أزمة لبنان الاقتصادية تعيد سورية إلى واجهة النفوذ

أكد تحليل اقتصادي حديث أن الأزمة الاقتصادية في لبنان دفعت واشنطن إلى السماح بعودة النفوذ السوري فيها لمواجهة النفوذ الإيراني عبر حزب الله.
وقال الكاتب والباحث الإيطالي لورينزو ترومبيتَا، الخبير بالشؤون السورية واللبنانية، في تحليل منشور بعنوان “انهيار لبنان يعيد تأهيل سورية الأسد” إن الولايات المتحدة سمحت في واقع الأمر لحكومة دمشق بالتواجد على الطاولات الثنائية ومتعددة الأطراف الشرق أوسطية بوصفها “جزءاً من الحل” وليس من المشكلة كما كان يُنظَر إليها من قبل.
يأتي ذلك التحرك الأميركي بعد دخول الوقود الإيراني إلى لبنان عبر قنوات حزب الله في مواجهة أزمة الوقود والطاقة التي تعيشها البلاد، ورغم أنها كميات لا تكفي الطلب اللبناني إلا أنها جاءت لأسباب شعبوية ودعائية لخدمة النفوذ الإيراني، وفقاً للكاتب.
وتابع ترومبيتَا أن “الحرب في سورية لا علاقة لها بهذه المسألة، على الأقل بشكل مباشر، وإنما كان التعويل على الجوانب الجغرافية وعلى مناط الاهتمام من مرور موارد الطاقة ، مثل الغاز الطبيعي المصري، الضرورية لتغذية محطات الكهرباء اللبنانية بشكل مؤقت”. 

وفيما يتعلق بالغاز الطبيعي المصري، الذي من المنتظر أن يصل في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل إلى لبنان برعاية أميركية، فإنه يتعين أن يمر ليس فقط بالأراضي الأردنية وإنما أيضاً بالأراضي السورية التي يمر بها أيضاً جزء متضرر من خط الغاز الإقليمي.

ولهذا السبب وفقاً للكاتب، أعطت الولايات المتحدة الضوء الأخضر، عقب سلسلة من الاجتماعات، لإدراج ممثلي نظام بشار الأسد بشكل رسمي في طاولة المفاوضات الرباعية، وفي هذا الإطار أيضاً توجه ممثلون عن الحكومة اللبنانية لأول مرة منذ 10 سنوات إلى دمشق.
وقال الخبير الإيطالي إن استئناف تشغيل خط الغاز العربي بحاجة إلى بعض الأعمال والصيانة، وبالتالي إلى موارد مالية غير متاحة لدى دمشق، ولكن سوف تتوفر من قبل المؤسسات المالية الغربية بإيعاز من الولايات المتحدة. والهدف هنا هو توفير قليل من التيار الكهربائي للبنان.

الغاز الطبيعي المصري من المنتظر أن يصل في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل إلى لبنان برعاية أميركية

وتابع أن سورية قد عادت بهذه الطريقة إلى محيطها الإقليمي المهم بعد أن ارتدت قميص لاعب استقرار في المنطقة، وسوف تكون إعادة تفعيل عضويتها المعلقة في جامعة الدول العربية هي الخطوة الأولى في هذا السياق، مشيراً إلى أن هذا هو الثمن الذي تنوي واشنطن دفعه في إطار سعيها لتقليص النفوذ الإيراني في لبنان.
واستدرك بقوله إن هدف الولايات المتحدة لم يتحقق وذلك لسببين: الأول هو أن إيران وحزب الله تحركا بشكل استباقي، أمّا السبب الثاني فإنه يتعلق بأن ما صدر عن واشنطن كان رد فعل ولم يكن تحركاً “من أجل لبنان”.

وختم بقوله إن “السيد الجديد للبيت الأبيض جو بايدن قد بلغ آفاقاً بعيدة عبر سماحه لدمشق بالجلوس على طاولة واحدة مع كل من بيروت والقاهرة وعمان وتلقي مخصصات مالية تساعدها في إعادة إعمار جزء من بنيتها التحتية الخاصة بالطاقة”.
شبكة مصالح
وفي سياق متصل، ذكر الكاتب الصحافي الإيطالي أوغو ترامبالَي، كبير مستشاري معهد دراسات السياسة الدولية بميلانو، أنه على الرغم من الكارثة التي تعصف بلبنان، فإن الطبقة السياسية ومعها القطاع المصرفي العام والخاص لا تستشعر ضرورة إجراء إصلاحات، وذلك لأن تنفيذها يعني، بالنسبة لمنظومتها الطائفية والسوقية، فقدان سلطة وثروة.

وأضاف الخبير الإيطالي أن 8 عائلات تستحوذ على 29% من الموارد المصرفية في لبنان: الأولى هي عائلة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، بينما يرتبط اسم رئيس الوزراء المكلف نجيب الميقاتي ببنك عودة، أغنى مؤسسة مصرفية في البلاد، علاوة على أن نحو 15 إلى 20 من رؤساء الكيانات المصرفية اللبنانية لديهم روابط سياسية، في حين لا يعرف 75% من اللبنانيين كيف يوفر قوت يومه.
وتساءل ترامبالي في تحليل نشره حديثاً، عن السبيل إلى فرض الإصلاحات ؟ وأجاب أن ذلك ممكن عن طريق اتباع سياسة “العصا والجزرة” أو العقوبات والمساعدات مشدداً على أنها “أفضل الطرق من أجل جلب الطبقة السياسية والمصرفية المتعنتة إلى طاولة المفاوضات، في سبيل التوصل أخيراً إلى حل واقعي للأزمة الاقتصادية”.
ولفت إلى أن الجانب الأكبر من ثروات النخبة اللبنانية يوجد في الخارج، وفي هذه الحالة فإنه ليس من المفترض أن تكون هنالك صعوبة في توقيع عقوبات موجهة، إلا أن التوجه في الغرب هو عدم معاقبة المقربين إليه سياسياً. 

وتابع أن ثمة بصيص أمل لاح بشكل غير متوقع تحت بند “المساعدات”، أي الجزرة، حيث منح صندوق النقد الدولي، تحت قالب “حق السحب الخاص” لبنان نحو 1.1 مليار دولار، ما يمكن اعتباره حقناً ربما كان ضرورياً في هذه الأوضاع. 
ولكن والكلام للكاتب فإن “ما حدث أن هذه المساعدات سُلمت إلى البنك المركزي الذي يعتبر محافظه رياض سلامة المايسترو الكبير للكارثة، وكأننا قبضنا على اللص ووجهنا له الاتهام ثم سلمناه جزءاً من المسروقات: وفي حالتنا هذه كأننا نمول من سيخضع فيما بعد للعقاب”.
وختم بقوله إن دولة عضواً في صندوق النقد الدولي هي التي ضمنت تلك المساعدات، ويتردد في بيروت أن هذه الدولة هي الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن هذا المليار لن يحل الأزمة، شأنه في ذلك شأن النفط الإيراني، فإنه سوف يخدم إلى حد ما الأهداف الدعائية ويرضي ذاك القطاع من السلطة اللبنانية الأكثر قرباً للغرب سياسياً. وما زال عرض الأزمة اللبنانية مستمراً.