انعكاسات محتملة للتوتر الأميركي الفرنسي في شرق آسيا وإيران

زيارة وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، لباريس لإجراء محادثات اليوم الثلاثاء مع نظيره الفرنسي، جان ايف لودريان وصفها أمس السفير الفرنسي في واشنطن فيليب إتيان بأنها “هامة جداً لإعادة بناء الثقة التي صارت مفقودة”، وهو يشير في ذلك إلى الصدمة التي تسببت بها صفقة الغواصات الأسترالية التي خطفتها الولايات المتحدة من فرنسا. وبدا من كلام السفير أن العملية خلخلت أسس علاقات بلاده مع الولايات المتحدة، بحيث صارت بحاجة إلى إعادة نظر وإجراء “مناقشات ومشاورات في العمق” الذي يتصل “بالشراكة الاستراتيجية بين البلدين”، كما قال. 
وفي إشارة إلى عمق الجرح الفرنسي، ترك السفير الانطباع بأن إمكانية حصول لقاء بين الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون ونظيره الأميركي، جو بايدن، غير واردة في المدى القريب. ففي رده على سؤال حول مثل هذا الاحتمال اكتفى بالقول: “لا تعليق لدي”. وكان من المتوقع أن يلتقي الرئيسان خلال مؤتمر المناخ في غلاسكو الذي يفتتح أعماله أواخر الشهر الجاري ولغاية 12 نوفمبر/ تشرين الثاني القادم.
الخارجية الأميركية حرصت قبل مغادرة الوزير بلينكن، على وضع الزيارة في إطار المحاولة الرامية إلى “إصلاح ذات البين” بين “أهل البيت الواحد”. بيانها شدد على “القيم المشتركة” مع الحليف الفرنسي، كما على النية “لتعزيز العلاقات الحيوية معه”، فضلا عن قضايا أخرى تشمل “سخونة المناخ ووباء كورونا … والمسائل الأمنية في منطقة الهند الصينية والمحيط الهادئ”.

لكن الخارجية الفرنسية سارعت قبل وصول بلينكن إلى وضع زيارته في إطار تداعيات صفقة الغواصات، وما يستدعيه ذلك من “البحث عن تحديد الخطوات اللازمة لعودة الثقة إلى سابق عهدها مع ما يتطلبه ذلك من وقت وعمل ثابت”، أي أن العودة إلى الوضع السابق المألوف ليست قريبة وغير مضمونة النتائج.
الاعتقاد أن نغمة “عفا الله على ما سلف” التي تتحدث بها إدارة بايدن، من الصعب تسويقها في أوروبا عموما وفرنسا بخاصة، في أقله على المدى المنظور. منذ فترة والأوروبيون وخصوصا الألمان والفرنسيين، يدعون إلى بدء الاتكال على الذات في الشأن الدفاعي. منظومة حلفاء الحرب الباردة صارت براغيها رخوة، والارتياب بين أطرافها صار أقوى من الروابط التي يعتبر رموز من قدامى المحافظين أنها “باتت عبئاً على أميركا” بعد نهاية الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي. ويعود هذا التحول إلى ما قبل مجيء الرئيس الجمهوري السابق، دونالد ترامب، وسلفه بايدن لا يشذ عن القاعدة. ممارسته في أفغانستان وموضوع الغواصات، كانت على نقيض خطابه عن ترميم التحالفات والعودة إلى حظيرتها. والآن يتجه نحو التركيز على “منافسة” الصين، من دون مشاركة الأوروبيين، وبالتحديد فرنسا التي لها حضور عسكري بحري قديم في شرق الهادي المجاور للمدار البحري الصيني.

وفي حسبان بعض الخبراء، مثل آن ماري سلوتر رئيسة مركز “أميركا الجديدة” للدراسات والأبحاث بواشنطن، فإن التوجه لتحجيم الصين من دون أوروبا “خطأ” كبير ترتكبه إدارة بايدن. فالقارة العجوز التي أغاظتها قضية الغواصات والتي تربطها علاقات تجارية كبيرة مع بكين، قد تكون عملياً من العوامل المساعدة لهذه الأخيرة وبما يخفف من الضغوط الأميركية عليها. وثمة من لا يستبعد أن يؤثر الاهتزاز في العلاقات الأميركية الفرنسية، على الدور التكاملي الذي تلعبه باريس وواشنطن لتليين موقف طهران في ساحات ساخنة مثل لبنان، وبما أدى إلى إحداث انفراج ولو هشاً عبر التغلب على عقدة تشكيل حكومته الأخيرة. فطهران تخاطب واشنطن من خلال باريس. وإيران تلبي بعض ما تطلبه فرنسا من باب أنها تعطي سلفة لإدارة بايدن. ومن جهتها فوضت واشنطن باريس لتقر نيابة عنها بنفوذ إيران في لبنان. ثلاثية خدمت كل أطرافها، وخصوصا الطرف الأميركي الذي يطمح بقدر ما تطمح إيران، بالعثور على مخرج يؤدي إلى إحياء الاتفاق النووي. فهل تبقى باريس بعد صفعة الغواصات في هذا الدور الذي يواتي واشنطن أم تراجع حساباتها؟ ما يكاد يجمع عليه العارفون أن فرنسا اكتوت بـ”طعنة” الغواصات ومن الصعب أن تنسى ذلك، ولو أنها في النهاية مضطرة للعضّ على الجرح.