
يوظف العدو الصهيوني كل أدوات الضغط لديه للتأثير على القوى الغربية وإجبارها على السير على المنوال الذي يرتضيه خدمة لمساعيه، ماذا عن أدوات التأثير والضغط لدينا؟ يمتلك العدو الصهيوني مشروعا رغم افتقاده للشرعية، ويعمل على تحقيق أهدافه رغم وحشيتها، ويؤسس لها بأباطيل وأساطير يكابد من أجل إضفاء الشرعية عليها، ويتبع رؤية سخّر لها كل المقومات ويتبع كل السبل لتحقيقها. بينما الشيء الذي نفتقده ولا نستطيع حتى التأسيس له، إذ يبقى التضامن العربي وجدانيا أكثر منه ماديا ملموسا، ينبض به كل الشارع العربي، لكن لا ينعكس ماديا على الأداء الرسمي. وفي المقابل، الطفل الفلسطيني الذي يرمي الصهاينة بالحجارة يمتلك الرؤية الواقعية ويؤمن بنهج المقاومة فعلا وأداء. متى سنتبع النهج نفسه، ونؤسس لرؤية عقلانية استشرافية قوامها الدراسة العلمية للواقع، وأساسها التبصر للانخراط الفعلي في المستقبل؟

قد يعجبك ايضا