من أمثالهم… الصيف ضيعت اللبن (2)

أطال الجاحظ النفس في القصة وذكرها بتمامها، لكن ما يعنينا منها هو ما وقفنا عنده الآن، ولنا فيه جملة استنتاجات، أولها أن الجاحظ يقول إن أول من ذكر المثل أنثى (قتول بنت عبد)، وهي تخاطب به رجلًا (طليقها)، ومن ثم فكلمة ضيَّعت مفتوحة التاء، وليست مكسورة التاء، على خلاف ما هو شائع ذائع في كتب اللغة والأدب.

والاستنتاج الثاني من قصة الجاحظ دخول حرف الجر (في) على مادة المثل، وهو لم يرد في الرواية السابقة؛ ففي الرواية الأولى تأتي كلمة الصيف منصوبة على الظرفية (ظرف زمان)، بينما هنا تأتي مجرورة/ مخفوضة بعد حرف الجر/ الخفض في، ما يعني أن المثل فيه تباين في مورده.

والاستنتاج الثالث أن كلمة ضيعت وردت بكسر التاء، إلا أن الجاحظ ساقها على لسان المفرد المؤنث تخاطب به المفرد المذكر، فكان أن فُتحت التاء على غير ما هو مشهور بين الناس؛ فصارت (ضيعتَ)، وهو تبكيتٌ منها لما كان منه.

ومن بعد صاحب “البخلاء”، يطل علينا أبو بكر بن الدينوري (ت 333 هـ) في كتابه “المجالسة وجواهر العلم” بمورد آخر للمثل ذاته، ويختلف أيضًا في ملابساته وصيغته كذلك عما وصلنا عن المفضل الضبي، إذ يقول الدينوري نقلًا عن الأصمعي (ت 216 هـ) والذي سمع المفضَّل الضبي – سنحتاج لهذه الجزئية بعد قليل – وقد سأله جعفر بن سليمان عن قول الناس [في الصيفِ ضيعتِ اللبن]؛ فأجاب الضبي إن صاحب هذا الكلام عمرو بن عمرو التميمي، ثم ساق القصة باختلافات يسيرة.

رواية ثالثة

في القاموس المحيط، يبسط الفيروزآبادي (ت 817 هـ) قصة تختلف عن قصتي المفضل الضبي والجاحظ، فيقول إن الأسود بن هُرْمُزَ طلَّق امرأته العَنودَ الشَّنيئة – وكانت دميمة الخِلقة – رغبةً عنها إلى جميلة من قومه، ثم جرى بينهما ما أدى إلى المفارقة؛ فتتبَّعت نفسه العنود، فراسلها فأجابته (أتركتني حتى عُلِّقْتَ أبيضَ كالشَّطَنْ/ أنشأتَ تطلبُ وصلنا.. في الصيفِ ضيعتَ اللبن)، ثم قال الفيروزآبادي “وعلى هذا، التاءُ مفتوحة”.

عندما يندم المرء على ما ضيَّع يقال له “تطلب أثرًا بعد عين”، وفي الأمثال العامية يقال في مصر “العايط في الفايت نقصان في العقل”

وفي مفترق الطرق بين الروايات الثلاث، يرفع عبد الكريم السمعاني (ت 562 هـ) عقيرته في “الأنساب” بقصة ثالثة، لا يمكن الاعتداد بها موردًا للمثل، لكنها في سياق توظيفه والاستشهاد به، وفيها أن يحيى بن معين قال أتيت محمد بن عبيد الطنافسي – حين قدِم بغداد – وكنتُ قد أبطأتُ عنه حتى انتشر أمره وجلس إليه الناس يأخذون عنه؛ فلما أتيتُه وقد كان الناس كثروا قال لي (خَلَّفْتَني حتى إذا عُلِّقْتَ أبيضَ كالشَّطَن/ أنشأتَ تطلُبُ وصلنا.. في الصيفِ ضيعتَ اللبن)، وهذا نص ما أورده الجاحظ منسوبًا إلى قتول بنت عبد، وعند ابن الأنباري “وأخبرنا أبو العباس عن سلمة عن الفرَّاء قال (الصيف ضيعتَ اللبن) بفتح التاء”.

وفي سِفره “إكمال تهذيب الكمال”، يسوق علاء الدين مغلطاي (ت 762 هـ) القصة التي جاء بها السمعاني مع اختلافات أهمها أنه لم يذكر كلمة ضيعت (بالعين)، وإنما قال ضيحت (بالحاء المهملة)، ولربما توهمنا أنه تصحيف، غير أن يحيى يقول “في الصيفِ ضيحت اللبن”، وهو الصواب. لم يذكر الأغلب الأعم من أهل اللغة الفعل ضيَّحت في هذا المثل، وهو من الضياح أي اللبن الخاثر، ولكن الخفاجي يرجِّح أن الفعل ضيعت وليس ضيحت.

دخول حرف الجر

نفيد من رواية الأصمعي عن المفضَّل الضبي أنه سمع مشافهةً من الضبي، والمفضَّل الضبي رأسٌ في هذا العلم، إذ إنه أول من جمع الأمثال في كتابٍ بتكليف من معاوية بن أبي سفيان، وكلامه حجة على من بعده لأنه متقدِّم على كل من ألَّف وصنَّف في الأمثال، وكلهم عيالٌ عليه. ونظرًا لأن المفضل ساق المثل في كتابه منزوع حرف الجر، في حين نقله عنه الأصمعي مُثبتًا بحرف الجر، فلربما نسي الأصمعي أو التبس عليه، أو توهَّم ذلك.

وفي “تصحيح الفصيح وشرحه”، يقول ابن درستويه (ت 347 هـ) تعليقًا على دخول حرف الجر على هذا المثل “الصيف منصوبٌ على الظرفية، واللبن منصوبٌ على المفعولية بالفعل ضيعتِ، والعامة تقول [في الصيفِ ضيعتِ اللبن]، وهو خطأ”.

وعند ابن السكيت (ت 244 هـ) في “إصلاح المنطق”، وابن جني (ت 392 هـ) في “الخصائص”، وابن منظور (ت 711 هـ) في “لسان العرب” يأتي المثل بكسر تاء الفعل، بينما عند الصاحب بن عباد (ت 385 هـ) في “المحيط في اللغة”، وأبي الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في “اللطائف” يأتي المثل مسبوقًا بحرف الجر، في حين اختار الشهاب الخفاجي (ت 1069 هـ) التيسير على نفسه وعلى الناس، إذ يقول في “حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي”: فتدبَّر قولَه الصيفَ ضيَّعت اللبن، وفي نسخة (في الصيف)، وهو روايةٌ في هذا المثل، وأصله كما في شرح الفصيح.

واتفق أحمد بن عمر الحازمي (معاصر) مع الخفاجي في هذه اللطيفة، فقال في كتابه “شرح الجوهر المكنون في صدف الثلاثة الفنون”، تعليقًا على مثلنا هذا (يقال للرجل الطالب شيئًا ضيَّعه قبل ذلك: الصيفَ ضيَّعت اللبن، أو في الصيف كما في بعض الروايات).

أمثال قريبة من “الصيفَ ضيَّعتِ اللبن”

في تبكيت المرء لسوء صنيعه يُتمثَّل بقول تأبَّط شرًا “لتقرعن عليَّ السِّن من ندم/ إذا تذكرت يومًا بعضَ أخلاقي”، وعندما يندم المرء على ما ضيَّع يقال له “تطلب أثرًا بعد عين”، وفي الأمثال العامية يقال في مصر “العايط في الفايت نقصان في العقل”، وفي العراق يقولون “شيفيد الندم بعد خراب البصرة”، والقائمة تطول.